تقارير

النقد والعملات الفلسطينية.. هوية وميراث للأجيال الشابة

العملة الفلسطينية.. شاهدة على تاريخ فلسطين عبر العصور

قبل قرابة الـ4 آلاف عام عرف الشعب الفلسطيني النقد والعملات التي عبرت عن هويته بشكل واضح على مدار العصور وارتبطت ارتباطا وثيقا بالتاريخ وساعدت على معرفة المدن والممالك القائمة في العهود الخالية؛ حيث إنها تنطق بحقيقة ذلك الزمن فتساهم بإعادة كتابة التاريخ الحقيقي بعيدًا عن الزيف.

وتطور سك النقود عبر العصور منذ وجود الكنعانيين الأوائل مرورا بالعصور الرومانية والبيزنطية والإسلامية والعثمانية وانتهاء بالانتداب البريطاني والإدارة المصرية والاحتلال الإسرائيلي.

وكانت هذه النقود تستخدم كقطع للزينة تتزين بها النسوة الفلسطينيات وذلك حتى فترة متأخرة من العهد العثماني، وأصبحت هذه العادة من التراث الفلسطيني المتعارف عليه.

ويعتبر النقد من الوثائق التاريخية المهمة؛ ولها علم خاص بها يسمى علم (النميات)، وهذا العلم يبحث في نوعية النقود وتاريخها والأمم التي ضربتها، ويفسر جوانب حضارتها، كما يكشف عن قسمات النقود الفنية وأبعادها الجغرافية ووزنها الاقتصادي ومدلولها السياسي.

واعتبر الدكتور معين رجب، الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد في جامعة فلسطين بغزة أن العملات تمثل المظهر السياسي للوطن وتعبر عن هويته.

وقال رجب لـ "عربي21": "العملة تمثل وحدة النقد الرسمية التي لها قوة القانون في الاستخدام، وبالتالي هي تصدر عن جهة رسمية وتبرز هوية الجهة التي أنشأتها".

وشدد على ضرورة أن يأخذ النقد الفلسطيني فرصته في أن يكون معروفا لدى الأجيال الفلسطينية الشابة والاهتمام به كتعريف وثقافة للجمهور الفلسطيني.

 


           معين رجب.. خبير اقتصادي وأستاذ الاقتصاد في جامعة فلسطين


وقال رجب: "كل الأجيال القديمة السابقة على اطلاع بهذا النقد الفلسطيني، ولكن الأجيال الشابة لم تتعامل بهذا النقد، فنحن نحتاج إلى توسيع الثقافة لهذا النقد للجمهور الفلسطيني لتأكيد علاقته بالهوية الفلسطينية".

وأشار إلى آخر عملة أصدرت في فلسطين وهي الجنيه الفلسطيني والذي اصدر في عهد الانتداب البريطاني (1917 ـ 1948)، وكان يصدر بثلاث لغات هي العربية، والانجليزية، والعبرية، ووحداته كانت ذات قيمة عالية وكانت تصدر بـ المليم، والقرش الجنيه وكان نحاسي وفضي ورقي.

وأوضح أن الانتداب البريطاني قام في أيار/ مايو 1948م بسحب المتداول من الجنيه الفلسطيني واستبداله بالعملات الأخرى كالجنيه المصري وبالتالي انتهى دوره بانتهاء الانتداب البريطاني.

وأشار أستاذ الاقتصاد في جامعة فلسطين إلى أن الجنيه كان له غطاء بالجنيه الإسترليني وبالذهب كان محافظ على قيمته طول فترة استخدامه، وأدى الدور المنوط  به.

وشدد على أن بريطانيا احتفظت بالاحتياطات لديها ولم تمنح الفلسطينيين هذه الحقوق وهي تقدر بالمليارات، معربا عن أسفه أنه لم يتم طرح استيراد هذه المليارات من أي جهة رسمية فلسطينية.

وأشار إلى أنه في العهد الحديث أصدر الاحتلال الإسرائيلي عملته الليرة بعد تأسيس ما يعرف باسم "بنك إسرائيل" عام 1948م، ومن ثم أصدر الشيكل الجديد الذي يتم التعامل به حتى اللحظة.

وأوضح أن الفلسطينيين يتعاملون مع 3 عملات حاليا أولها الشيكل الإسرائيلي في التعاملات التجارية الجارية اليومية، والدينار الأردني في بيع العقارات والذهب والمهور، والدولار الأمريكي في المعاملات الخارجية.

وحول عدم مقدرة الفلسطينيين حتى الآن أن يكون لهم نقد فلسطيني خاص بهم رغم أن السلطة الفلسطينية ككيان فلسطيني قائم منذ العام 1994م، فقد أكد الخبير الاقتصادي أن الأمر معقد وله أسباب سياسية واقتصادية.

وقال: "طرحنا الأمر (إصدار نقد فلسطيني) منذ قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994م، وكان لرئيس أول سلطة نقد ومؤسسها الدكتور فؤاد بسيسو اهتمام كبير وتابع الأمر، وعقد مؤتمرات في غزة والقاهرة بحضور خبراء محليين ودوليين في مجال إصدار النقد لمناقشة هذا الأمر وتتالى بعد ذلك الاهتمام بهذا الأمر إلى أن اعد المجلس التشريعي قانونا بإنشاء البنك المركزي الفلسطيني وهو (ينتظر التوقيع إلى حين أن تنضج الظروف)".

وأضاف: "سلطة النقد الفلسطينية مرحلة بعد الأخرى أخذت في تجهيز كافة الإعدادات اللازمة لإصدار هذا النقد سواء من حيث المبنى والكوادر، أو من حيث طريقة إصدار هذه النقود وسكها وكل الأمور الفنية المتعلقة بها، لكن الأوضاع الاقتصادية غير المواتية والانقسام لم تساهم في أن يرى هذا القانون النور، أو إصدار النقد".

وأكد رجب أن النقد يجب أن يظل محافظا على قيمته، لأنه رمز للسيادة الوطنية، ومن الأهمية أن يحافظ على سعر صرف ملائم سواء في موازنة الذهب أو في مقابل الصرف مع العملات الدولية الأخرى.

وقال: "في ظل الانقسام وتحكم إسرائيل في كل مقومات الاقتصاد الفلسطيني، فإن الوقت غير مناسب لأن يكون النقد الفلسطيني حقيقة واقعة، خوفا من أن يتعرض لهبوط قيمته ولا يستطيع البنك المركزي الفلسطيني أن يؤمن حمايته".

وأضاف: "يحتاج إصدار النقد إلى حرية المعابر والتنقل والتجارة والاستيراد والتصدير، ومرتبط بتجارة الذهب، ونحن لا نتحكم بهذه الأمور طالما المعابر ليس تحت سيطرتنا، ومجرد أن نستبدل عملة ثانية بعملة جديدة تحتاج إلى إجراءات معقدة من قبل بنك إسرائيل".

وأكد رجب أنه في ظل عدم مقدرة الفلسطينيين على إصدار النقد الفلسطيني فانه لا بد أن يقوموا بسك العملات المعدنية (الفكة) وهي ممكن تستخدم في المعاملات الداخلية المحلية وهي  لا تحتاج لغطاء من الذهب لتحمل أسماء رموز فلسطينية.

وأكد الباحث والأكاديمي في علم التاريخ والمسكوكات الدكتور محمد الزرد أن هناك اختلافا بين معنى النقد والعملات في الاصطلاح، فالنقد يكون من الذهب والفضة فقط، أما العملات فهي كل ما توافق الناس على اعتماده كوسيط تبادل تجاري، يشمل النقد وغيره.

 

                 محمد الزرد.. باحث في علم التاريخ والمسكوكات

وقال الزرد لـ "عربي21": "فلسطين عرفت النقد المسكوك مع الاحتلال الفارسي لها قبل 2400 عام تقريباً، بينما كانت تستخدم العملات منذ ما يزيد عن 4000 عام".

وأضاف: "إن أقدم العملات المكتشفة في فلسطين تتمثل في كمية من الأصداف البحرية اللامعة التي وصلت فكرتها من الصين عبر طرق التجارة".

وأوضح أن فلسطين بدأت فلسطين سك العملات البرونزية بمجرد تعرفها على المسكوكات الفارسية، حيث اكتشفت مسكوكات فينيقية كنعانية تحمل علامات تدل على النشاط الاقتصادي في فلسطين ذلك الوقت والذي كان أهمه التجارة والزراعة والصيد، تظهر شكل السفن الفينيقية على العملة وبعض المحاصيل كالقمح.

وقال: "عرف أهل فلسطين ثلاثة أنواع من المعادن في العملات، هي الذهب والفضة والبرونز، وبقيت ثابتة إلى نهاية العصر العثماني مع اختلاف مسميات الفئات النقدية على مر العصور لنفس المعادن، حتى أتت في العصر الحديث العملات الورقية والمعدنية ذات المعادن البخسة مثل النيكل والكوبرنيكل والنحاس التي نتداولها اليوم".

وأضاف: "لعل من أهم العملات الفلسطينية تلك التي ضُربت في مملكة غزة في العصر اليوناني، حيث سكت عملات فضية ذات عيار وجودة مرتفعين على الطراز اليوناني، وقد كان لتلك العملات قبول واسع في التجارة الدولية القديمة لحوض المتوسط".

وأشار إلى أنه تم سك الكثير من العملات المحلية زمن الاحتلال الروماني لفلسطين، تحمل العديد من الأشكال والرموز مثل القمح والأواني والأدوات التي استخدمها أهل فلسطين في ذلك الوقت، محذرا من أن الحركة الصهيونية تحاول أن تنسب هذه العملات بالذات زوراً لليهود دون أي دليل، في محاولة منهم لادعاء حق وهمي لهم في فلسطين.

وقال الزرد: "أعطت هذه العملات صورة عن هوية فلسطين الدينية من الوثنية عبر ما نجده من أشكال المعبودات الوثنية ومباني المعابد على العملة، ثم النصرانية بما نراه من الأيقونات الدينية والصلبان على النقود البيزنطية، كما أعطتنا صورة عن الوضع الاقتصادي بما عليها من الرسوم التي ذكرناها، وكذلك أماكن العثور على كنوز العملات وعددها وعيارها، خاصة حول الموانئ والأسواق".

وأشار إلى أن الجغرافيا التاريخية لفلسطين استفادت من العملات، حيث ورد عليها الكثير من أسماء المدن الفلسطينية مثل القدس وغزة وعسقلان ونابلس وعكا وغيرها، واستطعنا بواسطة العملات تتبع التطور والتغييرات في أسماء هذه المدن.

واعتبر الباحث الأكاديمي في علم التاريخ والمسكوكات أن الاهتمام الأكبر بفلسطين في العملات كان مع بداية الفتح الإسلامي، الذي أعطاها هويتها الإسلامية منذ السكوك الأولى له في فلسطين، حيث ذكر اسمها (فلسطين) صراحةً على المسكوكات والكثير من المدن الأخرى مثل القدس والرملة وطبرية وغزة ونابلس وعسقلان وكفر توثا وبيت جبرين واللد وبيسان وصفورية وقيسارية ويبنى وغيرها.

وقال: "هذا العدد غير المسبوق من مدن السك في فلسطين يدل على اهتمام المسلمين الشديد بها، كما كانت المسكوكات خاصة الأموية منها أشبه بموسوعة مصورة للحياة الطبيعية في فلسطين، حيث وضع الأمويون صور لحيوانات مثل الأسد والثور والكبش، ولزواحف وهوام مثل الأفعى والعقرب، وأشجار مثل السرو والصنوبر والنخيل وأشجار الفاكهة، وغيرها مثل الحمام والأسماك والأجرام السماوية كالهلال والنجوم".

وأضاف: "استمر المسلمون بسك العملات في فلسطين بعد العصر الأموي، مثل العباسيين والعُبيديين (الفاطميين) والأيوبيين والحمدانيين والإخشيديين وحتى القرامطة وغيرهم من الدول التي تعاقبت على حكم فلسطين وكان آخرها الدولة العثمانية، حيث لم تعرف فلسطين من بعدها عملة موحدة ذات سيادة، أما ما يُسمى بالعملة الفلسطينية والتي صدرت ما بين عام 1927 و1947م فهي كغيرها عملة احتلال أصدرها المحتل الإنجليزي وان حملت تزلفاً اسم فلسطين، في ذات الوقت وذات العملة كتب المحتل اسم فلسطين باللغة العبرية المستحدثة مع إشارة إلى أنها "أرض إسرائيل"!! فكيف نقول بأنها عملة فلسطينية".

وأكد الزرد أن فلسطين ما زالت منذ قرن من الزمان تتداول عملة الاحتلال والعملات الأجنبية حتى يومنا هذا.

ومن جهته طالب الخبير في الشؤون الاقتصادية والسياسية، المستشار سمير الدقران، بريطانيا بتسديد ما مجموعه 7 تريليونات دولار للشعب الفلسطيني، هي القيمة التراكمية لمبلغ 137 مليون جنيه فلسطيني استولت عليها بعد إنهاء احتلالها لفلسطين عام 1948م.

 

            المستشار سمير الدقران.. خبير في الشؤون الاقتصادية والسياسية

وأكد الدقران لـ "عربي21" أن هناك وثائق أرشيفية رسمية تؤكد استيلاء بريطانيا على هذه الأموال وهي تستند للتقارير التسلسلية لمجلس النقد الفلسطيني آنذاك، مشيرا إلى أن الأردن وإسرائيل استردتا بعض ما كان معها من الجنيهات الفلسطينية التي كانت بحوزتها ذهبا.

واعتبر أن هذه الأموال هي حق للشعب الفلسطيني قائلا: "هذه حقوق وودائع فلسطينية استولت عليها بريطانيا كقوة احتلال ويجب أن تعاد لفلسطين".

وأضاف: "الأصل في الأمور أن يكون لدينا مستشارون قانونيون واقتصاديون لمتابعة هذه الحقوق الفلسطينية من أجل العمل عليها واستردادها".

ويروي الدقران تفاصيل استيلاء بريطانيا على هذه الأموال، مشيرا إلى أن الأمر يعود للعام 1917م، حينما احتلت بريطانيا فلسطين بعد هزيمة الدولة العثمانية ومنعت استخدام العملة التركية فيها وسمحت باستخدام العملة المصرية والإنجليزية لفترة معينة.

وقال: "أصدر المندوب البريطاني في عام 1927م مرسوم النقد الفلسطيني الذي بموجبه استبدل الجنيه الفلسطيني بالجنيه المصري، وظل الجنيه الفلسطيني عملة البلاد حتى عام 1948م ووقوع فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي".


وأشار الدقران إلى أنه تم تشكيل البنك المركزي الفلسطيني الذي عُرف باسم مجلس النقد الفلسطيني (بسك) الذي كان يضع في احتياطيه جنيها ذهبا مقابل كل جنيه فلسطيني يتم سكه.

وأوضح أنه بعد تشكيل مجلس النقد الفلسطيني أصبحت فلسطين ضمن منطقة الإسترليني كعضو، ثم جمدت بريطانيا جميع الأموال الفلسطينية التي كانت موجودة في البنك المركزي وحظرت خروجها بموجب قانون في بريطانيا اسمه "الدفاع المالي البريطاني".

وأكد الدقران أنه حينما وقعت فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 1948م تم إخراجها من منطقة الإسترليني، وذلك بعد أن استولت بريطانيا على جميع الأموال التي كانت موجودة في مجلس النقد الفلسطيني والتي بلغت 138 مليون جنيه فلسطيني وقدرت قيمتها بـألف طن من الذهب الخالص، وأرسلتها إلى لندن.

وأفاد الخبير الفلسطيني بأن قيمة هذه الأموال في الوقت الحالي تقدر بـ80 مليار دولار، في حين أن قيمتها التراكمية على مدار 73 عاما من الاحتجاز تصل إلى 7 تريليونات دولار.