كتاب عربي 21

زعماء عفيفون عفّة العنزة

1300x600
رئيس حزب الشعب الجمهوري في تركيا، كليتشدار أوغلو، ليس أول ثعلب "بَرَزَ في شِعارِ الواعِظين" قبل موسم الانتخابات سعياً منه وراء أصوات المحافظين، فعندما التفت الساق بالساق، وضاق على فرعون الخناق، قال: آمنت برب موسى وهارون. فرعون هو المعلم الأول في فنِّ الطغيان وفي الخداع بالإيمان.

أمسى الرجل ورعاً، تقياً، يزور قبور الصالحين، ويبكي في العمرة بدموع - كما ذكر نائب حزبه عن أنقرة يلدريم كايا- ربما كان يبكي من فشل الانقلاب أو من حرِّ مكة. وقد أعلن رئيس حزب الشعب الجمهوري كليتشدار أوغلو ندمه على حرب حزبه الشعواء على الحجاب الذي جعله العلمانيون مشكلة تركيا الأولى! جعل حزب أتاتورك شعر المرأة ملكية عامة وعلامة التقدم المسجلة! فالحجاب هو "بساط الريح" الذي سيحمل تركيا إلى أوروبا. عندهم قوة الإنسان في جمال شعره وليس ما تحت الشعر من عقل وأدب! حتى أن برلمان أتاتورك لم يتحمل حجاب مروة قاوقجي، وهي نائبة منتخبة ولها حصانة برلمانية، فضجت قاعة البرلمان وكأنها تحمل مسدسا، واضطرت إلى الهجرة، ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغَماً كثيراً وسعة.

بل إن الرجل الذي يحتوز حزبه على أموال الدولة التركية العلمانية كما تقول تقارير موثقة، وله فضائيات كثيرة، وتناصره وسائل التواصل الاجتماعي التي يسيطر عليها الغرب، وتشد أزره الدول الأوروبية كلها، نافر أردوغان في التقوى والورع، وعزم على تقديم مقترح قانون "حماية الحجاب".
أقرّ الرجل بحق المرأة في الحجاب، بساط الريح الذي سيدخله البرلمان، طمعاً في صوتها بعد أن حُصنت الصناديق من التزوير، والجيش من الانقلابات

وكان قد ظهر على حسابه على "تويتر"، وهو يضع سبحة وكتاباً للمفكر القومي التركي ضياء كوك ألب، ولم يبلغ به الحدّ أن يرخي لحية بعد، فهي تحتاج إلى استعانة بالصبر والصيام وإنها لكبيرة على العلمانيين، أو أن يصلي.

قال إنَّ غرضه من تحصين الحجاب هو منع استغلاله من قبل أحزاب أخرى، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية المزمع عقدها العام المقبل. أقرّ الرجل بحق المرأة في الحجاب، بساط الريح الذي سيدخله البرلمان، طمعاً في صوتها بعد أن حُصنت الصناديق من التزوير، والجيش من الانقلابات.

وكان هو نفسه، في عام 2008، مع آخرين، قد قدم شكوى إلى المحكمة الدستورية العليا لحل حزب العدالة والتنمية بسبب إعلانه إباحة الحجاب في الجامعات، بحجة إضرار الحجاب بعلمانية الدولة التركية. لكن الرجل وثب وثبةً أخرى في التقوى والورع، فأصدر كتاباً عنوانه "من اكشهير إلى تونجالي"، يروي فيه قصة انتقاله نطفةً في صلب جده اليمني من اليمن إلى خراسان ثم إلى تركيا. الرجل من آل البيت، وهو المهدي العلماني المنتظر، فالدم والقرابة ما تزال تتوهج في قلوب الناس وتدغدغ الرغائب القبلية، مع أن القرآن جعل التقوى هي النسب.

الانتخابات قادمة، والانتخابات محنة، وعذاب ومخاض، وإبحار في لجة الأصوات وأمواجها، والمرشحون يدعون الجماهير قائلين: لئن نجحنا لنكونن لكم من الخادمين.

يمكن أن نتذكر حافظ الأسد الذي ظهر في سنة 1980 وأعلن إسلامه مرة ثانية، وأنه يصوم ويصلي (ويضع النعمة بجانب الحائط). ومضى جعفر النميري أبعد فطبق الشريعة دفعة واحدة، في سعي منه للتغلب على المشكلة الاقتصادية التي تفاقمت، ومقايضة العاطفة الدينية بالخبز. وشارك السيسي الذي يحارب إعلامه الدين، ويدعو إلى الديانة الفرعونية، أمس في احتفالية المولد النبوي، ودعا إلى "الاقتضاء" بأخلاق النبوة، ووقف إلى جانب كرسي الشيخ أحمد عمر هاشم مؤدباً مثل التلميذ في الفصل، وغرضه من أدبه، وهو أدب أصيل عنده من عمله في العسكر والتحية العسكرية وتمام يا أفندم، إقناع شعبه باحترامه الشيوخ والعلماء والمومياوات الحية والميتة.

الأسد الابن أصدر نسخته المعيارية من القرآن الكريم، وقد أظهره إعلامه وكأنه عثمان بن عفان الثاني الذي جمع المصاحف. وظهر ولي العهد السعودي في التقليد السنوي، وهو يغسل الكعبة، ويده الثانية تمسك بعباءته، غير مشمٍّر ولا مزنر، محاطاً بالجند والحرس، والصحن الشريف خال من الطوافين والمصلين، حرصاً من ولي العهد على ستر عورة الكعبة!

قيس سعيد -آخر الزعماء المنقلبين- يظهر بين الفينة والأخرى، وهو يخطُّ الرسائل بالخط المغربي -وهو ليس خطه إنما هو خط أعده المخرج- غامساً ريشته في الدواة، أو متذكراً قصة من سيرة عمر بن الخطاب، أو تالياً آية من القرآن الكريم ملحونة، مع أنه أستاذ قانون دستوري وتلميذ نجيب في الانقلاب غير الدستوري.
بوتين أعلن حربا دينية مرتين، مرة على سوريا ومرة على أوكرانيا، وأعلن رئيس قساوسته أن من يُقتل من الروس فهو في الجنة. وكان لا بد من مكافأة للمسلمين الذين يقاتلون في صفوف جيشه، فأباح لهم طبع كتاب صحيح البخاري، بعد حذف وتعديلات

هذا هو الحال في جوانب الدنيا الأربعة.

قطع سينمائي: ونذهب إلى الغرب، إبان حدوث الاحتجاجات على مقتل فلويد، ظهر ترامب أمام كنيسة يوحنا وبيده الإنجيل، أما بايدن فقد حلف على نسخة قديمة من الإنجيل قيل إن عمرها أكثر من قرن وربع القرن، لها قفل معدني، هي نسخته المعيارية، نسخة العائلة. أمّا الملك البريطاني، فهو رأس الكنيسة الإنجيلية، هو البابا في المملكة البريطانية التي ما تزال شاسعة ويعروها الأفول.

أما بوتين فأعلن حربا دينية مرتين، مرة على سوريا ومرة على أوكرانيا، وأعلن رئيس قساوسته أن من يُقتل من الروس فهو في الجنة. وكان لا بد من مكافأة للمسلمين الذين يقاتلون في صفوف جيشه، فأباح لهم طبع كتاب صحيح البخاري، بعد حذف وتعديلات.

اختلفت مظاهر التقوى في الإمارات بعد أن تكاثرت الآلهة فيها، وأنشأ ولي عهدها مصهراً للأديان، فجمع الأديان كلها في دين واحد، واستورد بقرة هندية، كأن بقر المسلمين لا تصلح للعبادة، وأنفق مبلغاً كبيراً على معبد هندوسي في جزيرة العرب، وركع لوثن البقرة وزير التسامح مقبلاً رأسها.
اختلفت مظاهر التقوى في الإمارات بعد أن تكاثرت الآلهة فيها، وأنشأ ولي عهدها مصهراً للأديان، فجمع الأديان كلها في دين واحد، واستورد بقرة هندية، كأن بقر المسلمين لا تصلح للعبادة، وأنفق مبلغاً كبيراً على معبد هندوسي في جزيرة العرب

"مُخطِئٌ مَن ظَنَّ يَوماً أَنَّ لِلثَعلَبِ دينا".

لا تقوم الدولة إلا بركن الدين، خفَّ أو ثقل، ظهر أم بطن.. ليس في الإمارات انتخابات، لكن فيها همسات، والناخبون هم رؤساء الدول الكبرى، الذين يحرص ولي عهدها على نيل رضاهم.

في رمضان تربط الشياطين، أما في موسم الانتخابات، فتنطلق الثعالب في شعار الواعظين، والشياطين في جباب الورعين.

يعفُّ الزعماء عفّة العنزة في التلفزيون ومواسم الانتخابات والخطابات، والعنزة في المثل الكردي أفضح الحيوان، فذنبها قصير، لا يستر عورتها، ومرفوع إلى الأعلى مثل الراية.

فتعال تفرج يا سلام، على عفّة هؤلاء الأنعام.

twitter.com/OmarImaromar