أفكَار

صلاح الدول يقتضي وجود الشوكة والشرعية لمنع فساد معاني الإنسانية

تبين أن الأحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس لأن الوازع فيها أجنبي. وأما الشرعية فغير مفسدة لأن الوازع فيها ذاتي.
قدمت المثال الرئيس في الفصول السابقة عن التخميس الذي هو بنية علاقة الكيان العضوي الإنساني بذاته وبمحيطه أعني نظام الحواس الذي هو بداية كل عمل وعلم وغايتهما لأنه هو جهاز الفعل والانفعال في علاقته بذاته وبمحيطه الطبيعي والتاريخي.

فكان دوره هذا علة في قلب العلاقة بين جهاز الإرادة الحرة على العقل الراجح وهو الفرق الأساسي بين الفلسفي والديني على الأقل في الإسلام كما فهمته المدرسة النقدية.

فالعلاقة بين الذات وذاتها وبينها وبين غيرها طبيعيا كان أو إنسانيا أصله وفصله الإرادة  بحيث إن تحديد الغايات يعود إليها وهي التي تدفع الذات لتحديد الأدوات التي يعود تحديد الحكم منها للعقل مع بقاء القرار الأخير للإرادة الحرة، فتردّت بين سلوك المضطر وسلوك الحر. ولهذه العلة كانت منظومة قيم أفعال العباد في الإسلام مؤلفة من خمسة:

1 ـ قيمة وسطى محايدة وهو المباح: فيكون هو المشرع فيها وقد أفسدها القول بالقياس وهو خطأ أفسد كل الفقه الإسلامي لأنه جعل الفقهاء مشرعين وليسوا علماء في التشريع الموجود في النوعين المزدوجين الآخرين على يمين الإباحة وعلى يسارها.

2 ـ  فعلى يمينه المأمور به ندبا وفرضا.

3 ـ وعلى يساره المنهي عنه كرها وحظرا.

4 ـ مع مبدأ الضرورة التي تبيح المحظور وبمقتضاه يصبح الفرد المكلف والمسؤول أشبه بالمشرع لذاته اعتمادا على تقدير قدرته على التعامل مع الضرورة وتلك هي العلامة الحقيقية لمعنى الحرية.

5 ـ ذلك أن تحديد الضرورة إضافي إلى تحديد طاقة المتعامل معها ومدى الاستطاعة فتكون بذلك معيارا لحرية إرادة قدرته الخلقية التي تعير بمقدار صموده أمام الاستسلام للضرورة بدل مقاومتها بالترجيح الحكيم وقاية قبل حصولها وعلاجا بعده.

وانطلاقا من هذه الرؤية يمكن فهم حكمين يبدوان متناقضين في فلسفة ابن خلدون ورؤيته الأنثروبولوجية ـ نظرية الإنسان ـ إذ يرى أن السياسي يخضع لصراع الإرادات ومن ثم فهو يحتاج إلى الشوكة والعصبية. لكن الإنسان رئيس بالطبع بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له ولا يخضع للضرورة بل هو مقاوم لها.

لذلك فلا بد من تحقيق شرط الاستخلاف أي رفض العبودية فتكون السياسة من ثم بحاجة إلى علاقة الضروري في السياسة والمحظور في الأخلاق.

فيترتب عن ذلك أن الصلاح يقتضي وجود الشوكة والشرعية في كل نظام سياسي لمنع فساد معاني الإنسانية. وشرط ذلك أن تكون السلطة لجماعة لم تفسد فيها معاني الإنسانية وهو ما يقتضي أن تكون التربية والحكم منتجين للأفراد ذوي الإرادة الحرة والحكمة الراجحة.

وينبغي هنا أن أورد كل الفصل السادس من الباب الثاني وكل الفصل الأربعين من الباب السادس من المقدمة. لكني أكتفي بالإحالة عليهما لفهم الإشكالية التي تحدد نظرية الدولة في المدرسة النقدية وهي مستوحاة من القرآن الكريم ومن السنة أي تربية الرسول وحكمه للجيل الأول من المسلمين. وسأكتفي بجملتين من II.6 ومن VI.40 (الرقم اللاتيني للدلالة على الباب والرقم العربي على الفصل).
ولكن قبل ذلك فلأحدد القصد في رؤيتي بمعنى الخلفاء الراشدين. فهم عندي خمسة والخلافة الشرعية انتهت بانتهاء الدولة الأموية:

فالرسول أولهم لأنه بعد الهجرة والبيعة لم يبق رسولا فحسب بل صار خليفة كذلك، ثم ثلاثة بعده هم الصديق والفاروق وعثمان قادوا جل الفتوحات وكونوا الإمبراطورية الإسلامية حول قلب الدولة شرقا وغربا وكل ذلك كان قبل الفتنة وقبل انقسام الخلافة الإسلامية بسبب الحروب الأهلية التي نتجت عنها.

والأخير هو معاوية الذي استعاد وحدتها فكان الخامس بخلاف ما يزعم ضده وكلهم عملوا بمقومي كل دولة في التاريخ الإنساني أي بالجمع بين الشوكة والشرعية جمعا رادعا يغني عملا بالآية 60 من الأنفال عن العنف: في التربية وفي الحكم، وذلك في حالة السلم الأهلية إلا في حدود الضرورة التي تبيح المحظور في حالة الحرب الأهلية. بمنطق العلاج الذي حددته الآية التاسعة من الحجرات.

وكل من يعرض تاريخ المسلمين بالكلام على شرعية عديمة الشوكة أفسدوه وجعلوا الاستئناف شبه مستحيل لعدم فهم الشروط الاستراتيجية التي تنبني على كل دولة وخاصة إذا كانت إمبراطورية عالمية.

وقد لا يفهم الكثير هذا التصنيف لأنهم يرون فيه أمرين لا يقبلون بهما لأن شروط الاستئناف لا تعنيهم ولتأثرهم بالخرافات الباطنية في قراءة هذا التاريخ وهي قراءة لم تقف عند تدنيس الدولة الأموية، بل ذهبت إلى تدنيس كل ما حققه الخلفاء الثلاثة الذين يحاربونهم ويلعنون بتوريط علي وأبنائه في معركة لصالح الحقد الفارسي الساعي إلى تخريب الإسلام تاريخا وعقيدة:

الأول هو وصف الرسول بكونه خليفة ورسولا بعد الهجرة والثاني هو ضم معاوية للراشدين وعدم ذكر علي. لكن النص يحتوي على التعليلين. 

كل من يعرض تاريخ المسلمين بالكلام على شرعية عديمة الشوكة أفسدوه وجعلوا الاستئناف شبه مستحيل لعدم فهم الشروط الاستراتيجية التي تنبني على كل دولة وخاصة إذا كانت إمبراطورية عالمية.
فالرسول صار خليفة لما أصبح حاكما على أساس البيعة فكان بذلك خليفة لكل المسلمين حكم وقاد الحملات العسكرية ونظم الدولة ووضع الدستور وفتح مكة واختار المدينة عاصمة سياسية للدولة دون أن يلغي دور مكة عاصمة دينية.

وعلي لم يستقر له حكم طيلة السنوات الأربع التي حاول فيها بناء دولة خارج العاصمة الأصلية دليلا على أنه لم يحصل على بيعة فعلية تضفي الشرعية والوحدة. فحكم في حقبة انقسام الأمة ولم يكن خليفة لكل المسلمين.

الثاني هو ما يعاب علَي من اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين رغم أنه لا أحد ينكر أن معاوية هو من أرجع وحدة المسلمين ودولة بني أمية هي التي أنهت الحرب الأهلية.

كما أنه لا أحد يمكن أن ينفي أن تاريخ الأمة بعد إسقاط الخلافة الأموية أصبح حربا أهلية دائمة لم تتوقف إلى الآن. أما قضية التوريث فعلي هو الذي بدأها لما ورث الحسن بعد أن طعنه من غدروا به وبابنه من بعده.

العودة إلى شاهدي ابن خلدون حول علل الفساد

ففي الشاهد الأول: "فقد تبين أن الأحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس لأن الوازع فيها أجنبي. وأما الشرعية فغير مفسدة لأن الوازع فيها ذاتي.

ولهذا كانت الأحكام السلطانية والتعليمية مما تؤثر في أهل الحواضر في ضعف نفوسهم وأخذ الشوكة منهم في وليدهم وكهولهم والبدو بمعزل عن هذه المنزلة لبعدهم عن أحكام السلطان والتعليم والتأديب".

فهل معنى هذا أن ابن خلدون يفضل البداوة على الحضارة ويرفض الأحكام والتعليم والتأديب؟ طبعا لا. فهو يميز بين بداوتين متوحشة وخاضعة للمدينة يرفضهما وبداوة ربيت تربية لا تخضد الشوكة وتتبع الوزع الذاتي بمقتضى التربية والحكم اللذين يصفهما في الشاهد الثاني:

ففي الشاهد الثاني يتكلم على ما يفسد معاني الإنسانية بسبب التربية والحكم العنيفين: فيكون ما يرفضه ليس التربية ولا الحكم بل ما يفسد معاني الإنسانية أي ما يخضد الشوكة ويضعف النفوس فينقلها من أخلاق الرؤساء بالطبع بمقتضى الاستخلاف الذي خلقوا له إلى أخلاق العبيد مكررا ما نسبه إلى تربية الرسول وحكمه فيه بجعله عاما:

ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم:

1 ـ سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه.

2 ـ وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا.

3 ـ وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله.

4 ـ وصار عيالا على غيره في ذلك (في ظل كل ما تقدم وخلاصته فساد معاني الإنسانية).

5 ـ بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل سافلين".

ثم قاس على ما يحصل من التربية العنيفة ما يحصل من الحكم العنيف. فقال: "وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف. واعتره في كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به.

يكفي أن أبدي ملاحظتين:

الأولى لكأن الرجل يتكلم علينا في التربية والثاني لكأن ما أطلقه على اليهود ينطبق عليها وهو ما يعني أن حكمه في اليهود ليس عنصريا لأنه يعلله بما تعرضوا له.

الثانية مفاد قوله إذا طبقناه علينا فمعناه أننا نحن يهود هذا العصر بسبب ما نتعرض له وهو من  جنس تعرضوا له: كانت لهم أخلاق العبيد فصارت لنا. وحصل فينا ما حصل فيهم. فتكون الظاهرة كونية رغم كونها استقرائية قدم عليها ما وصف به يهود عصر فصرنا نحن يهود هذا العصر.

وسنرى في الفصول اللاحقة أثر التفاعل بين الشوكة والشرعية وما يترتب عليهما من شروط البناء السليم في الدولة عامة والدولة التي نظامها جمهوري الطبيعة (أمر الجماعة =راسبوبليكا) شوري الأسلوب (شورى بينهم = الشرعية أصلها شورى الجماعة) الشورى 38.

فيكون أثر الشرعية في الشوكة هو أصل طبيعة النظام الجمهوري وأثر الشوكة في الشرعية هو أصل سلطة الشورى، ومعنى ذلك أن الشرعية تستمد من الجماعة وأنها لا تفعل من دون شوكة بيد الجماعة.

إقرأ أيضا: صلاح الدول وفسادها.. استكمال بنيتها المجردة ونوعا "القوامة" السياسية

إقرأ أيضا: في الأسس الفلسفية لصلاح الدول وفسادها.. بين أرسطو وابن تيمية وهيغل

إقرأ أيضا: الكونية ليست استعمال نفس العلاج لأمراض مختلفة في حضارات متعددة