قضايا وآراء

وفد أمريكي يلتقي قيس سعيد.. هل هي زيارة الترتيبات الأخيرة؟

1300x600
سعيّد وهو يقرأ رسالة بايدن، كانت بادية عليه علامات القلق كما لو أنه يُفاجأ بطلب أمريكي غريب أو مستحيل. لم يرشح شيء عن الزيارة ما عدا عموميات في بيان الخارجية الأمريكية وفي صفحة رئاسة الجمهورية بتونس.

ما لاحظه محللون ومتابعون أن الزيارة شملت وفدا من ثلاثة مسؤولين أمريكيين: نائب وزير الخارجية الأمريكي بالنيابة جوي هود، ونائب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جوناثان فاينر، ومدير مكتب شمال أفريقيا لمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض جوش هارس، وهو ما يوحي بجدية الزيارة وطابعها الأمني والاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية ذاتها ولحلفائها، فالدول لا تقيم علاقات عاطفية فيما بينها، إنما هي علاقات مصالح تحدد مستوى الصداقات ومستوى الخصومات والعداوات.
يوحي بجدية الزيارة وطابعها الأمني والاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية ذاتها ولحلفائها، فالدول لا تقيم علاقات عاطفية فيما بينها، إنما هي علاقات مصالح تحدد مستوى الصداقات ومستوى الخصومات والعداوات

هل جاء الوفد الأمريكي للضغط على قيس سعيّد حتى يعود إلى ما قبل 25 تموز/ يوليو 2021؟ هل تفاجأ الأمريكان فعلا بما أقدم عليه قيس سعيّد؟ هل سيتصرفون معه تصرفا "عقابيا" إذا رفض العودة إلى المسار الديمقراطي؟ طرائق أمريكا في العقوبات تبدأ دائما بالحصار الاقتصادي، وتونس تمر بأزمة اقتصادية غير مسبوقة، ومنسوب الغضب عال لدى الشباب المعطل والطبقة الاجتماعية المفقرة.

علينا العودة إلى قاموس خطاب الرئيس التونسي قيس سعيد لمعرفة ما إن كان ممكنا عودته بالمشهد التونسي إلى ما قبل 25 تموز/ يوليو.. قاموس مفعم بخطاب الشتائم والسباب والوعيد: "ليسوا مني ولست منهم، اليوم صبر وغدا أمر، جراثيم، فيروسات، ميكروبات، مياه آسنة، مجاري صرف صحي، منافقون، بنو سلول، مرضى القلوب، جائحة سياسية، غسالة نوادر سياسية، منصات صواريخ، سنقاتل وننتصر، غرف مظلمة، واهمون، جراد، لصوص، فاسدون، خونة، تفجير الدولة من الداخل، التسلل إلى مؤسسات الدولة، تزييف الحقائق، التنكيل بالشعب، الاستثمار في صحة المواطنين، سيجرفهم الشعب..".

هل بعد كل هذا السيلان الجارف من التحريض والترذيل سيجلس قيس سعيّد لمحاورة ما أنكر أي علاقة له بهم ومن وصمهم بـ"الجراد"؟ وهل يُنتَظر أن يعود إلى ما قبل 25 تموز/ يوليو 2021؟ هل نظن بأنه أقدم على ما أقدم عليه دون تحدث مسبق مع الأمريكان والفرنسيين وبعض القادة العرب؟ هل جاء الأمريكان للضغط على سعيد أم جاؤوا للاطلاع على اللمسات الأخيرة لخارطة الطريق، وعرض طلباتهم ذات العلاقة بأخطر القضايا الإقليمية، وأساسا طرح أسئلة حول ما يقال عن تأثير إيراني وتسرب صيني روسي، وحول مستقبل العلاقة مع الكيان؟
أعتقد أن الوفد الأمريكي لم يأت ليضغط إنما جاء لما سبقت الإشارة إليه، فالأمريكان ليسوا جمعية خيرية ولا يمارسون السياسة بعاطفة محبة أو كراهية، إنما هي مصالح، ولما أدركوا أن المشهد التونسي انحدر إلى مستويات سحيقة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وأصبحت المصالح الغربية غير آمنة

أعتقد أن الوفد الأمريكي لم يأت ليضغط إنما جاء لما سبقت الإشارة إليه، فالأمريكان ليسوا جمعية خيرية ولا يمارسون السياسة بعاطفة محبة أو كراهية، إنما هي مصالح، ولما أدركوا أن المشهد التونسي انحدر إلى مستويات سحيقة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وأصبحت المصالح الغربية غير آمنة، كان لا بد أن يقبلوا بأي تغيير يقطع مع حالة العجز والشلل والضعف. أما مسألة الحريات وحقوق الإنسان فهي ملفات تطرح دائما في المجتمعات الليبرالية كمنبهات لتنمية المواهب الإنتاجية والاستعدادات الاستهلاكية، في غير علاقة بمسار ثوري أو بمعركة تحرر وطني.

التدخلات الخارجية تحصل دائما حين تجد فراغات بسبب ضعف الوحدة الوطنية، وحين تصبح السياسة عراكا وعمليات تدمير ونكاية مشتركة، وحين تتعطل مسالك الحوار والتواصل بين الأحزاب وحتى بين النخب، فلا يكون إلا الصراخ وتبادل الاتهامات، تماما كما تابع العالم تحت قبة البرلمان طيلة أشهر.

ما أقدم عليه قيس سعيد مثّل صدمة للمجتمع السياسي، ولكنه أيضا مثل متنفسا للكثيرين ممن لم يعد المشهد السياسي عندهم محتملا، بل صار عبئا على الشعب وعلى البلاد التي تدنو من حالة الإفلاس.
هل سيقدر قيس سعيد فعلا على مواجهة أخطبوط الفساد الممتد من الداخل إلى الخارج؟ وهل سيقدر على الإيفاء بوعوده للناس الذين خرجوا يوم 25 تموز/ يوليو يحتجون على منظومة الحكم ويصبون جام غضبهم على حركة النهضة تحديدا؟

تلك الصدمة يمكن أن تكون دافعا ليراجع السياسيون أنفسهم، سلطة ومعارضة، فيكفون عن العبث وينتبهون إلى قضايا الناس الحقيقية، كما يمكن دعم الرئيس في ما رفعه من شعار "محاسبة الفاسدين" بعد أن عجزت الحكومات المتعاقبة على محاسبتهم واسترجاع أموال الشعب. ولكن السؤال هو: هل سيقدر قيس سعيد فعلا على مواجهة أخطبوط الفساد الممتد من الداخل إلى الخارج؟ وهل سيقدر على الإيفاء بوعوده للناس الذين خرجوا يوم 25 تموز/ يوليو يحتجون على منظومة الحكم ويصبون جام غضبهم على حركة النهضة تحديدا؟

ما أقدم عليه قيس سعيد يبدو مغريا نظريا، ولكنه شبه مستحيل عمليا بالنظر إلى كونه لا يستند إلى قوة سياسية، وليس حوله إلا حماسة الشباب غير المتمرس بإدارة الشأن العام، وكذلك بالنظر إلى الصعوبات الاقتصادية وتحديات الوضع الصحي، وأساسا بالنظر إلى الضغوط الخارجية في اتجاهات متعارضة.
كان يمكن أن للرئيس قيس سعيد أن يعالج الأزمة بعقلانية وهدوء ومسؤولية، وهو الرئيس الذي انتخبه التونسيون بأعلى نسبة وأجمع الجميع على نظافة يديه وخلو سيرته من الفساد، ولكن مع الأسف هو الآن في مفترق طرق

كان يمكن للرئيس قيس سعيد أن يعالج الأزمة بعقلانية وهدوء ومسؤولية، وهو الرئيس الذي انتخبه التونسيون بأعلى نسبة وأجمع الجميع على نظافة يديه وخلو سيرته من الفساد، ولكن مع الأسف هو الآن في مفترق طرق؛ إن تراجع خسر وإن تقدم فشل، إن خضع للإملاءات الخارجية فقَدَ صدقيته وإن استعصى عوقب بالحصار الاقتصادي فثار الناس عليه.

سيادة الرئيس: من انتخبوك أرادوك رئيسا لكل التونسيين، أرادوك حاسما في محاسبة الفاسدين دون حاجة إلى قاموس سباب أو تلويح بقبضة يدك. يبدو أنك قد أضعت عليك وعلى التونسيين فرصة ليست أقل أهمية من فرص ضيعها سابقوك منذ 2011، وها نحن ندخل منطقة وعرة ومدار أعاصير. نحن ضد أي تدخل خارجي للضغط بأي اتجاه، نحن ضد سياسات متهورة وضد إذلال رموز الدولة التونسية، نحن بحاجة إلى عقل مبدع لاستنقاذ ما تبقى من كرامة التونسيين ومن سيادة وطنية.

twitter.com/bahriarfaoui1