صحافة دولية

أبناء غزة المغتربون يقضون أياما صعبة خوفا على أقاربهم

الاحتلال ارتكب مجازر وحشية في قطاع غزة- جيتي
يقضي أقارب الفلسطينيين من قطاع غزة، المقيمين في الخارج، أوقاتا صعبة، على وقع الأخبار التي ترد عن العدوان والقصف الوحشي الذي يواجهه أقاربهم على مدار قرابة 48 يوما.

ورصدت صحيفة "نيويورك تايمز" شهادات عدد منهم، وقالت إنه رغم اختلاف ظروف كل منهم، إلا أنهم جميعا يشتركون في شيء واحد وهو "الإحساس بالذنب" لعدم القدرة على فعل أي شيء.

ريم الفرنجي، مثل جميع المغتربين الفلسطينيين، تتساءل عما إذا كان أقاربها في غزة لا يزالون على قيد الحياة، وما إذا كانوا جائعين أو مصابين "هي أيضًا تشعر بالذنب".

قالت الفرنجي، المقيمة في الأردن، إن مجرد شرب كوب من الماء يجعلها تشعر بالذنب "في كل مرة أشرب فيها الماء.. أتمنى أن أعطي كوبا واحدا لأمي".

يعيش سكان قطاع غزة منذ أسابيع تحت القصف الإسرائيلي المستمر، مع انقطاع إمدادات الغذاء والماء والدواء.

كما تنقطع الاتصالات بشكل متكرر، لذلك لا يمكن لأولئك الذين يعيشون خارج الإقليم التعرف على مصير عائلاتهم هناك، إلا من خلال رسائل نصية متفرقة عبر تطبيق الواتساب أو المكالمات الهاتفية.

وقد ظهرت بعض الآمال في الهدنة المؤقتة التي جرى الإعلان عنها، للسماح بإطلاق سراح 50 من الرهائن في غزة، و150 سجينا فلسطينيا، لكن ذلك لم يغير من الوضع الإنساني في غزة.

في الأثناء، لا يزال المدنيون يمرضون بسبب المياه القذرة، ويموتون في المستشفيات التي لا تستطيع علاجهم، ويعيشون على فتات الخبز "إذا تمكنوا من العثور على أي شيء منه".

وقال محمد صلاح عرفات (30 عاما)، وهو من سكان العاصمة الأمريكية، واشنطن، وله شقيق لا يزال في غزة "هنا أحصل على كل ما أريد".

وتابع عرفات الذي غادر غزة في عام 2018: "عندما يتعلق الأمر بالطعام، وبالحرية، والحقوق، وبحرية الحركة، فإن الشعور بالذنب يقتلني".

وكان فارس، شقيق عرفات، متطوعا كممرض في مستشفى الشفاء بغزة، الذي نفدت منه الإمدادات الأساسية التي يحتاجها لعلاج المرضى وتوقف عن العمل، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

وقال عرفات إن شقيقه كان يعيش على علبة من الفاصوليا يوميا، وكان يسخنها عن طريق غمس قطعة من القطن في الكحول وإشعال النار فيها.


ثم كشف أن شقيقه غادر المستشفى الذي اقتحمته قوات الاحتلال الأسبوع الماضي، وقال: "بكيت كل يوم تقريبا منذ بداية الحرب، لا أعرف كيف أكتم مدى حزني".

من جانبها، قالت إيمان أيمن (29 عاما) والتي تعيش في إنكلترا، إنها بالكاد تستطيع منع نفسها من البكاء عندما تروي كيف أنجبت شقيقتها مولودها في أحد مستشفيات غزة دون مسكنات.

وقالت أيمن إن شقيقتها كانت تمر في فترة الحمل عندما اندلعت الحرب، وقد انتهت لتوها من تزيين غرفة طفلها المنتظر.

وكشفت أنه في 17 تشرين أول/أكتوبر، كان على أختها الذهاب إلى المستشفى على عجل لأن علامات الولادة بدأت، لكن الطرقات كانت عبارة عن كومات كبيرة من الركام، بينما لم يكن هناك أي وقود للسيارات.

لذلك، سارت أختها لمدة ساعة تقريبا مع والدتها وشقيقها بجانبها، لتنتظر 18 ساعة للحصول على سرير عندما وصلوا أخيرًا إلى المستشفى.

وقالت إن شقيقها أخبرها أنه أغمض عينيه حتى لا يرى الجثث والأشلاء التي يحملها العاملون الطبيون.

وقالت أيمن، التي لم ترغب في ذكر أسماء أشقائها خوفا من استهدافهم من قبل قوات الاحتلال، إن أختها كانت بحاجة إلى شق جراحي للمساعدة في إزالة طفلها، وهو ما فعله الأطباء دون مخدر وهي تصرخ.

وقالت: "كان عليهم أن يأخذوا والدتي خارج الغرفة.. حتى لا ترى معاناة ابنتها".

ومثل الفرنجي، سبق وأن عاشت إيمان في غزة، ولكليهما العديد من أفراد الأسرة هناك، بما في ذلك والدا الفرنجي، اللذين دُمر منزلهما في وقت مبكر من الحرب، وهم يعيشون الآن في منزل عمّها جنوبي غزة، مع شقيقها وزوجته وعشرات من أقاربها الآخرين.

ريم كشفت من جانبها أن الانفجارات ليلا ترعب والدها المصاب بالزهايمر.

وقالت في هذا الصدد: "تقول أمي إنه يكون في بعض الأحيان بخير، حيث لا يستطيع أن يفهم حقاً ما يحدث حوله، لكنه في بعض الأحيان يشعر بالخوف الشديد، بسبب أصوات الانفجارات".

وكشفت قائلة: "أحيانا يجد إحدى بنات عمي ويضع عليها البطانية، ويقول لوالدتي هذه ابنتك، هذه ريم، أرجو أن تدفئها هذه البطانية".

وقالت أيضا إن قريبا لها كان يعاني من الفشل الكلوي في الأيام القليلة الأولى من الغارات الجوية، وإن طاقم مستشفى القدس، حاول مساعدته لكن لم يكن له مكان، وبعد يومين مات.

وأوضحت أن الأسرة شعرت بأنها محظوظة لأنها تمكنت من دفن جثته، لأنه حتى القبور يصعب العثور عليها.

وتابعت متحسرة: "صرت أتحاشى بدء رسالتي لهم بكيف حالكم.. لأنهم يقولون لي نحن ننتظر دورنا لنموت".

ويقول محمد العبادلة إنه يسمع نفس الشيء من الأشخاص الذين يعرفهم.

يعيش العبادلة في دبي، حيث يقضي أيامه منذ بدء الحرب على تتبع الأخبار لأنها غالباً ما تكون الطريقة الوحيدة لمعرفة ما إذا كان والداه على قيد الحياة.

يتساءل الرجل دائما هل دخلت المزيد من شاحنات المساعدات؟ هل هناك مياه نظيفة؟ هل تم قصف حيهم؟

وقال في حديث للصحيفة: "من الصعب للغاية بالطبع رؤية هذه الصور ومقاطع الفيديو ومعرفة أن عائلتك ليست آمنة".

وعاش العبادلة في غزة عندما كان مراهقًا في أوائل العشرينات من عمره، بينما لا تزال أخته وزوجها وطفلهما البالغ من العمر عامين يعيشون هناك، مع أفراد العائلة والأصدقاء الآخرين.

وفي أوائل نوفمبر، أرسل له أحد الأصدقاء رسالة نصية يقول فيها إن زوجته وطفليه قتلوا في غارة جوية.

وقال إنه من الصعب معرفة كيفية الرد على هذه الأخبار، مضيفا: "أنا فقط أقول لهم أن يبقوا أقوياء".