قضايا وآراء

تهويد القدس والاعتداء على الأقصى.. سياسية إسرائيلية ثابتة ليست مرتبطة بحكومة يمينية متطرفة

محمود الحنفي
جيتي
جيتي
أثارت مشاهد الاعتداء على المعتكفين في المسجد الأقصى في الخامس من شهر نيسان/ أبريل 2023 (14 رمضان) ردود فعل محلية وعالمية غاضبة. وربطت الكثير من المواقف الدولية، وحتى العربية منها، هذا الاعتداء بحكومة اليمين المتطرفة التي سمحت لشرطة الاحتلال بهذا الاعتداء، مركزة بشكل رئيس على هذه الحادثة دون النظر إلى السياسية المنهجية الثابتة التي مارستها كل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ احتلالها للقدس عام 1967.

* * *

تنص المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على أن "للأشخاص المحميين في جميع الأحوال من الاحترام لأشخاصهم وشرفهم وحقوقهم العائلية وعقائدهم الدينية وعاداتهم وتقاليدهم".

ودعا مجلس الأمن الدولي إسرائيل إلى عدم تدنيس المسجد الأقصى، وإلغاء جميع الإجراءات التي من شأنها تغيير وضع القدس، حسبما جاء في القرار رقم 271 الصادر بتاريخ 15 أيار/ مايو 1969.

لكن إسرائيل لم تستجب أساسا للقرارات الدولية طوال فترة احتلالها لفلسطين منذ عام 1948 حيث إنها هدمت عام 1948، أثناء الحرب وبعدها، ما يزيد على 400 مسجد ومقام ديني، وصادرت عشرات العقارات الوقفية التابعة للأوقاف الإسلامية، واستولت على ما يزيد على 600 ألف دونم من الأراضي الوقفية، الإسلامية والمسيحية، وحولت عدداً من المساجد إلى بارات ومتاحف وملاهٍ، وجرفت عشرات المقابر الإسلامية وحولتها إلى مزارع ومستوطنات. وبعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، واصلت سياستها ضد المقدسات الدينية في الأراضي المحتلة؛ بحيث تم تسجيل آلاف الاعتداءات بحق المقدسات الإسلامية منذ عام 1967. وبعد اتفاق أوسلو بدأت السلطات الإسرائيلية بإغلاق الأراضي الفلسطينية ومنعت المسلمين والمسيحيين من الوصول إلى أماكن العبادة في مدينة القدس المحتلة مئات المرات.

منهجية ثابتة في تهويد المسجد الأقصى: الاعتداءات هي الوسيلة الفعالة

تعرّض المسجد الأقصى لمحاولة الحرق على يدَي متطرف إسرائيلي في يوم 21 آب/ أغسطس 1969، حيث أشعل النار فيه، ما أدى إلى تلف كبير في الجهة الجنوبية والجنوبية الشرقية من المسجد، ودُمِّر المنبر بشكل كامل، ولم تتخذ سلطات الاحتلال أي إجراء بحق المعتدي. ولم تكن هذه المحاولة الأخيرة، بل تبعتها العديد من المحاولات؛ ففي مرات عديدة اكتشفت مواد حارقة أو قنابل موقوتة أو طرود ملغومة داخل أسوار المسجد.

ومنذ الأيام الأولى لاحتلال القدس في عام 1967، بدأ المتطرفون اليهود، بإشراف الحكومة الإسرائيلية، بعمليات حفر واسعة داخل أسوار المدينة، بحجة إثبات تاريخهم المزعوم فيها. وقد انتشرت الحفريات لتصل أساسات المسجد الأقصى والزوايا والمدارس المحيطة به، ما أدى إلى تصدع أساساتها، وانهيار عدد منها، مثل رباط الكرد والمدرسة العثمانية. ويهدف المتطرفون اليهود واليمين الإسرائيلي من وراء هذه الحفريات إلى تدمير المسجد الأقصى، وإقامة الهيكل الثالث المزعوم مكانه.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف حفرت السلطات الإسرائيلية أنفاقاً وممرات تحت المسجد الأقصى، منذ بداية الاحتلال. ولم توقف إسرائيل هذه الممارسات عقب توقيع اتفاق أوسلو، بل زادت وتيرة الحفريات، حيث كان آخرها النفق الذي افتتح في نهاية أيلول/ سبتمبر 1996، الأمر الذي أثار مشاعر الفلسطينيين وأدى إلى مواجهات مع الجيش الإسرائيلي (انتفاضة النفق) نجم عنها بحسب تقرير صادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان استشهاد أكثر من ثمانين فلسطينياً وجرح أكثر من 1500 آخرين(1).

وقد تبنت اليونيسكو قراراً بإدانة إسرائيل عام 1974، لقيامها بأعمال التنقيب والحفر في القدس، وتحت الأقصى، بهدف تغيير معالم القدس التاريخية، وطالبت بحرمان إسرائيل معونةَ اليونيسكو وطردها من المنظمة تماماً.

ويدخل المتطرفون اليهود يومياً، بحماية الشرطة الإسرائيلية، ساحات المسجد الأقصى في أوقات متفرقة أفراداً وجماعاتٍ، إما من باب المغاربة الذي استولى الجيش على مفاتيحه في عام 1967، أو بتسلق أسوار المسجد. وفي مرات عديدة أقام المتطرفون صلواتهم في ساحات المسجد الأقصى. ويتعرض حراس المسجد الفلسطينيون للعديد من عمليات الضرب والإهانة من الجنود الإسرائيليين ومن المتطرفين اليهود، أدت في كثير من الأحيان إلى دخولهم المشافي، وهي سياسة لفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى.

وتعرض المسجد الأقصى لاعتداءات مسلحة قامت بها جماعات يمينية متطرفة؛ ففي يوم 11 نيسان/ أبريل 1984 دخل جندي إسرائيلي بلباسه العسكري وكامل سلاحه، وأطلق النار عشوائياً على المصلين، ما أدى إلى استشهاد أحدهم وإصابة العشرات بجراح. وبتاريخ 8 تشرين الأول/ أكتوبر 1990 ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة بشعة بحق المصلين داخل الأقصى، حيث أطلق الجنود النار بغزارة على المصلين وعلى قبة الصخرة، الأمر الذي أدى إلى استشهاد 19 فلسطينياً من أطفال ورجال ونساء، وأصيب مئات آخرون، وأدى إلى إلحاق تشوهات بقبة الصخرة. وأُرسلت طرود ملغَّمة إلى شخصيات إسلامية تعمل في المسجد الأقصى، فضلاً عن اكتشاف صواريخ على أسطح منازل استولى عليها اليهود بالقرب من المسجد الأقصى موجهة نحو المسجد.

وللمرة الأولى منذ خروج الصليبيين من القدس في عام 1187 منعت سلطات الاحتلال إقامة صلاة الجمعة في المسجد الأقصى بتاريخ 9 حزيران/ يونيو1967، وتكرر هذا الأمر يوم إحراق المسجد الأقصى في21 آب/ أغسطس 1969، كما تكرر الأمر في 19 تشرين الأول/ أكتوبر 1990، حيث أُخِّرت الصلاة لمدة ساعة بسبب منع الجيش الإسرائيلي المصلين من الوصول إلى الأقصى، كما منعت صلاة الجمعة في 14 تموز/ يوليو 2017.

وعلى مدار سنين طويلة، فرضت سلطات الاحتلال طوقاً أمنياً شاملاً على الضفة الغربية وقطاع غزة، ومنعت الفلسطينيين من خلاله دخول القدس المحتلة، إلا بتصاريح خاصة تمنح لفئات محددة، وكذلك يمنع الرجال دون الخامسة والأربعين. وبناءً عليه، فقد حُرم مئات الآلاف من الفلسطينيين إقامةَ شعائرهم الدينية والصلاةَ في المسجد الأقصى.

ويتعرض المسلمون للإهانة على بوابات الأقصى، حيث يقوم الجنود الإسرائيليون بتفتيش مُهين للمصلين، وفي معظم الحالات يمنع الشبان من الدخول لأداء الصلاة.

الموقف الرسمي الإسرائيلي من المسجد الأقصى: عُقد في عام 1967 اجتماع لحاخامات يهود في العالم بمدينة القدس لمناقشة مسألة بناء الهيكل المزعوم. قال وزير الأديان الإسرائيلي، آنذاك، إنه لا يناقش أحد في أن الهدف النهائي لنا هو إقامة الهيكل، ولكن لم يحن الأوان بعد، وعندما يحين الموعد لا بد من حدوث زلزال يهدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة ويبنى الهيكل على أنقاضهما. وبتاريخ 5 حزيران/ يونيو 1967 كشف قائد المنطقة الوسطى، عوزي نركيس، أن الحاخام الرئيس للجيش الإسرائيلي في تلك الفترة، شلومو غورن، طلب منه تفجير المسجد الأقصى فور سقوط القدس بيد الجيش الإسرائيلي، وقال له إن هذه فرصة لن تتكرر، ولكن نركيس رفض ذلك.

وفي يوم 8 حزيران/ يونيو 1967 دخل الكولونيل مردخاي غور، أحد قادة الجيش الإسرائيلي، بعربة نصف مجنزرة إلى المسجد الأقصى ورفع العلم الإسرائيلي عليه. وبتاريخ 15 آب/ أغسطس 1967 صلى الحاخام الأكبر للجيش الإسرائيلي غورن داخل ساحات المسجد الأقصى برفقة عدد من الضباط.

وفي عام 1984، أقرت لجنة القانون والقضاء الإسرائيلي في الكنيست إخراج حائط البراق الذي يسميه اليهود "حائط المبكى" من سلطة دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، رغم أن حائط البراق هو أثر عربي إسلامي. وقام تيدي كولك، رئيس بلدية القدس السابق، يوم 11 نيسان/ أبريل 1989، بزيارة للأقصى رافقته فيها عضو الكنيست جيئولا كوهين، ومعهما عشرات المتطرفين اليهود. وبتاريخ 23 نيسان/ أبريل 1989، عادت كوهين مرة أخرى إلى الأقصى في زيارة استفزازية جديدة يرافقها فيها عضو الكنيست ميخائيل إيتان.

وتقوم الشرطة الإسرائيلية في كل مرة بتوفير الحماية وتسهيل دخول المتطرفين اليهود إلى الأقصى بشكل دائم. وفي كثير من الأحيان تتدخل ما يُسمى "محكمة العدل العليا الإسرائيلية"، بطلب من الحركات اليمينية، فأوقفت عمليات الترميم داخل المسجد الأقصى.

هناك العديد من التنظيمات الإسرائيلية المتطرفة التي يؤمن أفرادها بضرورة تدمير المسجد الأقصى، وإقامة الهيكل الثالث مكانه، وأبرزها:

- أمناء جبل الهيكل، الذي أسسه المتطرف غرشون سلمون في عام 1967، وهدفه الأساس تدمير المسجد الأقصى، وإقامة الهيكل مكانه. ويحاول أتباعه يومياً دخول الأقصى والصلاة فيه.

- بناة الهيكل الثالث، أسسه المحامي باروخ بن يوسف، ويؤمن أتباعه بأن هناك معركة فاصلة تسبق بناء الهيكل بين اليهود والمسلمين يجب الإعداد لها من الآن، وأولى الخطوات الصلاة الجماعية في باحات المسجد الأقصى، ومن ثم المطالبة ببناء الهيكل. وينظم مع أتباعه اجتماعات سنوية، يؤكدون فيها أهدافهم. وقد حضر هذه الاجتماعات في نهاية عام 1997 قرابة ألف شخص، وهو عدد أكبر من السنوات السابقة.

- الحركة من أجل بناء الهيكل المقدس: أُسِّست في أواخر عام 1997، من عدة جماعات وأفراد متطرفين، تدعو إلى تدمير المسجد الأقصى وإقامة الهيكل الثالث مكانه.

- حركة كاخ العنصرية وكهانا حي(2)، ونشطاء قبر يوسف، وهذه من المنظمات التي عمل عدد من أعضائها عسكرياً من أجل تدمير المسجد الأقصى، وتدعو إلى القضاء على العرب وترحيلهم، وتدمير مقدساتهم.

- هناك تنظيمات وأفراد يهود آخرون، مثل الحاخام يسرائيل أريئيل، رئيس معهد الهيكل، والحاخام يوسف البويم، رئيس حركة إعداد الهيكل، وحركة زو أرتسيون (هذه بلادنا)، والبروفيسور هيلل فييس، أستاذ الأدب العبري في جامعة بار إيلان.

وتشير الدراسات الإسرائيلية إلى أن نسبة التعصب الديني في إسرائيل في تزايد، حيث إن دولة الاحتلال باتت تُحكم فعلا من قبل اليمين المتطرف.

وفي أيلول/ سبتمبر 1998، عقد مؤتمر في القدس حضره 20 ألف متطرف، من إسرائيل والعالم، أقسم المؤتمرون على تدمير الأقصى وإقامة الهيكل مكانه. ويُعَدّ هذا العدد كبيراً، نسبة إلى السنوات السابقة. وقد أصدر حاخامات المستوطنين فتوى طالبوا المستوطنين فيها بالحج إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه، وقد خطب المتطرف "غرشون سلمون" في المؤتمر، وقال: "إننا سنرفع راية إسرائيل فوق الحرم، لا صخرة ولا قبة، ولا مساجد، بل علم إسرائيل، فهذا واجب مفروض على جيلنا".

حائط البراق(3): هو جزء من الحائط الغربي للمسجد الأقصى، ويؤمن المسلمون بقدسيته؛ إذ يعتقد المسلمون أن الرسول محمد، عليه الصلاة والسلام، ربط فيه البراق، الذي أقلَّـه إلى السماء.

في شهر آب/ أغسطس 1929، أدخل اليهود أدوات عبادة خاصة بهم إلى حائط البراق، الأمر الذي أثار المسلمين، وحدثت مواجهات بين الطرفين، ما استدعى عصبة الأمم إلى إرسال لجنة تحقيق إلى المنطقة، استمعت إلى شهادات الطرفين، وأصدرت تقريرها في نهاية أيلول/ سبتمبر 1930، جاء فيه: "تعود ملكية الحائط الغربي إلى المسلمين وحدهم، ولهم وحدهم الحق العيني فيه، لأنه يؤلف جزءاً لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف، التي هي من أملاك الأوقاف الإسلامية".

وبعد الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس في عام 1967، سيطرت إسرائيل على حائط البراق، وعدّته مكاناً مقدساً لليهود الذين أخذوا يمارسون فيه شعائرهم الدينية، مخالفين بذلك الاتفاقيات السابقة، والوضع القائم، منذ مئات السنين.

ولم يتغير المشهد حيث أعادت المحكمة العليا قرارها بالسماح لليهود بزيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، معتبرة ذلك "حقاً طبيعياً" لهم. كما أصدرت في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2005، قراراً يسمح لجماعة "أمناء الهيكل" بالصلاة في المسجد الأقصى بين الساعة السابعة مساءً والتاسعة مساءً، حين يكون عدد المصلين المسلمين في الأقصى قليلاً.

وفي 22 أيار/ مايو 2022 أصدرت محكمة الصلح الإسرائيلية، حكما أولياً بالسماح للمستوطنين بأداء صلواتهم التلمودية بصوت عال، والقيام بما يشبه الركوع خلال اقتحاماتهم لباحات المسجد الأقصى. وبحسب قرار المحكمة الإسرائيلية، فإن صلاة المستوطنين بصوت عال والانحناء على الأرض داخل المسجد الأقصى أمر لا يمكن تجريمه أو اعتباره مخلا بالسلم المدني.

نخلص إلى القول بأن اعتداءات شرطة الاحتلال على المعتكفين هي جزء من خطة منهجية إسرائيلية متواصلة لتهويد القدس والمسجد الأقصى، وأن الأمر ليس مرتبطا بحكومة يمينية متطرفة فيها بن غفير وسموترتيش.
___________
(1) تقرير صادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عن أحداث أيلول/ سبتمبر 1996، أيار/ مايو 1996، www.pchrgaza.org
(2) في إثر مذبحة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل في 25 شباط/ فبراير 1994 على يد اليهودي المتطرف باروخ غولدشتاين حظرت الحكومة الإسرائيلية نشاط كل من جماعتي "كاخ" و"كاهانا حي". وهي وإن كانت قد حظرت إلا أنها تعمل بمسميات أخرى.
(3) ذلك أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم حين أُسري به من مكة المكرمة إلى بيت المقدس بواسطة البراق وقبل أن يؤدي الصلاة جماعة بالرسل والأنبياء، ربط البراق بالحائط المذكور، الذي أُطلق عليه فيما بعد حائط البراق، والذي يطلق عليه اليهود اسم حائط المبكى.
التعليقات (0)