كتاب عربي 21

ثوار 30 يونيو.. انتهى الدرس يا غبي!

أين هم "شركاء" السيسي في إعلان 30 يونيو؟
لم يكونوا "أولادي المغرر بهم"، فقد كانوا يعرفون طريقهم تماماً، حتى ارتكبوا عملا من أعمال الخيانة، وبمقابل، فليس سراً أن حركة تمرد تلقت تمويلاً داخلياً، من صديق مبارك رجل الأعمال حسين سالم، وتلقت تمويلاً من دوائر إقليمية، مقابل أن تكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا!

فخطاب "أولادي المغرر بهم"، استعرتُه من الرئيس السادات، وهو يخاطب عناصر الجماعة الدينية، وكان يقوم بدور "رب العائلة"، أو "كبير العائلة"، ويصدر وهو في هذا الدور قانون حماية الجبهة الداخلية من العيب، فلما تمرّد عليه بعض أبنائه لم يجد حرجاً في أن يخاطبهم بـ"أولادي المغرر بهم"، مع مراعاة نطقه للعبارة، ومع الضغط على حرف الباء مكسوراً فإنه يولّد ياء ليصبح "بيهم"!

من نعرف من شباب تمرد كانوا يبدون شباباً مخدوعين، جرى التغرير بهم، ليسلكوا "الطريق الحرام" دون وعي منهم بمآلات الأمور، ومن بينهم من هتف معنا بسقوط حكم العسكر، ومنهم من كان إلى وقت قريب يتهم المجلس العسكري بقتل الثوار في محمد محمود وغيرها!

وكانت الخيبة الثقيلة في نخبة لم تجد حرجاً في أن تطالب الجيش بالتدخل وتنفيذ مطلبها بعزل الرئيس المدني المنتخب، مع أننا مررنا بمناورات المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي كان يطمع في البقاء بالحكم، وعندما اضطر للدعوة لإجراء الانتخابات، تراجع بشكل غير منظم لأن الثورة هي التي ضغطت عليه ليغادر!

أما كونه غير منظم، فقد كان المجلس العسكري في المراحل السابقة يسمي اسماً بعينه للانتخابات الرئاسية، فسمّى نبيل العربي في وقت من الأوقات، كما أنه سمى منصور حسن في وقت آخر. واللافت أنه مع كل خيار له كان الإخوان والوفد يعلنان من فورهم تأييدهم للمرشح المختار، فلما اضطر المجلس لأن يغادر لم يسمّ أحدا، لأنه مع طمعه في الاستمرار نسي خطته السابقة، وقد صار بين اثنين من المرشحين العسكريين، هما عمر سليمان وأحمد شفيق، والمشير محمد حسين طنطاوي لأسباب تخصه لا يقبل بأي منهما!

ربما كانت لحظة "الفرار" نتيجة ضغط الثورة في الميادين وهتافها بسقوط حكم العسكري، هي التي في أذهان النخبة الجاهلة، فظنوا أن العسكر فقدوا الرغبة في الحكم، ومن ثم سيقومون بالانقلاب العسكري، ثم يسلمون السلطة "بيضة مقشرة" لأحزاب الأقلية
النخبة الجاهلة:

ربما كانت لحظة "الفرار" نتيجة ضغط الثورة في الميادين وهتافها بسقوط حكم العسكري، هي التي في أذهان النخبة الجاهلة، فظنوا أن العسكر فقدوا الرغبة في الحكم، ومن ثم سيقومون بالانقلاب العسكري، ثم يسلمون السلطة "بيضة مقشرة" لأحزاب الأقلية، ممن لا يخطر على بالها أن بين الإخوان والمنقلبين داخل المجلس العسكري صراع على السلطة، أما ما بينهم وبين النخبة المدنية من خلاف فهو من منطلقات الوطنية، والنظر إلى من لديهم ارتباطات غربية على أنهم خونة. ومن هنا فإن رفض أي دور للبرادعي لم يكن فقط في عهد مرسي، الذي تلقى اقتراحين أحدهما ألماني والثاني أمريكي بدمجه في السلطة!

فقد رفض المشير محمد حسين طنطاوي المطلبَ الثوري بتولي البرادعي منصب رئيس الحكومة بعد الدعوة لإسقاط حكومة عصام شرف، ودارت مناقشات بحث الطلب بالثوري في سياق معاني الوطنية. ولا ننسى أن التزيد في التعديلات الدستورية في شرط الجنسية كان بهدف وضع حد لطموح أحمد زويل، فبعد الثورة مباشرة كان هو من بين المطروحين للترشح لمنصب رئيس الجمهورية، لكن نسيان هذه التفاصيل تنتج عنه قراءة خاطئة للمشهد!

لقد كان النص الدستوري الطبيعي "ألا يكون المرشح لمنصب رئيس الجمهورية، حاملاً لجنسية دولة أخرى" وذلك وقت الترشح، فتم قطع الطريق على زويل في التعديلات بألا يكون قد حمل جنسية دولة أخرى، فلن ينفعه التنازل عنها. ثم ذهب التشدد بعيداً بألا يكون أي من والديه قد حمل جنسية دولة أجنبية، وهو نوع من التشدد يتمشى مع ثقافة رئيس لجنة التعديلات المستشار طارق البشري، وهي الثقافة القانونية لمجلس الدولة المصري! وذلك بدلا من النص القديم، الذي يكتفي في هذه الحالة بأن يكون المرشح الرئاسي من أب وأم وجدين مصريين. ولا أظن أن التشدد هنا كان بهدف منع الشيخ حازم أبو إسماعيل من الترشح، فقد كانت التعديلات مبكرة وبعد الثورة مباشرة!

قضية التمويلات الأجنبية:

ولا ننسى أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، كان وراء قضية التمويلات الأجنبية التي تمت بعد الثورة مباشرة، وكان من بين الدوافع لهذه القضية التأكيد على أن ثورة يناير فعل خارجي تم التدريب عليه في معسكرات خارج الحدود. ولم يكن الظرف السياسي يسمح بالتصرف فيها، لكن القضية استمرت مفتوحة إلى ما بعد الانقلاب، وقرأنا خبر بدء النيابة العامة إحالتها للقضاء قبل أن تنفي النيابة ذلك، إذ كان هؤلاء مع الانقلاب العسكري، ومنهم من هم أعضاء في المجلس القومي لحقوق الإنسان، وظل أحد رموز المرحلة يحتاج إلى إذن بالسفر، ليسافر مع السيسي، أو يقوم بجولات في الغرب للتأكيد على أن مصر تعيش فترة عظيمة من الحريات في العهد الجديد!

ومع أن سعد الدين إبراهيم وقف مع الانقلاب، ووظّف علاقاته الخارجية في إقناع البيت الأبيض به، إلا أنه تم توظيف من كانت تعمل مساعدة له فهاجمته ونشرت عن التمويل الذي يتلقاه من جهات أجنبية، ومقابل هذا تم تقريبها من أهل الحكم، ثم تركوها تغني "ظلموه"، لأنها أيضاً تلقت تمويلاً من الخارج!

إن الدولة المصرية ومؤسساتها تقبل التمويل الخارجي، لكنها ترى في قبول الأفراد له خيانة، وإذ كان مبارك اكتسب خبرة بعد سياسة الشد والجذب مع المنظمات الدولية، فإن الصورة عنده كانت أكثر وضوحاً، لكن الجنرالات الجدد عبّروا عن نفس رؤية مبارك لكن من منطلق الشعور بالقوة، فاتخذت إجراءات تم التراجع عنها؛ مثل منع متهمين أمريكيين في هذه القضايا من السفر، ثم الخضوع للأمر الأمريكي وإلغاء القرار.
المجلس العسكري ممثلاً في رئاسته يخشى من فكرة البديل الذي لديه علاقات خارجية تدعم وجوده، ولهذا ولغيره وقف ضد طموح محمد البرادعي في أن يكون رئيس حكومة بعد الانقلاب. والمعلن في ذلك أن حزب النور، الشريك في ثورة 30 يونيو الباسلة، رفض ذلك، فتم تعيينه نائباً لرئيس الجمهورية بدون صلاحيات

ولهذا الموقف باعث آخر يتمثل في أن المجلس العسكري ممثلاً في رئاسته يخشى من فكرة البديل الذي لديه علاقات خارجية تدعم وجوده، ولهذا ولغيره وقف ضد طموح محمد البرادعي في أن يكون رئيس حكومة بعد الانقلاب. والمعلن في ذلك أن حزب النور، الشريك في ثورة 30 يونيو الباسلة، رفض ذلك، فتم تعيينه نائباً لرئيس الجمهورية بدون صلاحيات!

وقبل هذا، وقبل وقوع الانقلاب، فإن اعتقاد هؤلاء كان أن استدعاء الجيش سيجعله ينزل لاستلام السلطة وتسليمها لحمدين صباحي أو البرادعي. وأتذكر المناقشات الطويلة في استوديوهات الجزيرة وغيرها بأن ما جرى انقلاب عسكري، ونجد رداً صامداً بأنها الثورة، وليس عضو المجلس العسكري هو من وضع الحد الفاصل بين الثورة والانقلاب، وهو إذا حكم السيسي، فقد كانوا مثله، وعندما ترشح هربوا من الاستوديوهات، ولكن بعد سجال طويل حول الثورة والانقلاب!

وكان البديل لهؤلاء الذين أدخلوا الغش والتدليس على المشاهدين، من يعبّروا عن الأغلبية الحاضرة في يوم 30 يونيو، من كوادر الدولة العميقة التي لا ترى بأساً في أن يحكمنا الجيش، بل ترى البأس الشديد في أن يحكمنا أحد غير ضباط الجيش، باعتبارهم هم أصل الدولة وأساس الحكم!

ليس أولادي مغرراً بهم، فقد كانوا جزءا من المؤامرة على الثورة، وقبضوا ثمن هذا، بل إنهم لم يكون أولادي بالمرة، إنهم عمل غير صالح، لكن هناك في جبهة الإنقاذ من كان يرى أنهم البديل للإخوان، فإذا عُزلت الأغلبية أمكن لأحزاب الأقلية أن تجد مكاناً تتمدد فيه!

ماذا لو بقي الرئيس؟

إن السؤال المهم هنا هو: ماذا لو استمرت تجربة الرئيس محمد مرسي لنهايتها؟ ما هو الخطر الذي سيقع على الحياة السياسية وعلى الدولة المصرية؟!

لم أكن من أهل المولاة، لكن من موقع المعارضة للرئيس محمد مرسي كنت أدعو إلى أن يُترك ليكمل دورته، فقد كنت أمس، واليوم، وغداً، ضد الانتخابات الرئاسية المبكرة، لأن أحدا لم يعطني إجابة صحيحة على سؤال: وماذا لو فاز محمد مرسي؟ هل سنطالب بانتخابات مبكرة بعد شهرين؟

لكن من بين قومنا من كانوا كالراعي يرعى حول الحمي، وقد وقع فيه، لقد قالوا إذا حدث التفاف على مطالب الثورة فإن ميدان التحرير أمامهم، ويدهشني أنني كتبت في هذه المرحلة المبكرة، لن يكون هناك ميدان للتحرير!

وعندما أفكر في هذا الموقف الذي أثبتت الأيام صحته أسأل: هل هو ذكاء مني، أم غباء منهم؟!

إن تجربتي في الحياة هي نفس التجربة التي مر بها المصريون جميعا، وهي التجربة الأولى لحكم العسكر، التي لا نزال ندفع فاتورة استبدادها إلى الآن، فلم يكن حكم العسكر اختراعاً، ولم تكن الانقلابات العسكرية غريبة عن وجداننا.

تجربتي في الحياة هي نفس التجربة التي مر بها المصريون جميعا، وهي التجربة الأولى لحكم العسكر، التي لا نزال ندفع فاتورة استبدادها إلى الآن، فلم يكن حكم العسكر اختراعاً، ولم تكن الانقلابات العسكرية غريبة عن وجداننا
كان يؤرقني سؤال: كيف لنخبة فكرية بحجم العقاد، وطه حسين، وعبد الرزاق السنهوري، أن يقفوا مع الحكم العسكري، لمجرد النكاية في حزب الأغلبية وهو الوفد، ويعتقدون أنه يمكن تقنين الاستبداد، فيُعزل الوفد وتقام حياة ديمقراطية سليمة بدونه؟

وبدت لي إجابة الدكتور محمد الجوادي على السؤال إجابة مركّزة: لم يكن لديهم الوعي الذي تشكل لدينا بهذه التجارب.

وبعد هذه التجارب جاء من يرحبون بالانقلابات العسكرية، ونالهم من التنكيل جانب، ثم تمت إماتتهم وهم على قيد الحياة، فلا تسأل عن أحمد الزند وزكريا عبد العزيز وسيد البدوي والبرادعي وحمدين صباحي وعلاء الأسواني وعبد الجليل مصطفى، بل وأين رئيس الأركان ووزير الداخلية، الشريكان الضالعان في الانقلاب؟!

فبعيداً عن القمع والإخفاء القسري، فيما يُعرف بتحديد الإقامة، فما هو الشعور وقد ألبسهم السيسي الطُرَح (جمع طرحة)؟!

يسخرون من الإخوان لنجاح السيسي في خداعهم، وهذا صحيح، لكن هم آخر من يتحدث عن الخديعة والمخدوع، لأنهم في الهواء سواء!

إن ما فعلته ثورة يوليو 1952 ضد أنصارها والذين أمنوا بها، هو نفسه ما فعله قائد انقلاب يوليو 2013، فالتنكيل بدأ بالضابط يوسف صديق، فارس الثورة النبيل، ولم ينته بإحسان عبد القدوس، لينتهي حكم الضباط الأحرار تماماً، ويتعرض بعضهم للتنكيل أيضاً، ومن عبد اللطيف البغدادي إلى عبد الحكيم عامر الذي تم التخلص منه بالسم!

لا شيء جديدا، غير أنهم كانوا وبعيدا عن حمدين والبرادعي، مغررا بهم، وقال عصام العريان إنه انتهى زمن الانقلابات العسكرية، وكان من رأيهم هم أيضا أنه انتهى زمن الانقلابات العسكرية، والنتيجة أن تأتي الذكرى العاشرة لانتفاضتهم الباسلة في 30 يونيو، وهم في وضع بائس يهز وجدان الكافر!

لقد انتهى الدرس يا غبي!

twitter.com/selimazouz1