أفكَار

يوسف الخليفة.. من أعلام العمل الإسلامي والعربية في السودان

يوسف الخليفة أبو بكر.. حفظ القرآن مبكرا ودرس علومه وعلوم اللغة في أكبر الجامعات العالمية- (فيسبوك)
على الرغم من أن الإسلاميين في السودان قد حكموا البلد نحو ثلاثة عقود كاملة، إلا أن تجربتهم كانت في أغلبها تعكس طبيعة المواجهة مع النظام الدولي، الذي تحفظ ولا يزال يتحفظ على إشراك الإسلام السياسي في الحكم.

أما الآن وقد انتهت تجربة الإسلاميين في السودان، فإن ذلك يسمح بإعادة قراءة التجربة وتأملها، وليس هنالك طريقة أكثر قربا من معرفة أسرار واتجاهات الحركة الإسلامية السودانية وأكثر صدقا من قراءة تجارب وأطروحات قياداتها.. وهذا ما فعله القيادي فيها الدكتور أمين حسن عمر، بسلسلة مقالات يسجل فيها سيرة قيادة الحركة الإسلامية في السودان، تنشرها "عربي21" بالتزامن مع نشرها على صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" في سياق تعميق النقاش ليس فقط حول تجارب الإسلاميين في الحكم، وإنما أيضا في البحث عن علاقة الدين بالدولة.

الدكتور يوسف الخليفة أبو بكر

ولد يوسف الخليفة في عام 1927.. جده من جهة أبيه ينتمي إلى أسرة سوركتي المعلومة ومن جهة والدته إلى أسرة حمد الملك وهو من ملوك منطقة دنقلا.. ونشأ فى بيئة دينية بحكم وضع الأسرة، وكان منزل الأسرة خلال الأربعينيات والخمسينيات والستينيات يعج بطلاب العلم من الأقرباء والغرباءعلى حد سواء.

وقد بدأ يوسف تعليمه بالخلوة (خلوة المقرن) فى الخرطوم 1933 ثم انتقل إلى خلوة الخليفة ود مكاوى بأم درمان عام 1936 ومنها إلى خلوة الخليفة حسن كنه فى "سوق الشجرة" بأم درمان عام 1938 وأتم هناك حفظ القران الكريم عام 1943، والتحق بمعهد أم درمان العلمي "الأوسط فالثاني بناء على رغبة والدته  التي كانت تتمنى أن يكون ابنها يوسف مثل أحمد سوركتي الجد الأكبر ليوسف والذي هاجر لأندونسيا وأنشأ مدارس الإرشاد التي بلغ عددها بعد عدة سنوات حوالى "150" مدرسة. 

وآثار الشيخ أحمد سوركتي فأ أندونيسيا معلومة ومعروفة، فهو الذى أيقظ حركة العلم والعلماء حتى طرده الاستعمار الهولندي الذى كان يستعمر إندونيسيا ثم أعاده الحكم الوطني. 

ويذكر الشيخ محمد عبد الرحيم المؤرخ أن الرئيس سوكارنو عندما خرج من السجن وقبل أن يكون رئيسا لأندونيسيا زار الشيخ أحمد سوركتي وكان قد فقد بصره فقال له الرئيس سوكارنو "يؤسفنى أن أزورك وقد فقدت بصرك ولكنك فتحت بصائرنا).
 
وبعد أن أتم يوسف الخليفة الدراسة في معهد أم درمان العلمي سافر إلى مصر لمواصلة التعليم الجامعى 1950 والتحق بجامعة القاهرة "كلية دار العلوم" التابعة للأزهر وحصل على ليسانس اللغة العربية والدراسات الاسلامية 1954، ثم حصل على دبلوم التربية من جامعة عين شمس 1955 وعلى ماجستير اللهجات من معهد اللغات الشرقية جامعة القاهرة 1957، وحصل على ماجستير اللسانيات التطبيقية، من جامعة ميتشيغان، الولايات المتحدة 1960، ودبلوم اللسانيات جامعة إدنبرة 1969، ثم وحصل على  درجة دكتوراه في الفلسفة من جامعة مانشستر (بريطانيا) وذلك في العام 1974. 

ويعتبر بروفيسور يوسف الخليفة أبو بكر سوركتي، أحد أعلام الدعوة الإسلامية والعمل الإسلامي واللغة العربية بالسودان بل والعالم العربي.. ويرجع إليه الفضل مع المرحوم الدكتور خليل عساكر في أنهما  أول من بدأ عملية التخطيط اللغوي ودراسة مناطق التداخل اللغوي ووضع اللبنات الأولى لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. 

وهو أحد رواد كتابة لغات الشعوب والمجموعات الإسلامية بالخط العربي. وقد أسست جامعة إفريقيا العالمية مركزا يحمل اسمه بالخرطوم لهذا الغرض برعاية بنك التنمية الإسلامي وبعض المنظمات. وقد عمل وزيرا للأوقاف إبان عهد الرئيس نميري وعمل وعميدا فمستشارا لمعهد اللغة العربية بجامعة أفريقيا. وقد ترأس مركز كتابة لغات الشعوب الإسلامية بالخط العربي وشارك في تأسيس مركز تطوير اللغات الوطنية وكان له الفضل في فكرة قيام مجلة متخصصة بتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها.

 وقد أشرف بروفيسور يوسف على كتابة غالب اللغات اللهجات السودانية باللغة العربية فتحولت إلى لغات مكتوبة بعد أن كانت لهجات منطوقة فحسب وشمل ذلك لهجات جنوبية وشمالية عديدة.

ومن مؤلفات بروفيسور يوسف الخليفة، اللغة العربية للناطقين بغيرها ـ أصوات القرآن: كيف نتعلمها ونعلمها؟ ـ منهج تعليم اللغة العربية للتعليم الأساس في دول الساحل الإفريقي ـ مدخل إلى علم اللغة ـ أوضاع اللغة في السودان ـ اللغات في أفريقيا: مقدمة تعريفية ـ خمسة كتب مطالعة بلغات الجنوب (الدينكا ـ الزاندي ـ المورو ـ اللاتوكا ـ الباريا) بالحروف العربية.

وظل بروفيسور يوسف ناشطا لا يفتر في أعمال جامعة أفريقيا العالمية والمجمع الفقهي ومنظومة الدعوة الإسلامية حتى وفاته يوم الجمعة 13 أيلول (سبتمبر) 2019 ففقد السودان بفقده وفقدت اللغة العربية فقدا عظيما، رحمه الله رحمة واسعة وجعل الجنة مثواه وجعل تراثه العلمي سبيلا له للترقي في درجاتها إلى أعلى عليين.