قضايا وآراء

ما هي صفقة القرن؟ وكيف نواجهها؟

1300x600
بعد شهور من التنفيذ على أرض الواقع وفي خطوة غير مفاجئة، جاء إعلان ترامب/ نتنياهو ليدشن مرحلة جديدة في التعاطي الأمريكي مع القضية الفلسطينية؛ مرحلة تتعامل مع القضية من منطلق ما هو مطبق فعليا على الأرض، وعلى الفلسطينيين أن يقبلوا به أو لن يحصلوا على شيء. والحقيقة أن ما هو معروض في هذه الصفقة على الفلسطينيين هو "لا شيء" بمعنى الكلمة.

إن كثيرا من أفكار هذه الصفقة موجود بالفعل في كتاب نتنياهو "مكان بين الأمم"، لذلك هي فكرة ليكودية صرفة. والغريب أن هذه الأفكار تعرضت لانتقادات من عتاولة مسار التسوية مثل مارتن إنديك الذي وصفها بأنها غير عادلة ولا تترك شيئا للتفاوض، وهي حل مفروض وغير واقعي، ومع ذلك دعا الفلسطينيين لمواصلة التفاوض!

المعضلة أمام من يتبنى خيار المفاوضات من الفلسطينيين أنه إن وافق على هذه الخطة المهينة، فهو قد وافق على الحصول على "لا شيء" سوى الإهانة، وإن رفضها فسيكون الرفض ذريعة لتجاوزه وتجاوز الشرعية الدولية والمضي بالتطبيق على الأرض.

لذلك فكل من يعبر عن رفضه للخطة دون التجهيز لدفع كلفة الرفض فهو إنما يدور في حلقة تطبيق الصفقة إن لم يكن جزءا منها، ونقطة الرفض الحقيقية هي الوعي بأننا في مرحلة مواجهة وليس مرحلة حل.

ويجب أن ندرك كأصحاب قضية أن هذه النتيجة التي وصلنا لها هي نتيجة حتمية لمسار التسوية منذ أن بدأ إلى أن توج باتفاقية أوسلو وتطبيقاتها، وأن المحصلة النهائية لكل مسار التسوية أن "إسرائيل" تريد كل فلسطين، وأن هذا المسار لم يكن إلا أداة لامتصاص غضب الفلسطينيين واستدراجهم من تنازل إلى آخر.

جاءت هذه الصفقة أساسا لمعالجة أكبر مشكلة استراتيجية تواجه الكيان الصهيوني من داخله وهي المشكلة السكانية، فمجموع تعداد العرب في داخل فلسطين التاريخية (الضفة وغزة وأراضي 48) يزيد على اليهود، وهو مؤشر خطير له صداه الاستراتيجي المهم، ولذلك تسير الخطة نحو:

1- تكريس عزل غزة عن الضفة بما تحويه غزة من كثافة سكانية كبيرة.

2- تحويل الضفة لكانتونات مفصولة عن بعضها يذكرنا بنظام الأبارتايد العنصري في جنوب أفريقيا.

3- محاولة استدراج الأردن لتحميله عبء سكان الضفة عبر تحويلهم إلى مقيمين أردنيين في الضفة الغربية، وليسوا مواطنين وأصحاب أرض.

والعامل الأساس لإخراج الفلسطينيين من أرضهم هو نشر الإحباط بينهم لمستوى يدفعهم لترك أرضهم، لذلك فالصفقة تهدف إلى تصفية عناصر القضية الأساسية، وهي القدس واللاجئون والدولة والسيادة وحق تقرير المصير، وهي كلها أمور أصبحت من الماضي والحديث عن الماضي لا يخدم الحل بحسب الصفقة، لذلك فمن الآن فصاعدا ستكون بنود الصفقة هي الأساس الذي يبنى عليه التفاوض وهي المرجعية التي تجبّ ما قبلها.

والمضحك المبكي في هذه الخطة هو تصورها الذي تجاوز المعقول في حجم ومستوى التنازل المطلوب فلسطينيا، فالمطلوب من الفلسطينين فورا الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، والقبول بتقاسم المسجد الأقصى زمانيا ومكانيا، والاعتراف بضم مستوطنات الأغوار، والاعتراف بيهودية الدولة، والتنازل عن سيادة الدولة المزعومة، والموافقة على تحويل الضفة لكانتونات مجزأة متصلة عن طريق الأنفاق والجسور التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية ويمكن إقفالها في أي وقت، وتمكين دولة الاحتلال من السيطرة على الأمن بالكامل. أما الحدود والمياه والمجال الجوي وما تحت الأرض من ثروات فهي تتبع السيادة الإسرائيلية، ولا يحق لهذه الدولة الانضمام لأي منظمة دولية إلا بموافقة الحكومة الإسرائيلية. وبالطبع الدولة ستكون منزوعة السلاح، ويجب نزع سلاح غزة وتصفية المقاومة.

وحسب تصور ترامب- نتنياهو، فمن الطبيعي جدا تطبيع العلاقة بين دولة الاحتلال والمحيط العربي، وتوجيه العداء ضد إيران وهي فكرة تكررت عدة مرات في خطتهم.

إن هذا التوجه الذي برز بوضوح في بنود الصفقة يجب أن يدفع جميع مناصري القضية الفلسطينية لإدراك أننا في مرحلة مواجهة لا مرحلة حل، والحديث عن إمكانية التفاوض بعد ذلك هو حديث عبثي يرقى لمستوى الهزل في موقع الجد.

فلا تمكن مواجهة هذه الهجمة الجديدة دون أن تمتلك سلاح "ماذا وإلا". ويبدو أنه حتى هذه اللحظة لم يمارس أصحاب القرار في السلطة الفلسطينية أيا من أدوات الضغط الحقيقية التي تدفع ترامب ونتنياهو للتراجع عن مسارهم، ولم تبد السلطة أي استعداد للتراجع عن أي من تنازلاتها السابقة. وصدق ترامب حين قال ساخرا بعد قراره نقل السفارة الأمريكية إلى القدس: لن يحدث شيء.

إن الجهد المطلوب فلسطينيا لمواجهة هذه الصفقة هو تغيير موازين القوى لصالحنا، وهذا بالإمكان تحقيقه إن قمنا بجدية بالخطوات التالية:

• استعادة ثقة الشعب وإنهاء حالة الإحباط، وهذا يستدعي وجود قيادة فلسطينية صلبة تحيي الأمل في نفوس الشعب وتظهر التوجه للمواجهة والاستعداد لدفع الكلفة. والحد الأدنى في هذا الصدد إلغاء التنسيق الأمني والتحرر من الاتفاقات السابقة. (أحصى الدكتور وليد عبد الحي عدد المرات التي أعلن فيها الرئيس عباس عن إلغاء الاتفاق الأمني بـ59 مرة).

• توحيد جهود الشعب الفلسطيني وبناء التكامل بين الداخل والخارج، فالشعب الفلسطيني منتشر في أنحاء العالم كما هو موجود في الضفة وغزة وأراضي 48، وهذا الانتشار يقتضي بناء رؤية متكاملة للتحرير لا تقصي أي مكون من مكونات الشعب، وتستفيد من جميع إنجازاته.

• دعم صمود وبقاء ستة ملايين ونصف مليون فلسطيني في داخل الأراضي الفلسطينية بكل السبل.

• إنهاء حالة الجمود والانقسام الفلسطيني جذريا، وهذا لا يكون فقط بالمصالحة بين فتح وحماس، بل بإعادة تشكيل قيادة موحدة للشعب الفلسطيني بوسيلة ديمقراطية، بحيث تكون القيادة مختارة فعليا من الشعب ومعبرة عن إرادته.

• تبني المقاومة بكل أشكالها المسلحة وغير المسلحة، وإن كانت المقاومة المسلحة تحتاج ظروفا وقدرات خاصة، فإن المقاومة الشعبية ممكنة دوما وذات أثر كبير وكلفة أقل. والمثير للدهشة هو عدم إطلاق العنان لسكان الضفة للتعبير عن الرفض الشعبي الحقيقي.

• دعم وإسناد كل جهود مقاطعة الاحتلال، وعلى رأسها منظمة بي دي إس ذات الأثر العالمي الفعال.

• عزل الصفقة عربيا وإسلاميا ودوليا بتعزيز الموقف الرافض لها وإحراج كل من يفكر بتمريرها، وعزل كل من يمشي في مسار التطبيع بأي شكل من الأشكال.

إن الناظر لمنحنى المشروع الصهيوني منذ بدايته يجد أنه يتقدم اسراتيجيا في ظل وضع عربي وفلسطيني مهلهل، وهناك مسؤولية على الشعب الفلسطيني بتياراته وقواه الشعبية في كافة أماكن تواجده للوقوف وقفة جادة وحازمة أمام كل العابثين بمسار القضية الفلسطينية. فإذا كانت الشعوب العربية مشغولة بجراحاتها وآلامها فلا تزال القضية الفلسطينية قضية العرب والمسلمين الأولى، والمسؤولية في هذه الحالة على الشعب الفلسطيني مضاعفة.

ورغم سيل الآلام فلا يزال الشعب قادرا على المواجهة وإفشال هذه الصفقة وكل الصفقات الأخرى. ومن المبشرات أن نتنياهو الذي أراد التكسب الانتخابي على ظهر هذه الصفقة، ورغم كل محاولاته المستميتة لتحقيق الفوز ورغم الدعم الذي يتلقاه من ترامب ومن بوتين ومن المطبعين العرب، فإن نتائج استطلاعات الرأي لم تمنحه المزيد من الأصوات حتى الآن.