كتاب عربي 21

لماذا لم يسافر السيسي؟!

سليم عزوز
السوشيال ميديا - مقالات-اشخاص-Recovered-Recovered-Recovered
السوشيال ميديا - مقالات-اشخاص-Recovered-Recovered-Recovered
إذا كنت من الذين يبحثون عما يدغدغ مشاعرهم الجياشة، فأرجو الاكتفاء بهذا القدر، والانصراف غير مستأنس لحديث، فلا يحسب حضورك إضافة وهمية لعدد قراء هذه السطور، ولا أكون قد استخدمت العنوان لجذب "الزبون" بالغش والتدليس، وأنا أدرك أن الجائع يحلم بسوق الخبز!

نقولها في مصر "الجعان يحلم بسوق العيش"، وقد اهتديت مبكراً إلى جعلها قابلة للقراءة للقارئ العربي، الذي لا يعرف أن "العيش" في الثقافة المصرية هو "الخبز"، ولهذا رفعت الثورة المصرية شعار "عيش، حرية، عدالة اجتماعية". ولم يكن المقصود هنا الـ"عيش" المشتق من "المعيشة"، ولكنه يهدف الى توفير الخبز للناس، صالحاً للأكل، وبما يتناسب مع قدراتهم المالية.

ولهذا كان طبيعياً عندما جاء حكم الثورة المضادة، أن يلف ويدور من أجل رفع الدعم عن "العيش"، وتراجع السيسي بعد أن أعلن أنه سيفعل، وإن كان التدخل كان في وزن الرغيف، وفي تقليل نسبة المستفيدين من الدعم، فقد انتهى هذا الزمان الذي كان لا يلقي فيه بالاً للناس ورد فعلهم. ولهذا شاهدنا خلال السنوات الثلاث الماضية، وبعد أن حفز الشرطة على هدم ما وصفه بالمنازل المخالفة، بنزول الجيش، تراجع عند أول مواجهة جرت بين قوات التنفيذ للهدم، وبين بعض الشباب في محافظة الإسكندرية، واستسلم لفكرة التأجيل، وما كان ليفعل في الماضي. وهو تحول مهم، و"أعمى من لا يرى من الغربال"!

وهذه أيضاً صياغة خاصة بي للمثل المصري شديد الركاكة إذا كتب، وإن لم يكن كهذا في النطق: "اللي ما يشوفش من الغربال أعمى". وبينما أقرأ ذكريات مصطفى أمين في السجن، وجدته استخدم المثل المصري كما هو "الجعان يحلم بسوق العيش". وأدرك بطبيعة الحال أن الفضل يرجع للدراما المصرية، في زمن تفوقها، في الوصول بالعامية المصرية إلى كل العالم العربي، فصارت مفرداتها معروفة لغير المصريين، وليسوا بحاجة لبذل جهد مثلي في إعادة الصياغة ليفهموها، ربما لأن كاتبنا الكبير كان في مرحلة التفوق، بينما أعيش أنا في حالة التراجع الكبير لمصر؛ الدور، والمكانة، والدراما!
انتهى هذا الزمان الذي كان لا يلقي فيه بالاً للناس ورد فعلهم. ولهذا شاهدنا خلال السنوات الثلاث الماضية، وبعد أن حفز الشرطة على هدم ما وصفه بالمنازل المخالفة، بنزول الجيش، تراجع عند أول مواجهة جرت بين قوات التنفيذ للهدم، وبين بعض الشباب في محافظة الإسكندرية، واستسلم لفكرة التأجيل، وما كان ليفعل في الماضي

أزمة المكتب المصري الحديث:

وعلى ذكر مذكرات مصطفى أمين في السجن، فقد قرأت في الأسبوع الماضي ثلاثة كتب منها، من سنة أولى إلى السنة الثالثة، ومن حسن حظي أني وجدتها على الإنترنت فكان من السهل تحميلها، في حين لم تتم إعادة نشرها كاملة. ولم تكن سوى "سنة أولى سجن" التي نشرت عبر الكتاب الدوري الذي كان يصدر من أخبار اليوم، فقد نشرت الأجزاء الأخرى عبر الناشر (المكتب المصري الحديث)، وإذ دخلت على الرابط الخاص به على الإنترنت، فلم أجد على النار هدى. ومن الواضح أن هذه الدار العريقة في النشر، قد خسرت كثيراً بوفاة مؤسسها المهندس أحمد يحيي، وعندما كلفت قبل سنوات من يشتري لي مذكرات عبد اللطيف البغدادي، أحد الضباط الأحرار، وكتابي جلال الحمامصي "حوار حول الأسوار"، و"أسوار حول الحوار"، قال لي إنها النسخة الأخيرة، لذا فقد قبلت كتابي الحمامصي على العلة، حيث الأغلفة وقد تمضمض عليها الزمان واستنشق!

لم يسد المهندس ماجد أحمد يحيى الفراغ الذي تركه أبوه في "المكتب المصري الحديث"، وليس هذا موضوعنا، فاستدعاء مصطفى أمين للمثل الشائع "الجعان يحلم بسوق العيش"، كان وصفاً لحالة السجناء معه، والذين كانوا يفسرون كل حدث، وكل حكاية على أنها تعني قرب الإفراج عنهم. والأمر يسري علينا هذه الأيام، سواء من منا داخل السجن، أو في خارجه. ولهذا فان الفيديوهات الخاصة بقرب رحيل السيسي تجد أعداداً كبيرة من المتابعين، الذين يحلمون بسوق الخبز، والذين هم لذلك يسبغون حمايتهم على هؤلاء "المؤلفين"، ولديهم استعداد لأن يرشوا بالنار من يرشهم بالماء، أو يفند ما يقولون!

وعندما نكون قد وصلنا إلى هذه السطور، بعد هذه المقدمة الطويلة، يكون الجوعى الذين يحلمون بسوق الخبز قد غادروا المقال، ليمكننا مناقشة موضوعه دون التأثر بالمؤثرات الجانبية!

سر الغياب:

هناك سؤال جاد يطرحه أناس ربما لا يعانون الجوع، ومن هنا لا يحلمون بسوق العيش، عن سر تغيب السيسي عن حضور دورة الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي انعقدت في الفترة 20-26 أيلول/ سبتمبر الجاري. والبعض يطرح أيضاً سر غيابه عن حضور جنازة ملكة بريطانيا، حيث أرسل وزير خارجيته إلى نيويورك لتمثيله في الجمعية العامة، وأرسل رئيس الوزراء إلى لندن لتقديم واجب العزاء والمشاركة في تشييع الملكة إلى مثواها الأخير!
سؤال جاد يطرحه أناس ربما لا يعانون الجوع، ومن هنا لا يحلمون بسوق العيش، عن سر تغيب السيسي عن حضور دورة الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي انعقدت في الفترة 20-26 أيلول/ سبتمبر الجاري. والبعض يطرح أيضاً سر غيابه عن حضور جنازة ملكة بريطانيا

السيسي بطبيعته يحرص على تسجيل حضوره في أي منتدى خارجي، فليس هو من نوعية الحكام العرب قليلي السفر، مثل الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، فهو يعتبر حضوره الخارجي دليلاً له قبل غيره بأنه ترقى وظيفياً الى رتبة الرئيس، وهو أمر يستكمل به شرعيته، تماما كما يعتبر حضوره داخلياً وبشكل يومي وبافتعال المناسبة على أنه تأكيد بأنه الرئيس، وهي حالة نفسية يمكن لمثلي أن يتفهمها!

ففي النزاعات الكثيرة التي كانت تحدث داخل كثير من الأحزاب السياسية في مصر على رئاستها، ليظل الصراع لسنوات بدون حسم، كان البعض يرى توقيعه على ورقة، أو حضوره في منتدى، أو صلاته في القداس وذكر البابا اسمه متبوعاً بصفته الحزبية، شرعية ترضي شيئاً ما داخله!

ومع الحضور اليومي، بمناسبة مفتعلة أو بدون مناسبة، كان تنبيهي له إلى خطورة ذلك، لأنه قد يمرض، وهو بشر، أو قد يجد نفسه ليس في حالة نفسية جيدة، وهو أيضاً بشر، فيطرح غيابه الأسئلة، ويصبح مطلوباً منه الظهور العلني للرد، لأنه يكلف نفسه من أمرها رهقاً. وهو يبدو سعيداً بهذه الترقية الوظيفية فلا يمل من الظهور، لكن رويداً رويداً بدأ الناس يتعودون على غيابه، وعندما يطول الغياب يسألون، فيظهر بدون مناسبة، كأن يتفقد رصف طريق، أو إنشاء كوبري، وهي من الأمور التي يقوم بها رئيس حي، أو رئيس هيئة الطرق والكباري، في حدود وكيل وزارة!

وإذا كان الغياب يحدث داخلياً، فإنه في الخارج لا يزال حريصاً على إثبات الحضور، لذا فقد أثار عدم سفره إلى لندن وإلى نيويورك سؤال السائلين: لماذا تغيّب على غير عادته؟!

كان ردي الجاهز لعدم سفره إلى لندن، هو الخوف من الزحام، وعدم وجود ترتيبات أمنية تليق بشخص يتملكه الهاجس الأمني، حتى وإن كان من الطبيعي في المملكة المتحدة أن تقوم بإجراءات أمنية كبيرة لحماية الوفود الضخمة من زعماء وقادة العالم، لكن مثل هذه الإجراءات قد يستسلم لها غيره، لكنه قلق أكثر من اللازم في كثير من الأوقات، ولأنه يعتقد في الأحلام والرؤى، فان أحلامه تحمل ما يبهجه وما يغمه في نفس الوقت. ولا تنس أن من يتم تقديمها على أنها "عرافة" في برنامج عمرو أديب، حذرت من نهاية هذا العام، وكذب المنجمون ولو صدقوا، ولعل هذا ما يجعل عمرو أديب نفسه يبدو في برنامجه كما لو كان يصلي صلاة مودع، ويقدم لنفسه!
إذا كان الغائب عن الجنازة "حجته معه"، وتتمثل هذه "الحجة"، أو "المبرر"، في "الهاجس الأمني"، فقد كان الغياب عن اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة، هو ما جعل من "حجته" هذه أو "مبرره" هذا ليس مقبولاً، وهو الذي حرص على السفر في ظل أوضاع قلقة

مبرره معه:

وإذا كان الغائب عن الجنازة "حجته معه"، وتتمثل هذه "الحجة"، أو "المبرر"، في "الهاجس الأمني"، فقد كان الغياب عن اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة، هو ما جعل من "حجته" هذه أو "مبرره" هذا ليس مقبولاً، وهو الذي حرص على السفر في ظل أوضاع قلقة. وفي مثل هذه الأيام، عندما دعا الفنان ورجل الأعمال محمد علي لثورة شعبيته، وعندما عاد وتحدث عن الموضوع وعن القصور، أكد هو بلسانه عن شيوع حالة القلق في كل الذين من حوله!

فما الذي منعه من السفر هذه المرة، وليست هناك دعوة لثورة أو انتفاضة؟ واللافت أنه وإن كان قد أرسل وفداً ينوب عنه برئاسة وزير الخارجية، فلم تسير الأمور سيراً طبيعياً بأن يلقي الوزير كلمته، ولكنه حرص على إذاعة كلمة مسجلة له، قال فيها "إن ظروفاً طارئة" حالت دون وجوده معهم.. فما هي هذه الظروف؟!

خلال هذه الفترة لم نر له نشاطاً ظاهراً يمكن أن يمثل "ظروفاً طارئة"، غير أنه التقطت له صورة مع وزراء الإعلام الأفارقة الذين يزرون مصر، وحتى مقابلته لرئيس السودان المرتقب عبد الفتاح البرهان، كانت عقب عودة الأخير من الأمم المتحدة، فحتى البرهان كان في الأمم المتحدة!

وإذا كان هناك من قالوا لأنه لم يحصل على موافقة الرئيس الأمريكي بلقائه، فهذه ليست المرة الأولى التي ترفض فيها الإدارة الأمريكية تحقيق رغبته بإتمام هذا اللقاء، الذي يعد مطلباً من السيسي صعب المنال، فحتى الاتصال التليفوني من جانبه كان لتكليفه بمهمة التفاوض مع حركة حماس، حيث تأثيره من أنه "عسكري درك" للمعبر!

هل تورط السيسي في اتصالات مع بوتين، وهو أمر لا يغتفر من جانب الإدارة الأمريكية الجديدة، التي قررت أن تطوي صفحته (بوتين) ولو كان الثمن هو تسوية كامل التراب الأوكراني بالأرض؟!
لأن السيسي هو رجل عناوين، لا متون، فهو ربما استشعر في وقت من الأوقات أنه يمكنه المناورة، لحمل الولايات المتحدة الأمريكية على تبنيه، وتصور أنه عبد الناصر الذي يمكنه أن يتجه شرقاً، فاته أن روسيا الآن ليست الاتحاد السوفييتي، فضلاً عن أن العلاقة المصرية السوفييتية لم تمنع من وقوع هزيمة 1967

الحقيقة، لأن السيسي هو رجل عناوين، لا متون، فهو ربما استشعر في وقت من الأوقات أنه يمكنه المناورة، لحمل الولايات المتحدة الأمريكية على تبنيه، وتصور أنه عبد الناصر الذي يمكنه أن يتجه شرقاً، فاته أن روسيا الآن ليست الاتحاد السوفييتي، فضلاً عن أن العلاقة المصرية السوفييتية لم تمنع من وقوع هزيمة 1967، وتنكر الروس للمساعدة مهما كان الثمن، الأمر الذي جعل السادات يطوي هذه الصفحة سريعاً. وفضلا عن هذا فقد بدا أنه يريد التقارب مع كوريا الشمالية، لكن التجربة لم يسمح لها بأن تكتمل!

ومهما يكن الأمر، فالأمريكان يتعاملون في كثير من الأحيان بلغة ناعمة، فيبدون كمن تخضع بالقول ليطمع الذي في قلبه مرض. وفترة ترامب تغري بعدم الاكتراث بالإشارات الأمريكية، وقد جرى تجاهلها تماما فيما يختص بملف حقوق الإنسان!

والأمريكان لا يتحركون بغضب إلا إذا مُس كبرياؤهم، كما فعل تنظيم القاعدة، وكما فعل صدام حسين، وغير هذا فكل الأمور قابلة للحوار والنقاش، بل وعدم الاهتمام بما يصدر منهم من نصائح!

حقيقة الانقلاب:

لا يمكن أن نساير الذين يرددون نغمة أن أجهزة داخل الدولة المصرية يمكن أن تمثل خطراً على الحاكم، أو أنها تخطط لشيء ما، إلى آخر هذه "الخزعبلات" التي يحفل بها يوتيوب، وتعد من ضمن الاستخدامات السيئة لوسائل التواصل الحديثة!
الرئيس في بلد مثل مصر عنده سلطة "نزع الصفة"، وليس فقط العزل بمعناه القانوني.. من الأخير، لا أحد رأسه برأس الرئيس ولا أبو غزالة بالنسبة لمبارك!

فمنذ أزمة عبد الناصر والمشير عامر، وقد انتهت هذه الثنائية التي انتصر فيها الرئيس بطبيعة الحال، وتخلص تماماً من المشير ورجاله الذين يسيطرون على الجيش، بعدها استتب الأمر لعبد الناصر والسادات ومبارك. والبعض يصور السيسي أنه يحكم بالإنابة أو بالنيابة أو بتكليف، وهذا ليس صحيحاً، وقيمة العسكري في موقعه، فإذا خسره انتهى تأثيره. وتجربة الفريق محمد فوزي، وزير الحربية، خير دليل على ذلك، فلا ننسى أن الرجل وُضع في السجن، بدون تمرد عسكري واحد!

وفي مصر والسودان، وفي عموم الدول العربية التي يمكن للجيش أن يكون فيها سلطة حكم، لا تسبق قيادة الجيش حركة الشارع. وكان يمكن لمبارك أن يحكم وأن يورث الحكم لنجله لولا ثورة يناير، وكان يمكن للبشير أن يحكم الى الآن لولا ثورة شعب السودان، وما كان يمكن لسوار الذهب أن يخذل جعفر النميري لولا ثورة الجماهير! فالرئيس في بلد مثل مصر عنده سلطة "نزع الصفة"، وليس فقط العزل بمعناه القانوني.. من الأخير، لا أحد رأسه برأس الرئيس ولا أبو غزالة بالنسبة لمبارك!

عندما قرأت مقالات هيكل عن الحكم في عهد عبد الناصر عن طريق تحضير العفاريت، وعندما علمت أن "عرافة" قالت لمبارك إن العد التنازلي لحكمه إذا اختار نائباً، فخضع لنصيحتها ثلاثين عاماً، وعندما سمعت عن كيف أن رجالات الحكم الكبار كانوا يجلسون عند قدمي أحد شيوخ التصوف بمحافظة الشرقية، وعندما أرى الآن أن عمرو أديب يتصرف على أنه في لحظة الغرغرة لمجرد كلمتين قالتهما "عرافته"، أدرك أن كثيرا من الأمور في عالمنا لا يمكن إحالتها للمنطق!

آسف لمن تورط للقراءة للآخر من الجوعى الذين يحلمون بسوق الخبز، فقد قلت منذ البداية إنني لن أدغدغ مشاعرهم الجياشة!

قديماً قال الإغريق: قد أعذر من أنذر!

twitter.com/selimazouz1
النقاش (4)
محمد أبوبكر
الأحد، 23-10-2022 04:19 م
مقال أكثر من رائع.. إسلوب صعيدي شحط محط رصين قوي ودقيق
خالد حجاب
الثلاثاء، 04-10-2022 04:00 ص
استاذي العزيز سليم عزوز انا لست ممن يحلمون بسوق العيش ولكني بجد عندما انام بدون عشاء مش بس احلم بسوق العيش انا احلم اني أكل من افخم محل فيه لاكن والله اعلم الوضع مطول
أتفق معك في كل ما قلته!
الإثنين، 03-10-2022 04:38 م
لست بحاجة إلى الدخول في التفاصيل ولكنني فقط أقول إنني اتفق معك تمامًا في كل ما قلته.
عبدالله
الإثنين، 03-10-2022 04:03 م
هذا المثل قالته العرب