قضايا وآراء

حدود الديمقراطية الإيرانية

1300x600
يوم الجمعة الماضي جرت في إيران انتخابات مجلس الشورى (البرلمان) وسط حضور شعبي معقول وفقا للنسب المعلنة (بحدود 40-50 في المئة)، وهي نسبة تعادل العديد من الدول الديمقراطية الغربية، كما أنها نسبة تسمح لتلك السلطات للادعاء بحدوث حالة شعبية ديمقراطية لا تزال تثق في النظام السياسي الإيراني، وتجدد الثقة به، في مواجهة حملات غربية تدعي انصراف الإيرانيين عنه، ورغبتهم في تغييره. ونحن هنا لا نتحدث عن رئيس وحكومته أو برلمان معين، ولكن نتحدث عن نظام سياسي كامل (يصفه البعض بنظام الملالي) أنتجته الثورة الإسلامية في العام 1979، أي قبل 40 عاما، ويحدد الدستور الإيراني شكله ومضمونه.

بغض النظر عن نتيجة الانتخابات، فقد كانت معروفة بشكل عام سلفا، ليس في شخوص من فازوا في الانتخابات، ولكن في طبيعة توجهاتهم وانتماءاتهم. فالنظام الدستوري الإيراني يحدد المرشحين المسموح لهم بالمرور إلى الانتخابات أصلا، ويمنع من خلال لجنة صيانة الدستور من يشك في ولائه لمبادئ الجمهورية الإسلامية ولمبدأ ولاية الفقيه. وقد تابعنا كثيرا من قبل رفض لجنة صيانة الدستور تمرير مئات المرشحين بسبب الشكوك في ولاءاتهم الدينية والسياسية، وهو ما يتكرر مع المرشحين لمنصب رئاسة الجمهورية أيضا.

هناك الكثير من الملاحظات والمآخذ على السياسة الإيرانية الخارجية، خصوصا في منطقتنا العربية، وخاصة الموقف المشؤوم الداعم لجزار سوريا بشار الأسد، والموقف المتسبب في فتنة اليمن التي أجهضت الثورة الشعبية اليمينة من خلال دعم الحوثيين، وصناعة فتنة مذهبية في بلد ظل أبناؤه من شوافع وزيديين في حالة تناغم وسلام لعقود طويلة.

لكننا هنا نتحدث عن الإدارة السياسية الداخلية والنموذج السياسي الذي أنتجته ثورة 1979 وتريد إيران تصديره، ونسعى للإجابة على سؤال هل نجحت الثورة الإيرانية بعد مرور 40 عاما في تقديم نموذج حكم ديمقراطي؟

أجرت إيران 11 دورة انتخابية برلمانية منذ نجاح ثورتها ووصول الملالي إلى الحكم عام 1979، وظلت المنافسة فيها محصورة بين من يوصفون بالمحافظين والإصلاحيين، وهي تعبيرات لا تعني أن هناك فروقا كبيرة بين الفريقين، بل هي فروق شكلية تتعلق غالبا في طريقة التعبير عن الرؤى (ناعمة أو خشنة) التي تحكمها في النهاية ثوابت عليا لا يمكن الخروج عليها، تتعلق باحترام مبادئ الجمهورية الإسلامية وولاية الفقية.. الخ، ولا يسمح النظام الدستوري الإيراني لمن تحوم حوله أي شكوك في الترشح، دون أن يكون له حق في الاعتراض على هذا الحرمان.

وولاية الفقيه المقصودة هنا هي ولاية المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية (وهو المنصب الذي يشغله حاليا خامنئي) على كل شيء في إيران بالنيابة عن إمام الشيعة الغائب (المهدي المنتظر)، وهذه الولاية مطلقة تستطيع إلغاء قرار لرئيس الجمهورية أو تشريع للبرلمان بعد إقراره.. إلخ، لكن المرشد غالبا لا يستخدم هذه السلطة المطلقة، ويكتفي ببعض الأمور الرمزية، ولكنه يظل حاضرا في نظر الجميع عند اتخاذ أي قرار أو سن أي تشريع. وقد نص الدستور الإيراني الصادر عام 1979 والمعدل عام 1989 على ولاية الفقيه في أكثر من نص أبرزها المادة الخامسة "في زمن غيبة الإمام المهدي تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر؛ الشجاع القادر على الإدارة والتدبير"، وفقاً للمادة 107 وكذا المادة 110 التي تحدد اختصاصات الإمام القائد.

يتمتع مجلس صيانة الدستور في إيران أيضا بصلاحيات كبيرة في قبول أو رفض المرشحين للانتخابات البرلمانية والرئاسية وأي انتخابات أخرى، ويراقب عمل البرلمان، ويمكنه إلغاء قانون بعد إقراره بحجة مخالفته للشريعة. وفوق مجلس صيانة الدستور هناك مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي يتمتع  بنفوذ أكبر، وفوق الجميع يأتي مرشد الجمهورية. وهكذا تبدو المؤسسات السياسية المعروفة عالميا، وهي الحكومة والبرلمان ورئاسة الدولة، ذات صلاحيات محدودة في النظام الإيراني، وتخضع في نهاية المطاف لرقابة وإشراف جهات ومؤسسات أعلى منها لا توجد في أي دولة أخرى بخلاف إيران، وهذا يعني أن العملية الديمقراطية في إيران تجري وفق إطار محدود، وتحت السيطرة الكاملة.

ضمن هذا الإطار الديمقراطي المحدود يحاول النظام الإيراني إبراز نفسه كنظام ديمقراطي في وسط منطقة تفتقد للمظاهر الديمقراطية في الأغلب، خاصة في مكونها العربي الذي تحكمه مشيخات وممالك تعتبر الديمقراطية رجسا من عمل الشيطان، وتبذل المليارات لوأد أي تغيير ديمقراطي ليس في داخلها فحسب، بل في اي دولة أخرة قريبة أو بعيدة. ومن هنا فإن إيران تتباهى بهامشها الديمقراطي حتى وإن كانت كالأعور في مملكة العمى.

ضمن محاولات تزيين النظام الإيراني لنفسه؛ أنه يحفظ مقاعد معينة للأقليات الدينية في البرلمان (الزرادشت واليهود والمسيحيون الآشورىون والكلدانيون والمسيحيون الأرمن). لكن هذا النظام الذي حدد هذه "الكوتة" للأقليات (بغض النظر عن مدى مناسبتها) رفض أن يحدد حصة معينة للمسلمين السنة في إيران والذين يبلغون خمس السكان تقريبا، ويتذرع النظام بأنه لا يعتبرهم ضمن الأقليات، لكنه يتركهم نهبا للمعارك الانتخابية والضغوطات الأمنية التي لا تمنحهم في النهاية تمثيلا ملائما لعددهم في المجتمع.

ضمن الحرص الإيراني على الديكور الديمقراطي، والتأكيد على ثبات النظام واستقراره، فإن النظام أجرى الانتخابات الأخيرة رغم العواصف التي تمر بها البلاد، حيث انتشار فيروس كورونا، وتسببه في مقتل أربعة إيرانيين وإصابة العشرات في الداخل. وقد نجحت العملية الانتخابية في إفشال خطط غربية لإشاعة الهلع في المجتمع الإيراني وتضخيم أزمة كورونا لتغطي على حدث الانتخابات. وفي الداخل أيضا حالة الغضب التي تجسدت في مظاهرات شعبية عقب إسقاط الطائرة الأوكرانية قبل شهر ونصف الشهر، أيضا تصاعد الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحصار الأمريكي الغربي بسبب الملف النووي.. وفي الخارج حيث التهديدات بضربة أمريكية في أي وقت ضد المنشآت النووية الإيرانية أو أي منشآت عسكرية أخرى، والتأزم المتصاعد في منطقة الخليج، مع استمرار وتصاعد الحرب في اليمن وفي سوريا، ومع تصاعد الانتفاضة الشعبية في العراق ولبنان، وكلتاهما ضد الهيمنة الإيرانية.

الانتخابات البرلمانية الإيرانية جرت في هامش ضيق، ووسط هيمنة المؤسسات الدينية التي تفرض وصايتها على كل شيء في إيران، ولكنه رغم كل ذلك هامش يزهو بنفسه وسط غابة من النظم الديكتاتورية، سواء كانت ملكية وراثية أو جمهورية عسكرية، ومن كان جادا بالفعل في مواجهة المشروع الإيراني فليقدم حالة ديمقراطية أفضل منه.