قضايا وآراء

الفصل الجديد من التطهير العرقي في فلسطين

1300x600

في مشهد مستفز للكرامة العربية، وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقد جعل إلى جواره رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ينظر إليه كالطفل المدلل ويصافحه مرة بعد الأخرى بحميمية؛ ليعلن أنه لا أرض ولا عودة ولا حرية للفلسطينيين، وأن الأرض والسيادة والحدود والقدس لإسرائيل، أما ما يحتاجه الفلسطينيون فهو مجموعة من الوظائف لتحسين حياتهم الاقتصادية.

الأشد استفزازا هو حضور ممثلين عرب هذا الإعلان المشؤوم، وهو ما يعني أن الفلسطينيين سيفتقدون هذه المرة الظهير العربي في رفض الخطة الأمريكية، حتى في مستوى التضامن المعنوي والإدانة اللفظية. أما الدول التي لم تحضر الإعلان فهي غالبا لم تظهر رفضا جازما، وهو ما يعزز المخاوف بأنها شريك في هذه المؤامرة، خاصة في ضوء ذكر ترامب في بيانه أن دولا عربية ستمول الخطة.

الدلالة الكارثية لهذا الموقف العربي هو أن ترامب ليس وحده هو من تبنى المطالب الاسرائيلية بكليتها، دون اعتبار للنضال الفلسطيني التاريخي من أجل الحقوق الوطنية، بل إن دولا عربية وازنة اتخذت كذلك هذا الموقف الخطير وغير المسبوق.

 

ترامب ليس وحده هو من تبنى المطالب الاسرائيلية بكليتها، دون اعتبار للنضال الفلسطيني التاريخي من أجل الحقوق الوطنية

مضمون الخطة يؤكد ما كان معروفا من قبل، وهو أن دولة إسرائيل التي قامت منذ يومها الأول على سياسات التهجير والاستيطان والفصل العنصري؛ لا تعترف بأي كينونة فلسطينية، أما السكان الأصليون ممثلين في الشعب الفلسطيني فهم إن لم تستطع إخفاءهم ماديا على خطى ما فعلته حليفتها الاستراتيجية أمريكا مع السكان الأصليين في القارة الأمريكية، فهي تسعى إلى إخفائهم سياسيا عبر التنكر لحقوقهم الوطنية والإنسانية في الأرض والسيادة والمساواة الإنسانية.

الجانب الإيجابي في صفقة ترامب أنها تبدد أي وهم بإمكانية إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن، وأنها تعلن رسميا موت هذا الخيار الذي لم يكن يحمل عوامل النجاح منذ البداية. صفقة ترامب تشبه هنا دابة الأرض في قصة موت سليمان، إذ إن دابة الأرض لم تقتل سليمان إنما أعلنت موته حين أكلت منسأته فخرّ ساقطا على الأرض ليكتشف من حوله حقيقة موته.

فكرة حل الدولتين بنيت على أساس تصور خاطئ افترض أن إسرائيل مستعدة للتخلي عن طبيعتها الاستيطانية التوسعية العنصرية والقبول بكيان سياسي فلسطيني. وهذا الافتراض عدا عن كونه مجافيا للواقع، فهو أيضا منتقص للحقوق الفلسطينية الأساسية ولمبادئ حقوق الإنسان، وأهمها حق اللاجئين في العودة إلى قراهم وبلداتهم التي هجروا منها عام 1948، والتي هي الآن داخل حدود ما يعرف بإسرائيل.

 

فكرة حل الدولتين بنيت على أساس تصور خاطئ افترض أن إسرائيل مستعدة للتخلي عن طبيعتها الاستيطانية التوسعية العنصرية والقبول بكيان سياسي فلسطيني

حقيقة الأمر الواقع في فلسطين أنه لا توجد إلا دولة واحدة ذات سيادة وحكم بين البحر والنهر، وهي دولة إسرائيل، وأن رئيس السلطة الفلسطينية ذاته لا يملك التحرك من مدينة فلسطينية إلى أخرى إلا بموافقة إسرائيلية، وأن ملايين الفلسطينيين يعيشون على الأرض في غزة والضفة داخل جيتوهات مغلقة تحت تحكم السلطات الإسرائيلية، وأن إعلان إسرائيل ضم مستوطنات الضفة ووادي الأردن لا يبقي أي متسع للوهم بإمكانية صناعة السلام مع مشروع التوسع والأبارتهايد الإسرائيلي.

في مواجهة هذا التحدي التاريخي الصارخ للوجود الفلسطيني، ثمة العديد من مثبطات العمل الوطني الاستراتيجي تتحمل وزره المكونات السياسية في الشعب الفلسطيني. فواقع الانقسام أضعف الفلسطينيين وشجع إسرائيل على التمادي في التهام الأرض وتكريس مشروعها الاستيطاني العنصري. وقد ساهمت سلسلة من الأخطاء التي ارتكبتها القوى السياسية الفلسطينية في إضعاف أهم ورقة كان يمتلكها الفلسطينيون، وهي ورقة المقاومة الشعبية المستدامة التي ترتبط بغاية الحرية ذاتها دون إفسادها بانتقائية الاستحضار تلبية لحسابات سياسية ضيقة.

 

ساهمت سلسلة من الأخطاء التي ارتكبتها القوى السياسية الفلسطينية في إضعاف أهم ورقة كان يمتلكها الفلسطينيون، وهي ورقة المقاومة الشعبية المستدامة

إن خطأ أوسلو عام 1993 ثم خطأ دخول حماس السلطة عام 2006؛ قد دفعا إلى تكوين طبقة من القيادات السياسية أقل ثورية وأشد حذرا إزاء الانخراط في مواجهة شاملة مع الاحتلال ترتبط بالأهداف الوطنية الكبرى، وبذلك تحولت مواجهة الاحتلال إلى أداة تحريكية ترتبط بحسابات المصالح وتخشى المغامرة وفقدان الاستقرار؛ أكثر من كونها فعلا استراتيجيا شاملا يخوضه شعب في سبيل نيل الحرية.

هذه الحالة السياسية الفلسطينية الداخلية هي من أعطت مشروع الاحتلال الاسرائيلي ضوءا أخضر للتمادي، بعد أن قدر أن ردود فعل القادة المهيمنين على الساحة الفلسطينية ستكون محسوبة ومكبلة.

هذا الإعلان الترامبي هو الأشد نيلا من حقوق الشعب الفلسطيني خلال تاريخ نضاله الطويل، وهو يضع ظهور الفلسطينيين إلى الحائط أمام خيارات صفرية: إما القبول بالأبارتهايد الإسرائيلي بصورته الفجة إلى آخر مدى، وإما الانخراط في موجة جديدة من النضال الوطني تستهدف إسقاط هذا النظام الإسرائيلي الاحتلالي العنصري وتوسيع المواجهة لتصير أكثر شمولا؛ ينخرط فيها كل الفلسطينيين خاصة في الضفة والـ48 وغزة، وأكثر استراتيجية؛ تتطلع إلى غاية الحرية على غرار تجربة جنوب أفريقيا التي قادت في نهاية المطاف إلى إسقاط نظام الفصل العنصري.

إن إعلان مرحلة جديدة من النضال الحقوقي الفلسطيني الشامل من البحر إلى النهر ونبذ فكرة دولة على حدود 67 وراء ظهورنا، سيمنح الشعب الفلسطيني موقعاً أقوى؛ لأن طبيعة هذا الهدف أنه يحول المعركة لتستهدف أساس المشروع الصهيوني الذي يتمثل في التهجير والإحلال والتمييز، وهو هدف جذاب أخلاقيا وقادر على الوصول إلى ساحات عالمية؛ لأن رفض أنظمة الأبارتهايد والتمييز العنصري هو مما اجتمع الوعي الإنساني في هذا العرض عليه.

ذلك يبدو أجدى من خوض معركة وهمية لنيل دولة منتقصة السيادة لم تقبل بها اسرائيل طوال العقود الخالية، ولن تقبل بها أبدا.