كتاب عربي 21

لنعش الواقع.. ونبحث عن حكم عسكري رشيد

عبد الناصر سلامة
1300x600
1300x600
أراهم واهمين، أو قُل حالمين، أولئك الذين يراهنون على إزاحة الحكم العسكري عن مصر، واستبداله بحكم مدني ديمقراطي، يؤمن بتداول السلطة، يقتنع بوجود الرأي الآخر، يسلّم بحق التظاهر، يرسي قواعد المساواة بين كل فئات الشعب، إلى غير ذلك من عناوين براقة، أصبحنا لا نسمعها ولا نقرأ عنها في وسائل الإعلام المحلية، ولا حتى في كتب ومناهج التعليم -ولو من قبيل الاستهلاك المحلي-، ذلك أنها تصيب الأنظمة العسكرية عموما بحساسية بالغة، وتعدّها مساسا بأمنها واستقرارها، ومن ثم تمهد الطريق لإزاحتها من السلطة.

يجب أن نعترف بأن الطريق إلى الحكم المدني في الديكتاتوريات العميقة أو المتجذرة، مخضب بدماء لا أول لها ولا آخر، وهو أمر مرفوض شعبيا في الحالة المصرية، التي تتابع بأسى بالغ مجريات الأحداث السورية والعراقية والليبية والسودانية واليمنية، وترى فيها أمرا محزنا ومخزيا في آن واحد، وهي الأحداث التي تسلط عليها وسائل الإعلام المحلية الضوء طوال الوقت للتحذير والعبرة.

في الوقت نفسه، فإن أطروحة الحكم المدني على الجانب العسكري أمر غير مقبول، ولو لمجرد المناقشة، وهو الذي تحمّل وصبر على مضض، بالابتعاد المؤقت عن الحكم عاما واحدا (حزيران/ يونيو 2012- حزيران/ يونيو 2013) في أثناء حكم جماعة الإخوان، ولن يقبل تكرار التجربة مرة أخرى، وقد فعل الأفاعيل على مدى الأعوام الثمانية الماضية، لضمان عدم التكرار.
يجب أن نعترف بأن الطريق إلى الحكم المدني في الديكتاتوريات العميقة أو المتجذرة، مخضب بدماء لا أول لها ولا آخر، وهو أمر مرفوض شعبيا في الحالة المصرية، التي تتابع بأسى بالغ مجريات الأحداث السورية والعراقية والليبية والسودانية واليمنية، وترى فيها أمرا محزنا ومخزيا في آن واحد، وهي الأحداث التي تسلط عليها وسائل الإعلام المحلية الضوء

ويمكن الإشارة إلى كثير من الأدلة التي تؤكد ذلك، من بينها: العمل منذ اللحظة الأولى بعد الإطاحة بحكم الإخوان على التجذر في الحياة السياسية، من خلال إنشاء أحزاب كرتونية بقيادات عسكرية هيمنت على البرلمان بشقيه (النواب والشيوخ)، من خلال انتخابات كانت معلومة نتائجها مسبقا، أيضا العمل بوتيرة متسارعة على زيادة التجذر في الحياة الاقتصادية، من خلال السيطرة على الكثير من المشروعات الإنتاجية وغير الإنتاجية، ومن ثم عمليات التصدير والاستيراد، وسوق المال والأعمال، وذلك بصناعة رجال أعمال من العسكريين المتقاعدين، لم يستطيعوا أبدا ملء فراغ نظرائهم المدنيين.

ثم بموازاة ذلك، الهيمنة الرسمية على الشأن الإعلامي، وذلك بشراء والاستحواذ على وسائل الإعلام الخاصة -إلى جانب الحكومية بالطبع-، من صحافة وإذاعة وتلفزيون، والسيطرة على عمليات الإنتاج السينمائية والتليفزيونية من برامج ومسلسلات وأفلام وخلافه، والإصرار على استمرار هذه السياسات، على الرغم من الفشل الذريع الذي أصاب العملية الإعلامية ككل، نتيجة هذه السياسات التي تلتهم مليارات الجنيهات سنويا، وأصبحت مثار تندر القاصي والداني.

هناك بلا شك الكثير من الشواهد التي تؤكد أن عملية التجذر والتمكين في الحكم هذه، تم التخطيط لها بإتقان وعلى كل الأصعدة، بما يجعل من مجرد انسحاب العسكريين من المشهد في أي وقت، بمنزلة انتحار مالي واقتصادي، تنهار معه بنية المجتمع، وتتوقف معه عجلة الإنتاج، خاصة إذا علمنا أن الأمر الآن مرتبط بحركة المجتمع ككل، ومرتبط بإنتاج المخبوزات، ومحطات البترول، وإنتاج اللحوم والدواجن والخضروات، واستيراد الأدوية ومستلزماتها، وحركة الطرق، وإدارة السكك الحديدية، ووضع اليد على أراض شاسعة زراعية وصحراوية، وغير ذلك كثير، بموازاة اقتصاد جهاز المخابرات العامة، الذي لا يقل أهمية وتوسعا.
الكثير من الشواهد التي تؤكد أن عملية التجذر والتمكين في الحكم هذه، تم التخطيط لها بإتقان وعلى كل الأصعدة، بما يجعل من مجرد انسحاب العسكريين من المشهد في أي وقت، بمنزلة انتحار مالي واقتصادي، تنهار معه بنية المجتمع، وتتوقف معه عجلة الإنتاج، خاصة إذا علمنا أن الأمر الآن مرتبط بحركة المجتمع ككل

أذكر في عام 2012، في أثناء حكم المجلس العسكري، شاركتُ في ندوة دعت إليها القوات المسلحة، عرض خلالها اللواء مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية آنذاك، فيلما وثائقيا عن دور الجيش في الاقتصاد وعمليات الإنتاج عموما، من دواجن وبيض وخضروات وفاكهة وطرق وما شابه ذلك، مصحوبا بأرقام بالملايين والمليارات، بالجنيه المصري والدولار، ثم قال تعبيرا خطيرا كان لا بد من التوقف أمامه: "وسوف نقاتل إذا فكر أحد في الاقتراب من اقتصاد القوات المسلحة"!!

اكتشفتُ بعد ذلك أن هذه كانت رسالة الندوة، وهي أن هذا الاقتصاد لا علاقة له باقتصاد الدولة، كما حملت الرسالة تهديدا واضحا لمن يطالبون بدمج اقتصاد الجيش في الموازنة العامة، بأن الأمر خط أحمر ولو تطلب ذلك استخدام السلاح!! مع الوضع في الاعتبار أن هذه الواقعة كانت في توقيت لم تكن خلاله عملية الهيمنة والاستحواذ قد بلغت ذروتها كما هو الحال الآن، ولا عجب أن رأينا أحدهم فيما بعد يتحدث عن أن الجيش قد منح الدولة مبلغا كبيرا من المال يساعدها في الخروج من أزمتها الاقتصادية، وكأن الأمر يتعلق بعلاقة دولتين مختلفتين.

في هذا الصدد أيضا، نذكر هنا مدير الكلية الحربية، وهو يتحدث عن دفعة جديدة من الطلاب الجدد المقبولين بالكلية قائلا: هُم يعرفون تماما أنهم قادة المستقبل، يعرفون أنهم الوزراء والمحافظون والسفراء ورؤساء الجمهورية والمديرون، بما يشير إلى أن ذلك هو الهدف من تعليمهم وإعدادهم، ولم يذكر أنهم سوف يكونون ضباطا مثلا، على اعتبار أن هذه عملية مرحلية من وجهة نظره، وهو الأمر الذي يجب أن نتوقف أمامه طويلا، حتى لا نتوهم أن الأمر من السهولة تغييره، أو إعادة صياغته بمجرد مظاهرات هنا أو احتجاجات هناك.

بالتأكيد، نحن هنا لا نسلّم ولا ندعو إلى التسليم بأن الحكم العسكري يليق بوطن بحجم وتاريخ مصر، وذلك بعد الفشل الذريع الذي شهدته البلاد على كل الأصعدة على مدى 70 عاما هي عمر الحكم العسكري، إلا أننا نحاول التعامل مع الأمر الواقع بما يضمن سلامة البلاد والعباد، وحتى لا نجد أنفسنا أمام أتون مواجهات وانقسامات لا تحمد عقباها، وهو ما تأباه الشخصية المصرية بشكل عام، ويأباه الضمير الإنساني والوطني في كل الأحوال.

في الوقت نفسه، يجب أن نعترف بأن البديل المدني في مصر ليس جاهزا، ولم يكن أبدا جاهزا لاستلام السلطة، في وجود أيديولوجيات متفاوتة شكلا ومضمونا، يسود بينها الاختلاف البغيض أيضا شكلا وموضوعا، لا يؤمن أحدها بحق الآخر في الوجود، ولا يأمن بعضهم بعضا، بما يجعل من فكر الإقصاء حالة مشتركة بينهم جميعا، إقصاء يتوقعه الرأي العام ويعيه جيدا، بل لا يثق الرأي العام في معظمهم، جماعات كانوا أو أفرادا.
كل هذه العوامل مشتركة، تُحتم علينا القبول بالحكم العسكري، ولكن لنسعَ إلى البحث عن رجل عسكري رشيد، أو بتعبير أدق: عن "الحكم العسكري الرشيد" قدر الإمكان، الحكم العسكري الذي يؤمن بالتخصص كلٌّ في مجال عمله، يستمع إلى الآخر، أمرهم شورى بينهم

وقد تفاقمت هذه النظرة لدى رجل الشارع، بعد أن انكشف أمر أصحاب هذه الأيديولوجيات بوضوح خلال أعوام ما بعد 2011 و 2013، لتجعل من جماعة الإخوان (المحظورة حاليا) البديل الوحيد الذي يظل يطل برأسه ويفرض نفسه طوال الوقت، على الرغم من أن معظم أعضاء الجماعة إما في السجون، وإما خارج مصر، وهي الورقة التي يلوح بها إعلام السلطة العسكرية ليل نهار، لإثارة الفزع في أوساط المؤدلجين والطائفيين والمرجفين وغيرهم.

كل هذه العوامل مشتركة، تُحتم علينا القبول بالحكم العسكري، ولكن لنسعَ إلى البحث عن رجل عسكري رشيد، أو بتعبير أدق: عن "الحكم العسكري الرشيد" قدر الإمكان، الحكم العسكري الذي يؤمن بالتخصص كلٌّ في مجال عمله، يستمع إلى الآخر، أمرهم شورى بينهم، يؤمن بدراسات الجدوى، يدرك أهمية التعليم، أهمية المنظومة الصحية، أهمية بناء الإنسان، أهمية الثروة البشرية عموما، يعي فقه الأولويات، يستعين بأهل الخبرة، يدع الإفتاء لأهل الإفتاء، السياسة لأهل السياسة، الاقتصاد لأهل الاقتصاد، في هذه الحالة سوف يحصل القائد الرئيس العسكري، من الشعب على تعظيم سلام كل صباح ومساء عن طيب خاطر، وليس بقوة السلاح، أو التلويح بالمعتقلات وبناء مزيد من السجون.

في هذه الحالة فقط، قد نتجاوز ذلك النفق المظلم، الذي لاح في الأفق بوضوح.
التعليقات (7)
أبو احمد
الأحد، 23-10-2022 05:38 ص
أقسم بالله يا استاذ عبد الناصر إنك حقا لطبيب الفلاسفة هو ده الخلاصة بارك الله فيك واعانك ونصرك على من يعاديك . هذا وصف للمرض الذي ابتلانا به الله كان البلاء من قبل هو الاحتلال الأجنبي والآن الاحتلال العسكري والفرق بينهما الوحيد كالفرق بين الورم الحميد و الورم الخبيث... الورم الحميد واضح وضوح الشمس للجهاز المناعي زي الأجنبي..... أما هذا الورم الخبيث منا وكمان يا دكتور عبدالناصر زي ما قلت نحن في مرحلة متأخرة منه..... فمصر العظيمة الطيبة محتاجه إلى جراح عظيم خبير قادر على تخليصها من هذا المرض الخبيث..... الحمد لله بعد ثورة يناير بدأ الجهاز المناعي يشتغل ويارب يوفق القائمين على تنشيطه حتى زوال هؤلاء الخونة....
محمد طاهر
السبت، 22-10-2022 02:12 م
إلعب غيرها!
خريطة جمع الشمل
السبت، 22-10-2022 11:25 ص
الحل الوحيد هو: عودة دولة من المحيط الى الخليج التي تتكون من ثلاث أقاليم، إقليم الحجاز وعاصمته الرياض، إقليم الشام وعاصمته القدس الشرقية، إقليم الشمال العربي الافريقي وعاصمته القاهرة. العاصمة السياسية الأبدية هي المدينة المنورة، العاصمة الاقتصادية هي السودان، العاصمة العلمية هي القاهرة، العاصمة الصناعية ولاية افريقية، العاصمة الثقافية هي بيروت، العاصمة العسكرية هي دمشق. الراسة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، ممنوع تسميتها بالأسماء التالية والى الابد: المملكة، السلطنة، الامارة، الخلافة، كما يمنع تفككها من جديد حتى ثلاثين في الآخرة. كل القصور الرأسية والوزارية ستتحول الى مؤسسات خيرية والى بيت مال الامة. والخريطة هي التي تظهرها قناة المستقلة باللون الاخضر.
مصري
الجمعة، 21-10-2022 01:59 م
استاذ سلامة ليس العسكر كيان عاقل او حتى يرقى لمرتبة المافيا لو قرات ملخصا لتاريخ هذا الكيان ستجد جمال يأكل زملاء مجلس قيادة الثورة و لم يتوقف جشعه و انانيته عند ذلك بل يدخل الجيش في حرب ثم يأمر قيادة الجيش بترك اسرائيل تدمر الجيش من مشاة غير مدرب بغير حماية جوية في سيناء و طائرات مرصوصة رصا ليتخلص من الجيش الذي كان سينقلب عليه الى السادات الذي يأمر الجيش في 73 بالخروج من حماية الصواريخ ليدمر جيش مصر ثم يسلمه لامريكا تسليم مفتاح تسليحا و تدريبا و رشوة سنوية قدرها 1300 مليون دولار ثم يكسر حصار اسرائيل بالتطبيع معها و تحدث ثم مبارك كنز اسرائيل الاستراتيجي الذي حبس الشاذلي قائد نصر اكتوبر بتهمة الخيانة و حافظ على تخلف مصر ثلاثين عاما كسيرة لا تهش و لا تنش ممنوع عليها زراعة قمحها الي السيسي غير قتله الاف المصريين فقد وافق على سد لم يوافق عليه المحتل الانجليزي و يسير في اتجاه خراب لا اصلاح بعده و انت عندك سامي عنان و احمد شفيق و قنصوه و كلهم عسكر لكن واضح ان اسرائيل اخترقت المخابرات العسكرية التي لها جاسوس في كل كتيبة ثم سيطرت على الجيش و ذلك سهل لها الانقلاب و السيطرة على مصر هذا بالاضافة للتاريخ الاسود الذي يكتب فيه مجلدات من فضائح قذرة هو امامنا كائن هلامي قاتل يعمل لصالح اسرائيل و قد تكون قد سمعت مقولة توفيق الحكيم عندما سألوه عن انسب مكان لاقامة تمثال لجمال عبدالناصر فقل تل ابيب لانها اكثر بلد استفادت منه في الواقع ليس جمال فقط من استفادت منه اسرائيل لكم كل من حكموا من ذلك الكيان الهلامي او العسكر كما تحب ان تسميه كيف استفادت اسرائيل استفادت اسرائيل بالحفاظ على مصر كسيرة متخلفة بالمقارنة حتى بأفريقيا لان مصر القوية خطر وجودي على اسرائيل و لقد قرات اليوم في جريدة زمان الاسرائيلية انها تنفست الصعداء بسقوط الاخوان و رجوع من تعودت على التعامل معهم بالنص و الصحيفة موجودة و ارجعوا اليها يا استاذ سلامة يا ليته كيان عاقل يحافظ على مصر حتى مثل الانجليز الذين رفضوا سد اثيوبيا و لكنه كيان هلامي خائن و الخيانة سبب اصلي لوجوده و السبب الثاني لابد ان يكون مصرا على تخريب مصر لانك لو سافرت خارج مصر ستجد بلاد اقل في الموارد و افضل من مصر بكثير لماذا مصر متخلفة كل هذا التخلف خلال اخر سبعين سنة و يزداد التخلف كلما بزدياد عمر انقلاب 1952 لان الخير الذي كان قبله يستهلك مع فساد الملك لكن يبدوا ان هؤلاء مصرين على التخريب بالاضافة للفساد يعني يا استاذ سلامة لا وجود للمصريين مع وجود هؤلاء الخونة انظر الى ليبيا التي من غير نيل عددها حوالي 6 مليون الان يعني مطلوب قتل 100 مليون مصري يعني هي معركة حياة او موت يا حياة المصريون او حياة الخونة مغتصبين حكم مصر ثم مقولة العسكر او الاخوان و كأنك تتكلم حزبين يتبادلان الحكم الاخوان لم يمنعوا احد ان يفوز في الانتخابات و يحكم ثم انها اعلنت انها لن تترشح انطلقوا يا علمانيين انطلقوا با لبراليون الحاكم هو موظف عند الشعب لعدد معين اربع سنوات قد يجدد لمرة واحدة و محكوم بقوانين لا يستطيع تغييرها و قد رأينا ليز رئيسة وزراء بريطانيا تستقيل و قبلها وزيرة الداخلية لان الكيان الصهيوني مغتصب حكم مصر بالسلاح لذلك لن يخضع للقانون و سيخضع فقط للسلاح الذي جاء به لذلك استاذنا اذا فكرت في اي خير مع هذا العسكر الخائن فهو اوهام هذا اغتصب بيتك و ارضك و وطنك بالسلاح و يتمتع به يبني قصور و يشتري طائرات بالمليارات فهل يتركها ..... ارجو ايصال هذه الكلمة للاستاذ سلامة
نظرة موضوعية صائبة
الجمعة، 21-10-2022 01:46 م
نظرة الأستاذ عبدالناصر هي نظرة موضوعية صائبة جديرة بالنظر وبأن توضع في الاعتبار من جانب الجميع، ومنطلقها هو القراءة الجيدة للواقع والأمل في التغيير الذي يُكتب له النجاح ويُتجنَّب معه العنف وسفك الدماء وانهيار الدولة أثناء التغيير.