أفكَار

المغرب.. فتوى للريسوني تثير الجدل حول الفوائد البنكية والربا

جدل فقهي واقتصادي حول فتوى للدكتور أحمد الريسوني بشأن القروض البنكية (أنترنت)

لم يعرف المغرب نفس الحدة في الجدل الذي عرفه في المشرق العربي حول الفوائد البنكية وعلاقتها بالربا المحرم، فقد أثير هذا النقاش في أول ولاية الإسلاميين الانتدابية في المؤسسة التشريعية، لما صدر قانون السلفات الصغرى، وتعرضوا له بالنقد باستدعاء الخلفية الدينية والاقتصادية معا، لكن مع ذلك، بقي الجدل في حدود متحكم فيها.

ومع دخول الإسلاميين إلى مربع الشراكة في الحكم، تراجعت مفردات الخطاب الديني بشكل ملفت، ولم يعد الحديث مطلقا عن الفوائد البنكية، وإن كانت برامجهم الاقتراحية في مجال الاقتصاد تدعو إلى تخفيض نسب الفائدة إلى أن تطابق رقم صفر، معللة ذلك بالفائدة الاقتصادية التي ستعود على الاقتصاد الوطني وانتعاش الاستثمارات في البلاد.

المثير في الموضوع هذه المرة، أن فتوى الدكتور أحمد الريسوني، قلبت الجدل رأسا على عقب، فقد أصبح الإسلاميون، في موقع الدفاع عن لا ربوية نوع من الفوائد البنكية التي اعتمدتها البنوك باتفاق مع الدولة في إطار برنامج لتأهيل المقولات، بنسبة فائدة تصل إلى 2 في المائة في المجال الحضري، و1.75 في المائة في العالم القروي، إذ بقدر ما لاقت الفتوى ترحابا كبيرا من قبل أوساط داخل الإسلاميين، باعتبارها تقدم رأيا فقهيا ميسرا يشجع على دفع عجلة الاستثمار، بقدر ما أثارت حفيظة جزء مهم منهم في الداخل لا تزال تحتفظ بقناعتها الدينية، وترى أن الربا محرم سواء كانت نسبة الفائدة كثيرة أو قليلة، بل إن الفتوى صدمت حتى الجسم السلفي، فوقع فيه الانقسام نفسه بين وجهة نظر تدعم فتوى الريسوني، وتعتبرها تجري على نسق العلم الشرعي الذي يتوسل منهجية الفقهاء وقواعدهم في النظر الفقهي، وبين وجهة نظر أخرى تعتبر أن ما فعله الريسوني سقطة شرعية تعكس الاختراق العلماني للجسم الإسلامي.

سياق الفتوى

الفتوى جاءت بناء على طلب واستفسار وجه إلى الدكتور الريسوني من قبل عديد من السائلين، وجاءت عقب تحول مهم في سلوك الدولة المغربية واتجاهها لإقرار برنامج لتأهيل المقاولات الصغرى والمتوسطة، يرمي إلى تسهيل ولوج المقاولات إلى التمويل، اعتمد له مبلغ 6 ملايير درهم، تساهم الدولة بنصفه، والنصف الآخر يتولاه القطاع البنكي، ويقدم صندوق الحسن الثاني، مساهمة تكميلية بمبلغ 2 مليار درهم، وستقدم البنوك قروضا تمويلية مضمونة من طرف الدولة بنسبة 2 بالمائة بالنسبة للعالم الحضري و1.75 في المائة للعالم القروي.

 



انطلق الدكتور أحمد الريسوني في فتواه من تقرير الطابع الإحساني والاجتماعي لهذا القرض، وعلل ذلك، بافتراض أن النسبة المخفضة إنما تغطي فقط مصاريف وتكاليف دراسة المشاريع ومواكبتها ومتابعة المشاريع بعد إنجازها وتقديم التوجيه والاستشارة لضمان نجاحها، إذ يتطلب ذلك تعويضات  ورواتب وأجور تغطي مصاريف الأعمال الإدارية وراتب الموظفين وتعويضات الخبراء، كما افترض أن هذه النسبة المخفضة، تعوض الخسائر المتوقعة بسبب الطوارئ والإكراهات التي تصادف بعض أصحاب المشاريع وتربك سير مشاريعهم مما ينتج عنه هدر قليل أو كثير يفضي إلى عدم تسديد بعض الديون من قبل أصحاب المشاريع، كما افترض ضمن تغطيات هذه النسبة المخفضة هامش التضخم الذي يحدث في العادة مع تغير قيمة العملات.

ويفترض أحمد الريسوني أحد حالتين في النازلة، إما أن هذه النسبة تساوي المصاريف والخسائر فارق تغير قيمة العملة بسبب التضخم، وفي هذه الحالة، فإن التوصيف الشرعي للقرض أنه قرض حسن محمود شرعا، وإما أن يحصل قدر قليل من الربح للمؤسسات المقرضة، فسيكون التوصيف الشرعي هو الترخيص لأصحاب الأعذار والضرورات والحاجات من الشباب الذي لا مصدر للعيش لهم، مما يحتاجون لعمل وزواج وبناء أسرة وما إلى ذلك من مطالب الحياة، ففي الحالة الأولى، يتطابق القرض الممنوح مع القرض الحسن، فيكون حلالا من جهة الشّرع، أما في الحالة الثانية، فلا يمنح صفة الحلية الشرعية، وإنما يؤذن فيه ويرخص لذوي الضرورات والحاجات عملا بقاعدة الحاجات تنزل منزلة الضرورات.

الدكتور محمد نجيب بوليف يعترض على منطق الريسوني

من المثير جدا، أن الاعتراض أول ما جاء، خرج من بيت الإسلاميين، ومن وزير سابق في حكومة عبد الإله بنكيران وحكومة سعد الدين العثماني قبل تعديلها، إذ اعتبر في تدوينة على حسابه الشخصي، أن الربا حرام سواء كان قليلا أو كثيرا، واستشهد في هذا السياق بآية تجريم الربا من سورة البقرة، وانتقد حصر المبادرة في المؤسسات البنكية الربوية، معتبرا أن البنوك التشاركية هي المجال لدعم الاستثمار وتمويل المقولات عبر الآيات التشاركية الجديدة التي دخلت سوق التعامل البنكي.

 


 
الدكتور محمد نجيب بوليف، مع خلفيته الاقتصادية والأكاديمية في هذا التخصص، لم يناقش حيثيات فتوى الريسوني، وإنما اكتفى في تدوينته بالإشارة إلى أن جوهر هذه العملية ربوية، مما يفهم منه أن تعليل الريسوني من جهة الخبرة الاقتصادية غير صحيح.

 

استغراب نقل الربا من التحريم إلى التحليل

الشيخ حماد القباج، فضل عدم إصدار راي مفصل مرجئا إياه لفترة لاحقة، واكتفى بتسجيل ملاحظة على فتوى الريسوني في شريط فيديو قصير نشره في صفحته على الفايسبوك، استغرب فيه إفتاء الريسوني بشرعية قروض ربوية، مؤكدا بهذا الخصوص أنه لا يتصور في حدود علمه "كيف يمكن أن نفرق بين النسبة المتدنية والنسبة المرتفعة، سواء من جهة التأصيلات الشرعية، ولا من جهة الدراسات الاقتصادية، التي لا تمنع البنك من الربح حتى يكون هذا مناط للانتقال من التحريم إلى التحليل".

 



واعتبر القباج أن تدني الفائدة وانخفاضها لا يخرج المعاملة عن تكييفها الربوي، معتبرا أن الربا يبقى ربا ولو بنسبة فائدة تبلغ 0.5 في المائة فقط، وأن الباب الوحيد الذي يمكن فتح الاجتهاد فيه هو باب الضرورة التي تبيح المحظور، وليس نقل المعاملة من خانة التحريم إلى خانة التحليل. واستغرب القباج كيف حصل التداخل في ذهن الشيخ الريسوني بين الأمرين، أي بين مسألة اللجوء إلى القرض الربوي للضرورة والتي قيلت وطرحت، بعض النظر عن الصواب والخطأ فيها، وبين مسألة انتقال حكم الفائدة من التحريم إلى التحليل بسبب انخفاض نسبتها، موضحا أن الفوائد البنكية تندرج ضمن نظام مالي عالمي رأسمالي متوحش يمارس أنواعا خطيرة من الظلم على الناس ويفرض نفسه على الدول والحكومات والمجتمعات، وأن البنوك الربوية تشكل أذرعه القوية التي يمارس من خلالها هذه الوصاية وهذا الإرهاب على حد قوله.

فتوى الريسوني مترددة وغير محررة تحريرا علميا

من جهته، انتقد الدكتور عصام البشير المراكشي في شريط فيديو نشره في صفحته على الفايبسوك، فتوى الريسوني من عشرة أوجه عدة، نكتفي منها بأربعة:

الأول، أن وصف النسبة المنخفضة بكونها لا تربح فيها، يطرح سؤال الضابط، أي الحد الذي يغلب على ظن الفقيه أنه لا يحصل فيه التربح ولا تكون فيه الفائدة البنكية تجر نفعا، ويصبح فيه القرض حسنا، فعدم وجود هذا الضابط هو الذي دفع العلماء لتحريم الربا قليله وكثيره لتجنب الالتباس في تحديد الضابط، واعتبر عصام البشير المراكشي أن مآل فتوى أحمد الريسوني هو إباحة جميع الفوائد البنكية لأنه لا وجود لضابط يمكن الركون إليه. إذ من الوارد أن يأتي غدا عالم أو مفت فيقول بأن القرض بنسبة 3 في المائة حسن، إذ ما الفرق بين 2 و3 في المائة فالفرق بينهما يسير وضئيل.

 



الثاني، وهو ما يتعلق بمصاريف الملف والخسائر الناتجة عن الطوارئ والهدر الناتج عن سداد بعض القروض، إذ أوضح المراكشي أن الأصل في التعامل الشرعي أن يتم التعامل مع كل قرض بمفرده، لا أن يتم النظر إلى مجموع القروض وسحب حكم واحد عليها. إذ لا يمكن التسوية في ذلك بين من يسدد ومن لا يسدد، فلا يحق بوجه شرعي أن يسدد المسدد عن تخلف شخص آخر لم يسدد. فهذا أشبه بنظام التأمين التجاري الذي يحرمه علماء الأمة المعاصرين.

الثالث، وهو ما يتعلق بتفصيل الشيخ أحمد الريسوني لتوصيف النازلة بين افتراض عدم التربح وبين توقع الربح القليل، إذ اعتبر المراكشي هذا ترددا من جهة المفتي في تكييف صورة النازلة، وهو ما يعني أن الفتوى غير محررة من جهة عدم اطلاع الشيخ على صورة الحال، وهل هناك ربح أم ليس هنالك ربح، فإذا كان الأمر غير واضح بالنسبة للمفتي فهل معنى ذلك أنه يحيل الأمر لجهة المختص، ليحرر لنا وجه المسألة، وهل تدخل ضمن التربح أو لا، أم أنه يترك ذلك للمقترض نفسه، ليحدد توصيف النازلة، وهذا- في نظر المراكشي، هو الأسوأ في الفتوى. فالمقترض عليه أن يعرف المسألة وهل هي ربا أم غير ربا من جهة الفقيه ليقدم أم يحجم، وهل هو من بين أهل الأعذار أم لا إن كان في المصورة ربح قليل. وهذا في نظر المراكشي، يضع المقترض في مشكلة، إذ كيف له أن يعرف وجود ربح من عدمه ليقدم أم يحجم.

فتوى الشيخ الريسوني محررة ومسددة

أما الشيخ عادل رفوش المشرف العام والمدير العلمي لمؤسسة ابن تاشفين للدراسات والأبحاث والإبداع، فقد كانت له وقفة خاصة على فتوى الريسوني في شريط فيدو نشرته المؤسسة في موقعها الرسمي، إذ انطلق من وضع النازلة في سياقها الشرعي، مبينا أن القرض في الفقه الإسلامي يدخل ضمن العقود الارتفاقية الإحسانية التي لا يرجى فيها إلا وجه الله تعالى، ولذلك جاءت الشريعة لتقطع الطريق على كل من يريد أن يحوله عن أصله، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم القرض إن جر ربحا ربا،  مبينا أن هذا هو اصل المسألة المعروضة للنقاش وتكييفها، وأن النظر فيها لا بد أن يأتي من جهة، هل القروض المقدمة تدخل في مسى المقرض، وهل هذا القرض يجر نفعا، وإذا كان كذلك فأي نفع يجره وأي صنف يدخل ضمنه هذا النفع؟

 


 
وفي تفصيله لهذه الجوانب الثلاث، أكد عادل رفوش أنه لا إشكال في كون هذه القروض قروضا بالمسمى الشرعي لأنها سميت كذلك ولأنها مستردة، موضا في جوابه عن السؤال الثاني أن شرط الشريعة لكي تسمي القروض ربوية أن تجر نفعا يلحقها بالمحرمات، فاعتبر أن الذين يرون أن هذا القرض حسنا يرون أن علة التربح ليست محققة في المسألة على الوجه الذي تسمى ربا، وعليه لم يصبح عندهم ذلك المحظور الذي لأجله تحرم المعاملة، فالنفع الذي يجره القرض، قد يكون حقيقيا أو يسيرا تافها أو قد يدفع ضررا، والشريعة في تعاملها مع هذه الأصناف الثلاثة ليست على وزن واحد، فمن نظر إلى أنها جائزة، نظر إلى كونها تدفع مضرة عن المجتمع كله لدفع البطالة ونحوها وتيسير أمور الشباب في مقاولاتهم، ورأى أن الربح الذي تطلبه الجهات المقرضة يسير جدا، لا يقارن مع المبالغ المرصودة من أجل هذه المعاملة. 

ونظرا إلى ما يكتنف هذه المعاملة من نفقات ومن طوارئ ومحترزات، ثم ما يكتنفها من تضخم وتغير قيمة العملة مع الآجال، فرأوا أن هذه النسبة المخفضة تؤول إلى شيء، أو كأنها غير موجودة. وعليه، يضيف الشيخ عادل رفوش، تصير المعاملة ليست ربحية، والشريعة أناطت التحريم بالربح. فيصير تكييفها حسب الشيخ رفوش كأنها إحسانية تنموية الغرض بها إحياء حركة اجتماعية في الناس لدفع الركود الاقتصادي. وبهذه الاعتبارات، رأى الشيخ رفوش أن الشيخ الريسوني كان مسددا في فتواه، وأنه فتح للشباب بابا من أبواب التيسير، وأن هذا لا ينافي أنه يرى ما يراه العلماء أن الربا محرم قطعا في الشريعة الإسلامية.

في ضرورة فهم الفقيه للسياق السياسي والاقتصادي

هذا النقاش الفقهي الذي أثير داخل الإسلاميين، وحتى داخل المكون السلفي وشطره قسمين، بقي في الواقع محصورا برؤية تقليدية، تدرس النازلة في بعدها الوقائعي الجزئي، دون فهم السياق العام الذي تجري فيه الأمور، فالمثير أن الذين دخلوا هذا النقاش منتصرين لفتوى الريسوني أو معترضين عليه، لم ينتبهوا إلى أن الأمر يتعلق بسابقة في تاريخ المغرب وفي تاريخ السلوك البنكي في المغرب، إذ لم يسبق أن اضطر القطاع البنكي إلى تخفيض نسبة الفائدة إلى هذا السقف الواطئ، وأنه بدلا من أن يتم قراءة هذه السابقة وفهم محدداتها وملابساتها، انشغل عقل الإسلاميين بأدوات المنطق الفقهي، وسؤال الحل والحرمة، وهل تخفيض نسبة الفائدة إلى حد واطئ يصل إلى 2 في المائة أو أقل من ذلك يجعل القرض يبتعد عن الربا ويقترب من القرض الحسن، أم أن القضية لم تغير في جوهر الحكم الشرعي شيئا ما دام الربا محرما قليله أو كثيره؟

والحقيقة أن الظرفية الاقتصادية والاجتماعية المأزومة، والخوف من حصول احتقان اجتماعي شديد في المدن والبوادي معا، هو الذي دفع بالدولة للنزول بثقلها لإقناع الأبناك بتخفيض هامش ربحها مقابل ضمان الدولة للقروض لحفز المقاولة وتحريك العجلة الاقتصادية لاحتواء أي احتقان متوقع وللحفاظ على الاستقرار..

فالرسالة التي وجهتها الدولة للقطاع البنكي أنه ينبغي أن يتحمل مسؤوليته إلى جانب الدولة، وأنه لا يمكن أن يبقى أبدا بفكر بمنطق الربح، وأن ضرورات الاستقرار تتطلب منه التضحية بجزء من أرباحه في مبلغ مالي مقدر تضعه رهن إشارة المقاولات الصغرى والوسطى بهامش فائدة منخفض مضمون من قبل الدولة، وأن استمرار هذا القطاع على نفس الحالة الريعية، التي تقوم على منطق الربح المضمون من غير المخاطرة في عالم الاستثمار، سيدفع نحو مزيد من هشاشة الاستقرار الاجتماعي، ولهذا الغرض، لجأت الدولة إلى إقناع القطاع البنكي، لجره بشكل من الأشكال إلى ترك منطقه الريعي والمساهمة بهذه الطريقة في تحمل كلفة الاستقرار، فحصة الأبناك من المخاطرة المحسوبة والمضمونة لا تتجاوز 3 مليار درهم، أي ما يفوق بشيء يسير نصف المساهمة التي ستقدمها الدولة إذا ما تم ضم مساهمة الحكومة إلى مساهمة صندوق الحسن الثاني، وهي نسبة ضئيلة إذا ما قورنت بمواردها المالية، بل إذا ما قورنت فقط بالأرباح التي تحققها، ففي نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي بلغت أرباح ثمانية بنوك مغربية رئيسة في السنة الماضية 10.5 مليار درهم، وهذا يعني أن حصتها في البرنامج ضئيلة ومحدودة جدا، وتشير إلى حالة التردد التي تسم سلوكها في تعاطيها مع مثل هذه المشاريع.

النقاش الفقهي الذي كان ينبغي أن يساهم به في هذا الموضوع، هو أن يتم استثمار اللحظة، لانتقاد العقلية البنكية الريعية، وكيف تساهم في تقويض الاستقرار السياسي والاجتماعي، وأن الحل يكمن في تشجيع المعاملات التشاركية، التي تلزم الأبناك بالمخاطرة بالاستثمار مع تحمل كلفة الخسارة بدل الاكتفاء بالتمويل المضمون الربح، فالقطاع البنكي، هو القطاع الوحيد الذي تتزايد أرباحه في الوقت الذي يكسد الجميع، بل هو القطاع الذي يتغول في الوقت الذي يمكن للدولة فيه أن تتآكل.

نص فتوزى الشيخ الدكتور أحمد الريسوني، قدم فتوى في الموضوع بتاريخ 12 شباط (فبراير) 2020

"هذا القرض لا بد من التنبيه إلى توجهه الاجتماعي وغرضه الإحساني، من الواضح أنه ليس مبادرة ربحية أو تجارية على ما تعمل به البنوك عادة، لأن هذه النسبة المخفضة الظاهر منها أنها لا تعطي ربحا يذكر للبنوك ولا لأي مؤسسة أخرى، وهذا توجه في حد ذاته ينبغي الإشادة به واستحسانه لأنه يتجه وجهة شرعية محمودة وهي تقديم قرض حسن سواء من الدولة أو الأغنياء ممن لهم فائض في أموالهم وحاجاتهم.

فهذا القرض بهذه الكيفية، إن لم يكن قرضا حسنا خالصا فهو يتجه ويقترب من مبدأ القرض الحسن، فمن الواضح أنه ليس قرضا ربحيا على الأقل بالدرجة الأولى، أما حكمه وحكم الاستفادة منه،  فيجب قبل ذلك أن نستحضر جملة أمور، منها أن القروض التي تقدم بهذه الكيفية وتضمن من قبل الدولة، وتتوزعها عدة مؤسسات بنكية تحتاج لتقديمها ودراسة ملفاتها سواء من حيث وضعية الأشخاص ومن حيث المشاريع التي سيقدمونها، وهذا يحتاج لعدد من الموظفين والأعمال الإدارية وتحتاج إلى الخبراء سيدرسون هذه المشاريع من حيث الجدوى ومن حيث المردودية ومن حيث إمكانية النجاح أو الفشل، وسيتابعونها أيضا ويتابعون مع أصحابها كما هو معلن بإرشادهم وتوجيههم ومراقبتهم أيضا لأن القروض على أية حال مضمونة من قبل الدولة. 

فكل هذه الأعمال والخدمات والخبرات تحتاج إلى تعويضات وأجور، وهذا جزء من تحملات المؤسسات المقرضة، وثانيا تتحمل هذه المؤسسات أو تتحمل الدولة في عمومها الهدر الذي لا بد وأن يقع قليلا أو كثيرا في سداد هذه القروض، لأنه ليس من المتوقع أن جميع المقترضين سيردون ما أخذوه بالكامل، فهناك عوارض وإكراهات وطوارئ كالوفاة والإفلاس وغير ذلك، وعلى العموم فهذه القروض ستخسر منها الجهات المقرضة نصيبا قل أو كثر، بالإضافة إلى احتمالات التضخم وتغير قيمة العملة، فإذا فرضنا أن هذه النسبة الضئيلة هي فقط لتغطية هذه التكاليف والمصاريف والخسائر سواء بشكل مساو أو أقل أو حتى أكثر قليلا ربما، ففي هذه الحالة يكون القرض قرضا حسنا خالصا اجتماعيا إنسانيا إحسانيا،  وليس قرضا ربويا أصلا، لأن النسبة التي ستؤخذ عن القرض في النهاية ممن سيسددون وممن سيوفقون للتسديد وعلى المدة التي سيتعاقد عليها، فهذا القرض بهذه الكيفية وبهذه التكاليف وبهذه النسبة المخفضة يصبح قرضا حسنا لا شبهة فيه ولا ربا فيه لأن الربا هو التربح بالقرض، وإذا لم يكن التربح نهائيا، فإن القرض يصبح إحسانيا وحتى ولو كان هناك ربح قليل، فالربح القليل هو أقرب إلى الحل وأقل إثما من الزيادات الربوية المعهودة كسبعة في المائة وعشرة في المائة، وهذا يكون فيه أقرب إلى أن يرخص فيه لذوي الأعذار وذوي الضرورات وذوي الحاجات الشديدة عملا بقاعدة "الحاجات تنزل منزلة الضرورات"، فسيكون المستفيدون من هذا القرض إذا فرضنا أنه ليس فيه تربح ربوي للمقرضين، فهو قرض حسن مستحسن شرعا ومحمود شرعا وهو القرض الذي أمر به الشرع. 

وإذا كان فيه ربح قليل لهذه المؤسسات المقرضة فهذا يرخص فيه لذوي الأعذار من ضرورة وضائقة، والشباب اليوم  كلهم في حاجة إلى زواج  وإلى أسرة وضمانات واحتياجات عديدة، فإذا كان ليس له من مصدر آخر، فيستطيع أن يأخذ بهذا القرض حتى ولو فرضنا فيه نسبة من الربح للبنوك فهذا يكون على سبيل الترخيص على سبيل أنه حلال ومستحب ومستحسن كما في الحالة الأولى، إذن هذا الذي يمكن أن يقال، وهذا الذي ظهر لي والله تعالى أعلم وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".