تقارير

السنة والحكم بين العثماني والتوبة.. مناقشات واعتراضات

مناقشة هادئة لمفهوم الحكم عند أهل السنة والجماعة.. آراء الدكتور سعد الدين العثماني والدكتور غازي التوبة.. (عربي21)
مناقشة هادئة لمفهوم الحكم عند أهل السنة والجماعة.. آراء الدكتور سعد الدين العثماني والدكتور غازي التوبة.. (عربي21)
خصص علماء أصول الفقه ـ قديما وحديثا ـ كتبا وأبوابا مستقلة لبحث دلالات أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وتصرفاته، فأفعاله عليه الصلاة والسلام داخلة في تعريف السنة، التي تشمل إضافة لأفعاله أقواله وتقريراته حسب تعريف الأصوليين لها، وليست أفعاله وتصرفاته عليه الصلاة والسلام على مستوى واحد من حيث الدلالة، وما يبنى عليها من أحكام.

وأوضح العلماء أن تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام إما أن تقع بوصفه مبلغا عن ربه، أو بوصفه قاضيا يفصل بين الصحابة في خصوماتهم، أو بوصفه إماما، "ثم تصرفاته صلى الله عليه وسلم بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة، فكل ما قاله أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكما عاما على الثقلين إلى يوم القيامة، فإن كان مأمورا به أقدم عليه كل أحد بنفسه، وكذلك المباح، وإن كان منهيا عنه اجتنبه كل أحد بنفسه" كما يقرر ذلك الإمام شهاب الدين القرافي في كتابه الفروق.

أما "ما تصرف فيه عليه السلام بوصف الإمامة، يتابع القرافي تقريره، فلا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداء به عليه السلام، ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك، وما تصرف فيه صلى الله عليه وسلم بوصف القضاء لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم اقتداء به عليه السلام، ولأن السبب الذي لأجله تصرف فيه عليه السلام بوصف القضاء يقتضي ذلك، وهذه هي الفروق بين هذه القواعد الثلاث".

العثماني وتقسيم تصرفات النبي إلى تشريعية وغير تشريعية

في كتابه (الدين والسياسة.. تمييز لا فصل) استند الباحث في الفقه الإسلامي وأصوله، والطبيب النفسي، ورئيس الحكومة المغربية السابق، الدكتور سعد الدين العثماني إلى قواعد علماء أصول الفقه، وبالذات ما قرره الإمام القرافي في تقسيمه لتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم إلى "تصرفات تشريعية" وأخرى "تصرفات غير تشريعية".

وهذا ما بحثه العثماني في مقالته الأولى، والتي تنطلق "من فكرة التمييز بين تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم (الدينية) وتصرفاته السياسية، وهي الفكرة التي فصلها الفقيه الأصولي شهاب الدين القرافي من علماء القرن السابع الهجري، لكنها تعبر عن توجه عام لدى علماء الإسلام عبر القرون".



انتقد العثماني تلك النظرة التي تتعامل مع التصرفات النبوية "على أنها من نوع واحد، وعلى وزن واحد، وعلى أنها كلها وحي يتبع" مضيفا "وقد بيَّن كثير من العلماء والأصوليين خطأ هذه النظرة ومجافاتها لطبيعة التصرفات النبوية" ذاكرا أن الكثيرين منهم اقترحوا تقسيمات لها مثل ابن قتيبة الدينوري في كتابه (تأويل مختلف الحديث)، والقاضي عياض في كتابه (الشفا بتعريف حقوق المصطفى)، وابن القيم الجوزية في العديد من مؤلفاته.. لكن أكثرهم توسعا في بيان الفرق بين أنواع التصرفات النبوية الأصولي شهاب الدين القرافي في كتبه ومؤلفاته.

وتابع العثماني تقريره بالقول "وبالاستفادة من مجموع تلك الجهود المتراكمة يمكن أن نقسم التصرفات النبوية إلى نوعين، تصرفات تشريعية، وهي التي يطلق عليها اصطلاحا لفظ السنة، وتصرفات غير تشريعية لا تدخل في مسمى السنة". والتصرفات التشريعية، وفقا للعثماني "هي ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من تصرفات بقصد الاتباع والاقتداء".. وقد فصل تلك الأنواع والأقسام وأتى لها بأمثلة وشواهد عديدة.

أما تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام غير التشريعية، فهي، حسب العثماني "تصرفات لا يقصد بها الاقتداء والاتباع، لا من عموم الأمة ولا من خصوص من توجهت إليهم" أدرج تحتها: التصرفات الجبلية، والتصرفات العادية، والتصرفات الدنيوية، والتصرفات الإرشادية، وتصرفاته الخاصة به" واعتبرها لا تدخل تحت مسمى السنة.

التصرفات النبوية بالإمامة

أورد العثماني تعريف التصريفات النبوية بالإمامة "بأنها تصرفاته عليه الصلاة والسلام بوصفه رئيسا للدولة يدير شؤونها بما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد، ويتخذ الإجراءات والقرارات الضرورية لتحقيق المقاصد الشرعية في المجتمع، ويسميها بعض العلماء تصرفات بالسياسة الشرعية، أو تصرفات بالإمارة".

وذكر أن للتصرفات النبوية بالإمامة سمات، يمكن حصرها أهمها في أربع سمات: تصرفات تشريعية خاصة، وتصرفات مرتبطة بالمصلحة العامة، وتصرفات اجتهادية، وتصرفات في أمور غير دينية، وقد أورد أمثلة وشواهد لكل نوع، وبين وجوه الدلالة فيها.. وخلص إلى القول في التفريق بين ما كان من تصرفاته في الدين وبين ما كان في الدنيا، "فالدين ما كان من تصرفاته عن وحي أو اجتهاد في مرتبة الوحي، والدنيا ما كان منه عن رأي واجتهاد محض".

ووفقا للعثماني فإن "أهمية التنصيص على انبناء التصرفات النبوية بالإمامة على مصالح الدنيا إخراج لها من مسمى الدين بالمعنى الثاني (أي استعمال الدين في مقابل الدنيا)، ونستنتج منه ثلاث خلاصات هي: أنه دليل على وجود نوع من التمييز بين الدين والدنيا في الإسلام، وأنه يفيد في أن من مقاصد الإسلام إزالة أي نوع من القداسة عن الممارسة السياسية حتى لا يصير ذلك احتكارا لها باسم الدين.. ويفيد أيضا في إدراك ضرورة تغير التصرفات النبوية بالإمامة في حال تغيير المصالح التي انبنت عليها".

ورأى العثماني أن "الوعي بالتصرفات النبوية بالإمامة يوفر أساسا منهجيا هاما وصلبا للعديد من القضايا المطروحة في الفكر السياسي الإسلامي، من أهمها أنها "تبين أن الدولة الإسلامية دولة مدنية، وليست دولة دينية بالمعنى المتعارف عليه في الفكر السياسي الغربي.. فطبيعة التصرفات النبوية بالإمامة وسماتها توضح كيف أن الإسلام ينزع كل عصمة أو قداسة عن ممارسات الحكام وقراراتهم، كما ينزعها عن الوسائل التي تتوسل بها الدولة لإدارة شؤون الأمة".

مناقشات واعتراضات

أثارت آراء وأفكار العثماني التي عرضها في كتابه (الدين والسياسة تمييز لا فصل)، - وما زالت - جدلا واسعا، وقوبلت باعتراضات شديدة، وجرى حولها مناقشات وحوارات عديدة، في مقال منشور موقع (الدرر السنية)، اعتبر كاتبه أن "أخطر ما في الكتاب أنه يُجسر الهوة بين الإسلام والعلمانية، ويفتح الباب لقارع العلمانية للولوج في الحياة السياسية بوجه شرعي.."، ومن آخرها اعتراضات ومناقشات للكاتب والباحث الإسلامي، الدكتور غازي التوبة، ضمنها في كتابه (آراء العثماني في السنة والحكم: تحليل وتقويم)، صدرت طبعته الأولى عام 2109.

في تقييمه العام لكتاب العثماني (الدين والسياسة.. تمييز لا فصل) وصف التوبة الكتاب بأنه "من أخطر الكتب في الفترة المعاصرة؛ لأنه تناول فيه قضيتين هما: قضية السنة، وقضية الحكم، وطرح فيه آراء خاطئة، تهدم جوانب من قضية السنة والحكم".



تتبع التوبة في مراجعته للكتاب واعتراضه على ما جاء في بحوثه وتقريراته، تقسيم العثماني لتصرفات الرسول عليه السلام إلى تصرفات تشريعية، وأخرى غير تشريعية، واستناده إلى كلام القرافي في ذلك التقسيم، فاعترض التوبة بأن القرافي قسم تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ثلاثة أقسام: تصرفات بالبلاغ، وتصرفات بالقضاء، وتصرفات بالإمامة، ولم يرد في كلامه تقسيم تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام إلى تصرفات تشريعية، وأخرى غير تشريعية كما فعل العثماني".

كما اعترض التوبة على إدراج العثماني لكل تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام الجبلية، والعادية، والدنيوية، والإرشادية تحت عنوان "التصرفات التشريعية"، وهو بهذا، وفق التوبة "هدم كل ما قام به مدونو سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كالإمام البخاري ومسلم وأحمد، ومالك وابن ماجة، والنسائي والترمذي.. من أجل أن نقتدي ونتأسى به.

وذكر التوبة أنه بتدقيقه "في بعض الأحاديث التي استشهد بها العثماني من أجل أن يبين أنها غير تشريعية" وجد "أن من نقل عنهم خالفوه، وبينوا أن هذه الأحاديث مع أنها للإرشاد لكنها تبقى في مرتبة المندوب، وممن فعل هذا المناوي وغيره" وقد أورد أمثلة وشواهد على ذلك في كتابه.

الحكم والدولة الإسلامية بين التاريخية ومطلق الاقتداء

ولفت إلى أن "الأصوليين اعتبروا (المباح) قسما من أقسام الفعل التكليفي، لذلك فقد اعتبروا التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم فيما لم يرد نص بالأمر أو النهي يبقى ضمن العمل المشروع، كما فعل عبد الله بن عمر في تحري كثير من أفعال الرسول والتأسي بها مع أنه لم يأت أمر من الرسول عليه الصلاة والسلام بها".

وانتقد التوبة اعتبار العثماني تصرفات الرسول بالإمامة ليست محلا للاقتداء، واصفا ما قاله العثماني من أن تصرفات الرسول بالإمامة ليست شرعا ملزما للأمة إلى يوم القيامة، بالخاطئ والبعيد عن الصواب، كما انتقده في قوله "إن تشريعات الرسول وقراراته في مجال الحكم تحمل الطابع البشري، وإن مفعولها انتهى بوفاته صلى الله عليه وسلم".

واعترض على إطلاق صفة النسبية على فترة قيادة الرسول لدولة المدينة، وكذلك "صفة التاريخية" على فترة حكم الخلفاء الراشدين، لأنه بذلك ينهي أي "ارتباط لنا بتلك الفترتين" بوصفها أحكاما خاصة بتلك الفترة التاريخية، فنحن "مأمورون من الله بتطبيق شرع الله الذي طبقه الرسول والخلفاء الراشدون من بعده، والاقتداء بتلك الفترتين، والأخذ منهما، والنسج على منوالهما، وقد أخطأ العثماني في هذا وخالف كل ما كتبه الفقهاء، ومدونو السياسة الشرعية، والأحكام السلطانية" وفق التوبة.

وعن توصيف العثماني للدولة الإسلامية بأنها دولة مدنية، رأى التوبة أن العثماني وقع في أخطاء عديدة حينما أطلق على الدولة الإسلامية دولة مدنية، دون تفكيك المصطلح الذي يحوي أشياء لا تتفق مع الدولة الإسلامية، ولا تقرها بحال من الأحوال، كما انتقد رأي العثماني في "وثيقة المدينة" والتي اعتبرها تؤسس لمفهوم "المواطنة" الغربي، نافيا أن تكون كذلك، وإنما تؤسس لمفهوم العلاقات الدولية.

ووفقا للتوبة فإن العثماني وقع في خطأين، فيما انتهى إليه في خلاصاته التي دونها عن تجربتي الرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين، الأول: اعتباره عدم وجود نظام سياسي في الإسلام ملزم لنا، والثاني: اعتباره النظام الديمقراطي لا يتعارض مع الإسلام، موضحا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قضى عشر سنوات حاكما وإماما للدولة الإسلامية، وقد بنى هذا النظام السياسي بأروع وأوضح صورة بأقواله وأفعاله، وقد كان الوحي يسدد خطاه في كل مرحلة من مراحل بناء هذه الدولة منذ وصوله إلى المدينة إلى لحظة وفاته.

أما عن رأي العثماني في كون النظام الديمقراطي لا يتعارض مع الإسلام، فهو عند التوبة رأي "غير صحيح"، فعند تفكيك مصطلح الديمقراطية نجد أنها تقوم على محورين: مبادئ وآليات، الآليات مقبولة أما المبادئ فهي تتعارض تعارضا كاملا مع ديننا الإسلامي، لأنها تصطدم مع نصوص قطعية الثبوت، قطعية الدلالة" كما أوضح ذلك وبينه في كتابه.

من جهته ذكر الأكاديمي والباحث المغربي المتخصص في العلوم الشرعية، الدكتور حمزة النهيري في سياق مناقشته لتقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية أن "عقلنا الجمعي اعتاد على الوقوع في أسر الألفاظ والمصطلحات خصوصا إذا كانت جديدة، ولها ارتباطات وسياقات سياسية واجتماعية فيبادرون إلى ذمها وردها دون نظر وفحص".

وتابع في ورقة بحثية بعنوان "نظرات في تقسيم السنة النبوية إلى تشريعية وغير تشريعية" شارك بها في أحد المؤتمرات "ولا زلت أذكر أن هذا التقسيم أقام زوبعة معرفية في جامعاتنا، لأنه يشم منه الترويج للعلمانية ومحاولة إلباسها لبوسا شرعيا كما يزعم ذلك أنصار المذهب الحرفي أو الظاهرية الجدد".

وخلص في ختام ورقته إلى جملة من النتائج من أبرزها "يختلف المتعاملون مع التراث في فهم هذه القضية، فالمحدثون في الأمس واليوم كلهم يرون السنة تشريعا سواء كانت من قبيل المباح أو من قبيل الواجب والمستحب، فالسنة كلها تشريع بالاعتبار الأعم الذي يشمل كل الأحكام الأخلاقية والتشريعية والاجتماعية، كما أن تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية تقسيم اعتباري صحيح جار على طريقة العلماء وقواعدهم في الاصطلاح، والنظر والسير والتقسيم".

وأوضح أن "السنة التشريعية تقصد عند القائلين بها، وتطلق على السنة الملزمة التي تتجاوز المباح وتتعين شريعة على الناس يلزمون بها، ويمكن حصرها في السنة الواجبة التي تدل على الوجوب.. مع ضرورة استحضار الخلاف الذي قد ينشأ في بعض السنن هل هي واجبة أم غير واجبة.. أما الأمور التي صدرت عن النبي عليه الصلاة والسلام والتي تخص عاداته التي نشأ عليها هو وقومه كلباسه وطعامه ومعاشه، وما صدر عنه على جهة الخبرات العام كأحكام الحروب والخطط العسكرية والصناعات والفلاحة ليست شرعا ولا تشريعا".

ومن النتائج التي خلص النهيري إليها أنه يمكن تجاوز تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، مع أنه تقسيم اعتباري، برأيه، ولا مانع من قبوله "لمظنة مشابهته للفكر العلماني.. وهذه ملحوظات أهل الحديث المعاصرين على هذا التقسيم، لأن السنة النبوية لا تنبع إلا من مشكاة الوحي الذي جاء لمصالح العباد في كل مجالات حياتهم، والشريعة مستندة إلى الأخلاق في كل مجالات الحياة، من أحكام السياسة مرورا بأحكام المساجد، إلى أن نصل إلى الأحكام الاجتماعية وما جرت به عادات الناس". 
التعليقات (0)