تقارير

مسلسل "الحشاشين".. استدعاء التاريخ لمهاجمة "الإسلام السياسي"

منذ بثِّ حلقته الأولى لم تتوقف الانتقادات الموجهة للمسلسل، سواء ما كان منها منتقدا دقة أحداثه وسردياته التاريخية، ومدى مطابقة ما يعرضه المسلسل للأحداث التاريخية الموثقة، أو لأمور فنية.. وسائل تواصل اجتماعي
منذ بثِّ حلقته الأولى لم تتوقف الانتقادات الموجهة للمسلسل، سواء ما كان منها منتقدا دقة أحداثه وسردياته التاريخية، ومدى مطابقة ما يعرضه المسلسل للأحداث التاريخية الموثقة، أو لأمور فنية.. وسائل تواصل اجتماعي
يستعرض مسلسل "الحشاشين" الذي تُبث حلقاته على فضائيات مصرية في شهر رمضان الحالي، نشأة وأفكار ومسيرة الحركة التي عرفت تاريخيا باسم "الحشاشين" التي أسسها حسن الصباح في القرن الحادي عشر الميلادي، وهي من الحركات السرية التي اشتهرت بالاغتيالات السياسية، وتنتسب إلى الطائفة الإسماعيلية.

منذ بثِّ حلقته الأولى لم تتوقف الانتقادات الموجهة للمسلسل، سواء ما كان منها منتقدا دقة أحداثه وسردياته التاريخية، ومدى مطابقة ما يعرضه المسلسل للأحداث التاريخية الموثقة، أو لأمور فنية تتعلق بالملابس والديكور والأزياء التي لا تتناسب مع تلك المرحلة التاريخية، أو استخدام اللهجة المصرية العامية، بدلا من اللغة العربية الفصحى.

مخرج الفيلم بيتر ميمي دافع عن اختيار العامية في المسلسل بالقول إن "الأحداث هي بين أتراك وفرس، وعندما قدّمه الأتراك، عُرض باللغة التركية، وهناك نسخة أخرى بالإنجليزية خرجت من أمريكا، لذا تم استخدام العامية في مسلسل "الحشاشين" باعتباره نسخة درامية مصرية".

ولفت عبر حسابه على الفيسبوك إلى أن "المسلسل من وحي التاريخ، وهذا مُشار إليه على التتر، فهو ليس وثيقة تاريخية لكنه دراما تاريخية" مضيفا: "حاولنا عمل خيال تصويري لفترة من الفترات، في شكل درامي.. لكن فيما يخص الديكور والملابس اعتمدنا على مراجع كثيرة ونادرة، لصناعة عالم جديد لم يُشبه أي عالم آخر في الأفلام والمسلسلات العالمية".



كما دافع تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه في المملكة العربية السعودية عن استخدام اللهجة المصرية في المسلسل، وقال: "من حق صناع مسلسل الحشاشين اختيار اللغة التي تناسبهم، واللهجة المصرية عريقة ومفهومة في كل العالم العربي.. اللغة الفصحى قد لا تجذب شريحة من الشباب.. أنا أحب الفصحى لكن غيري قد لا يفضلها".

وتابع عبر حسابه على موقع "إكس": "مسلسل الحشاشين إنتاج ضخم وخطوة في الطريق الصحيح للوصول للمستوى العالمي.. لو أنتج مسلسل عن الفراعنة هل سيكون مناسبا اللغة الهيروغليفية مثلا؟! قطعا لا بلغة العصر أوقع وأحسن.. نحن الآن في صدد إنتاج سعودي ضخم برعاية الترفيه ومحتار في اختيار الفصحى أو العامية للانتشار خطورة الحشاشين شجعتني للتفكير".

لكن استدعاء تاريخ هذه الحركة بتوجهاتها الفكرية العقائدية والفكرية والسياسية، ومسيرتها التاريخية بقيادة زعيمها حسن الصباح، وانتهاجها أسلوب الاغتيالات السياسية، والعمل العسكري السري، عبر عمل درامي تاريخي، بكلفة إنتاجية ضخمة وكبيرة يثير تساؤلات عديدة حول الأهداف المضمرة من وراء ذلك كله؟

ومن اللافت أن كتابات وتقارير صحفية تربط بصورة مباشرة بين "الحشاشين" وزعيمها حسن الصباح، وبين الإخوان المسلمين وزعيمها حسن البنا، "فكلاهما قاما في بداية الحركة برفع لواء الدفاع عن الدين، ضد الدولة الغاشمة، اعتمادا على ضم أتباع "صم بكم عمي لا يفقهون إلا أوامر القائد الملهم"، وشيئا فشيئا فاضت بحار من دماء المسلمين، لأسباب تتعلق بالسلطة والنفوذ، بأيدي المليشيات المسلحة"، "واعتمد الحشاشون (والإخوان) على سياسة المراوغة في تنفيذ الاغتيالات وتصفية الخصوم السياسيين" حسب تقرير لصحيفة مصرية.

فما مدى دقة الربط بين حركة الحشاشين وحركة الإخوان المسلمين، وهل ثمة تشابه بين شخصية حسن الصباح وحسن البنا؟ أم أنه استدعاء خاطئ وإقحام قسري في واقعنا الراهن، إذ لا يعدو المسلسل أن يكون توظيفا سياسيا لجماعة تاريخية باطنية بعيدة كل البعد عن جماعات الإسلام السياسي لمهاجمة الأخيرة وتشويه صورتها؟

في هذا الإطار أكد الخبير في الحركات الإسلامية المعاصرة، والباحث في سوسيولوجيا الفتوى، الدكتور عمرو عبد المنعم وجود "أهداف خفية وراء استدعاء فرقة الحشاشين من التاريخ وإسقاطها على الواقع، وهذا بالطبع مقصود من صناع العمل.. فالتاريخ في الدراما حامل للحدث وحاضن له، ومكون فاعل في الشخصيات، وفي ملامحها النفسية والجسدية، وثمة تشابه بين الحشاشين وحركات الإسلام السياسي تتمثل في توظيف الدين لأغراضهم السياسية" على حد قوله.

وأضاف: "لذلك نجد المؤرخين الأكاديميين يهتمون بالوثيقة والأحداث الحقيقية، أما الروائي في الأعمال الدرامية فليس من الضروري أن يكون همه الأوحد خدمة التاريخ بقدر ما يخدم حاضره ومستقبله متخذا من التاريخ وسيلة لا غاية".

وردا على سؤال "عربي21" إن كان من أهداف المسلسل بالفعل إسقاطه على الواقع لمهاجمة حركات الإسلام، لا سيما الإخوان المسلمين، قال عبد المنعم: "أتفق مع هذا التحليل فإسقاط فرقة الحشاشين على جماعات الإسلام السياسي والإخوان واضح جدا، وفي توقيت بالغ الخطورة، لا سيما مع تهديدات جماعات الإسلام السياسي جميعا للدولة الوطنية والقطرية، أصبح التعامل مع تاريخها وواقعها السابق أمرا في غاية الأهمية".

وتابع: "والحقيقة أن مواجهة فكر الإرهاب بالسلاح ثبت عمليا أنها لا تنهي منابع الإرهاب والتطرف بشكل نهائي، لذلك نحتاج لوسائل أخرى منها الدراما والفن، والاحتكاك بالشباب ونقل الخبرات والتجارب العملية لهم، استشعارا لأهمية المواجهة الفكرية والتي تعد العامل الأساسي والنافذ في هذه المعركة الحتمية والمصيرية".


د. عمرو عبد المنعم الخبير في الحركات الإسلامية المعاصرة، والباحث في سوسيولوجيا الفتوى

من جانبه رأى هاشم العامر، كاتب أردني، ومعد أفلام وثائقية أن "من الطبيعي أن يكون لصناع مسلسل الحشاشين أهداف ورسائل، بل هذا جزء من الصناعة والفن عموما، فأنا كدارس لتخصص صناعة الأفلام أؤكد أن العمل الفني يقوم على ثلاثة عناصر: المتعة والإبهار البصري أو السمعي، والرسالة".

وتابع: "لذا من الطبيعي أن توجد أهداف للعمل سواء اتفقت معها أو اختلفت، أما إذا كان المقصود هم جماعة الإخوان وبقية حركات الإسلام السياسي، ففي تقديري أن هذا وارد خاصة مع وجود تقاطعات كثيرة بين الإخوان والحشاشين، وربما من قرأ تاريخ الجماعتين يعلم ذلك"، وفق رأيه.

وأردف في حديثه مع "عربي21": "والحقيقة أن إحدى مميزات هذا العمل أنه استطاع استدعاء التاريخ وعِبره ليسلط الضوء على ما يجري في الواقع، وتحديدا ما جرى في السنوات الأخيرة التي شهدت نشاطا مكثفا لجماعة الإخوان، وكان لا بد من عمل يفتح العيون على خطورتها".

واستدرك: "لكن وبأمانة وحياد فالعمل قام بإسقاطات عدة ضمت السلطة المستبدة أيضا، والنخب الثقافية والفكرية المتراخية، وهذا واضح من خلال شخصيات الطوسي نظام الملك الذي مثل الأنظمة المستبدة والسياسية، وكذلك من خلال شخصية عمر الخيام التي تم إسقاطها على نخب المثقفين والمفكرين في عالمنا اليوم، ما يعني أن المسلسل لم يحمل مضمونا واحدا بل عدة مضامين، ولم يركز "هجومه" على طرف دون آخر، وهذا يحسب له بالنهاية، فمن وظائف الفنون تسليط الضوء والحث على التغيير، ويكفي هذا الجدل الدائر لنعلم مدى تأثير المسلسل ونجاحه".


                                     هاشم العامر كاتب أردني، معد أفلام وثائقية

الكاتب والإعلامي المصري، جمال سلطان ذكر أنه لم يشاهد مسلسل الحشاشين، ولكن شد انتباهه كثرة الحديث عنه في وسائل التواصل الاجتماعي، وأضاف: "لكني اندهشت من ربط لجان المخابرات الالكترونية لطائفة (الحشاشين) بالإخوان المسلمين أو أي جماعة دينية معاصرة، وهو جهل ورعونة بالغة الغرابة".

وتابع في تغريدة عبر حسابه على موقع "إكس": "فتلك الطائفة "الشيعية الإسماعيلية النزارية" الذين عُرفوا تاريخيا بالحشاشين، هم من الطوائف المقربة للسيسي ونظامه ولهم نشاط في مصر برعاية أمنية وسياسية، هم وطائفة البهرة (الإسماعيلية المستعلية) المنافسة لها، وكلاهما له نشاط رسمي – ديني وثقافي واجتماعي - في مصر بتسهيلات من الحكومة المصرية".

وأردف: "وزعيم الحشاشين الجديد (الأمير كريم الحسيني أغا خان الرابع)، وهو الإمام رقم 49 للحشاشين (الإسماعيلية النزارية) – مرفقا صورته مع المنشور – صديق مقرب من السيسي والشيخ محمد بن زايد وبشار الأسد، وأبوه كرمته مصر الرسمية أكثر من مرة ومدفون في أسوان جنوب مصر برعاية السلطات المصرية، وقبره حولته الحكومة المصرية لمزار سياحي، يتم وضع الورود عليه وتجديدها، فلو جاز ربط طائفة (الحشاشين) إعلاميا بجهة ما فقد تم ربطها بالجهة الخطأ بكل تأكيد" حسب قوله.



 
وفي مقال خصصته لنقد فكرة الربط بين الحشاشين والإخوان المسلمين، قالت الكاتبة الأردنية، إحسان الفقيه: "نتفق أو نختلف مع فكر جماعة الإخوان المسلمين، لكن التاريخ والواقع لن يدعا لأي منا مجالا للخلط بين الحشاشين والإخوان، وأي محاولة من هذا القبيل سيظهر مدى تكلفها وتعسفها، وبيان ذلك من عدة وجوه".

أوضحت الفقيه أن "جماعة الحشاشين جماعة طائفية نشأت في إيران، وزعيمها حسن الصباح كان تابعا للإمامية الإثني عشرية، تم تحوله إلى الإسماعيلية، ما جعلها تصطدم بالمناخ العام السني الذي تمثله الدولة السلجوقية والدولة العباسية والخوارزميون والأيوبيون.. أما جماعة الإخوان فقد كانت جماعة دينية اجتماعية اعتمدت الحل الإسلامي لكل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم تأت بمنهج يشذ عن المناخ السائد في الأمة، إنما كانت أحد مشاريع إحياء الخلافة التي ألغيت في الربع الأول من القرن العشرين".

أما قضية الطاعة التي تذكر على أنها من وجوه التشابه بين الحشاشين والإخوان، فبينت أن "قضية الطاعة كانت في منهج الحشاشين طاعة مطلقة، ناشئة عن تقديس مطلق للإمام تصل إلى التأليه واعتقاده العلم بالغيب، وأنه السبيل إلى دخول الجنة، أما قضية السمع والطاعة في الإخوان، التي يعبر عنها بالبيعة فلم يكن لها هذا الشكل الكهنوتي، وإنما كانت إجراء تنظيميا لضمان تسيير أعمال الجماعة، بصرف النظر عن مدى صحة تكييفها الفقهي..".

وعن التشابه بين الحشاشين والإخوان في اغتيال المعارضين والخصوم السياسيين حسب من يرى ذلك، فلفتت الفقيه إلى أن "جماعة الحشاشين كانت تغتال معارضي دعوتها، وتقوم بتصفية الرموز السياسية والسنية التي تعارض أفكارها ونهجها، وشكلت فرقة من الانتحاريين الذين لو طلب من أحدهم ذبح أبيه لفعل.. وبالنظر بإنصاف إلى واقع الإخوان المسلمين سيظهر لنا في يسر أنها رغم الضربات التي تلقتها على مدى عقود، كانت ترفع شعار السلمية إلى الدرجة التي أدت إلى امتعاض كثير من شبابها تحت وطأة الهجوم على الجماعة".

وأكدت أن قيادات الجماعة "لم تدع يوما لحمل السلاح في وجوه الأنظمة ومؤسساتها" مذكرة بأن "التنظيم السري" الذي عادة ما يجري محاكمة الجماعة من خلاله إنما "أنشئ بالأساس لمواجهة الاحتلال البريطاني لمصر والصهاينة في فلسطين، وليس موجها للداخل المصري بدليل أنه كان من أعضائه جمال عبد الناصر الرئيس المصري الأسبق، وخالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة باعتراف هذا الأخير".

ونبهت إلى أن قيام أحد أعضاء التنظيم السري باغتيال رئيس الوزراء المصري النقراشي باشا، الذي حل الجماعة ونكل بها، قد تبرأ منه الشيخ حسن البنا في مقال شهير بعنوان "ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين"، مشيرة إلى أن "الاغتيال سواء كان عملا فرديا أو مؤسسيا، تمت التغطية عليه بالتبرؤ من فاعله، فهو في النهاية خطأ كبير، ولكن يبقى اغتيال النقراشي وسلفه أحمد ماهر والقاضي الخزندار غير كافٍ في أن توجه إلى الجماعة عبر تسعين عاما تهمة العنف والتصفية الجسدية". 
التعليقات (0)