أفكَار

هل فشل خيار القوة في إقامة "الخلافة" بعد انهيار تجربة داعش؟

بعد أن أقام تنظيم الدولة "خلافته" بالقوة بدأ بالتراجع والانحسار- أرشيفية
تتطلع اتجاهات وأحزاب إسلامية إلى إقامة "الدولة الإسلامية" عبر خيار القوة، بتقويض أركان النظام السياسي القائم في دولة ما، وإقامة نموذج الحكم "الإسلامي" بحسب رؤيتها وتصوراتها. 

لكن دعاة إقامة الدولة الإسلامية، إن قدر لهم النجاح في الوصول إلى السلطة باستخدام القوة، وفرض وجودهم كأمر واقع، سيفاجؤون بحجم المعوقات والعقبات التي تعترض بقاءهم في الحكم وفقا لباحثين ومحللين.

وفي هذا السياق تحضر تجربة تنظيم الدولة بقوة، فبعد أن تمكن التنظيم من بسط نفوذه على رقعة جغرافية واسعة من الأراضي العراقية والسورية، وأقام "خلافته" عليها، بدأ وجوده ينحسر عن مساحات واسعة من تلك الأراضي التي سيطر عليها، ما يعني أن دولة التنظيم في طريقها إلى التفكك والانحسار خلافا لشعاره الأثير لديه "باقية وتتمدد". 

لماذا تفككت "خلافة" تنظيم الدولة سريعا؟ وكيف تقرأ الاتجاهات الإسلامية التي تسعى لإقامة الحكم الإسلامي بالقوة تجربة التنظيم في الحكم؟ وهل بات خيار القوة في الوصول إلى الحكم خيارا فاشلا؟ وكيف ستتمكن تلك الاتجاهات من حماية مشروعها في حال تمكنها من السلطة بالقوة من سهام الاستهداف المحلي والإقليمي والدولي؟

تجربة "التنظيم" لا تعني فشل خيار القوة

يرى المنظر الجهادي، أبو محمد المقدسي أن "تجربة تنظيم الدولة لا تعني الحكم على خيار إقامة الدولة الإسلامية بالقوة فاشلا.. لكنها تحكم بالفشل على سياسة هذه الجماعة في إقامتها للدولة واستمراريتها". 

ولخص المقدسي سياسة "جماعة الدولة" بحديث النبي صلى الله عليه وسلم "شر الرعاء الحطمة"، لأنهم كانوا "إقصائيين استئصاليين لكل من يخالفهم، ولم يكن في أجندتهم تحييد بعض الخصوم أو مهادنتهم فضلا عن التحالف معهم، فقد كان توسعهم وجرأتهم في تنزيل أحكام الردة تمنع من هذا". 

وأضاف المقدسي: "إضافة إلى هذا فقد توسعوا في استعداء العالم بالأعمال التفجيرية وغيرها في أنحاء العالم دون تمييز بين ما هو ممر لهم كتركيا أو خزان لأنصارهم أو نحوه، بل عيّروا من يعمل بهذه السياسة واتهموه وطعنوا به لأجلها كالطالبان ونحوهم".

وأرجع المقدسي فشل نموذج "جماعة الدولة" إلى طبيعة العقلية الموجهة لسياساته وممارساته، والتي دفعت التنظيم للتفاخر بتكثير الأعداء، ولو بكسب أيديهم والذي يعتبرونه من علامات صدق دولتهم. 

وتساءل المقدسي: "كيف يمكن لمثل هذه السياسة والعقلية أن تحافظ على دولة أقامتها؟ وكيف ستقدر على استيعاب رعاياها من غير المسلمين (كما هو المفروض في الدولة الإسلامية)، مع عدم قدرتها على استيعاب أقرب الناس إليها من الجماعات الجهادية؟".

ووفقا للمقدسي فإن "إقامة الدولة الإسلامية ابتداء في مثل هذا الواقع الذي يحارب فكرة الدولة الإسلامية بعد عقود من هيمنة الغرب ووكلائهم على البلاد والعباد، وغسيلهم لعقول أبناء المسلمين لن يتأتى إلا بالتغلب والقوة المكسوة بالحكمة والعقل والسياسة الشرعية التي تفتقدها تجربة تنظيم الدولة (داعش)".

القوة ليست سبيلا لإقامة الدولة الإسلامية

عُرف حزب التحرير الإسلامي بدعوته المكثفة لإقامة دولة الخلافة، فما هو رأي الحزب في إقامتها عبر خيار القوة؟

لا يرى حزب التحرير مشروعية استعمال القوة لإقامة "دولة الخلافة الإسلامية"، لأنه متقيد بالطريقة التي سار عليها النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقام الدولة في المدينة المنورة، وهي الكيفية الوحيدة التي وردت في النصوص الشرعية لإقامة الخلافة، طبقا لرئيس المكتب الإعلامي للحزب في الأردن، ممدوح قطيشات.

وأوضح قطيشات لـ"عربي21" أن الإسلام جعل طريق أخذ السلطة طريقا واحدا فقط، وهو عن طريق الأمة صاحبة السلطان شرعا، فهي تعطيه لمن تشاء بالرضا والاختيار، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يأخذ السلطة في المدينة المنورة إلا من أهلها برضاهم واختيارهم. 

وأضاف: "لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يبحث عمن ينصره، وظهر من اتصاله بالقبائل أنه يبحث عمن يملك سلطانا مستقرا، وقوة ذاتية كافية لحماية الدولة".

وحاصل الأمر ـ طبقا لقراءة الحزب ـ "أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبحث عن توفر أمرين فيمن يطلب منهم النصرة، الأول: سلطان ذاتي مستقر، والثاني: قوة كافية لحماية الدعوة، وهو ما يجتهد الحزب في القيام به حسب رئيس مكتبه الإعلامي في الأردن قطيشات. 

وجوابا عن سؤال: كيف سيحمي دعاة الخلافة مشروعهم من سهام الاستهداف المحلي والإقليمي والدولي؟ قال قطيشات: "قيام دولة الخلافة من خلال كون السلطة للأمة، صاحبة القوة هو الذي يجعل الدولة دولة للأمة كلها، وليست دولة لحزب، أو تنظيم أو طائفة أو مذهب، وهذا وحده كفيل بحماية الدولة بقوة أبنائها" على حد قوله.

خيار القوة: تداعياته ومآلاته 

من جانبه رأى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية الأردنية، الدكتور جمال الشلبي أن لجوء بعض الحركات والجماعات الإسلامية إلى استخدام القوة لإقامة الدولة الإسلامية غالبا ما يفضي إلى الفشل في ظل موازين القوى القائمة إقليميا ودوليا.

وتابع الشلبي في حديثه لـ"عربي21": "وعلى ضوء تجربة تنظيم الدولة، فإن على الحركات الإسلامية أخذ العبرة والدروس بأن أي توجه لإقامة الدولة بالقوة دون توافقات وتفاهمات دولية، وفي الوقت نفسه التحلي بالمرونة للتكيف مع الأعراف والقوانين الدولية السائدة محكوم بالفشل.

ولفت الشلبي إلى أن "الدولة الإسلامية" المزمع إقامتها لن تعيش في بيئة معزولة عن العالم، فشروط قيامها وديمومتها يتطلب تقديم تنازلات حقيقية للتكيف مع المعادلات السياسية القائمة إقليميا ودوليا، والتصلب على أيديولوجيات معينة سيفضي إلى الصدام مع القوى الإقليمية والدولية المختلفة.

وأكد الشلبي أن استخدام القوة في إقامة الدولة الإسلامية من غير امتلاك قدر كبير من المرونة السياسية، والتسلح برؤية واعية بطبيعة النظام الدولي، للانخراط في تفاهمات وتناغمات دولية، يصبح ضربا من ضروب الوهم والسراب، في ظل بيئة معادية لفكرة الدولة الإسلامية أصلا.

وردا على سؤال حول إمكانية استمرارية مشروع الدولة الإسلامية، في ظل أيديولوجية صلبة ترفض التكيف مع شروط النظام الدولي، وفي الوقت نفسه تتمرد عليه، وترفض الانصياع لقوانينه وأعرافه؛ اعتبر الشلبي أن تلك الإمكانية ضعيفة جدا إن لم تكن معدومة تماما.

ومن جانبه أشار الناشط السياسي التونسي، مصطفى البعزاوي إلى أن معالجة فشل الحركات الإسلامية أو نجاحها بالوصول إلى السلطة عبر خيار القوة العسكرية، ينبغي أن يأتي في سياق أوسع يتصدى لدراسة مدى نجاح الحركات العالمية بالوصول إلى السلطة باستخدام الحل العسكري.

وعلل البعزاوي في حديثه لـ"عربي21" رأيه بأن "إفراد الحالة الإسلامية باستعمال القوة للوصول إلى السلطة ينطوي على قدر كبير من الاختزال للتجارب البشرية، لافتا إلى أن الحالة الوحيدة ـ تقريبا ـ التي نجحت عبر خيار القوة هي تجربة فيدال كاسترو، وهو يعد استثناء لا يشكل قاعدةط، حسب رأيه.

ووفقا للبعزاوي فإن غالب التجارب العنفية الساعية للوصول إلى السلطة، لم يكتب لها النجاح، وفشلت في تحقيق ذلك، في غالب دول العالم، مرورا بكل تجارب الحركات الانفصالية داخل أوطانها، وهو ما ينطبق على الحركات الإسلامية بالضرورة.

يبقى السؤال المطروح: هل ستقلع الحركات والجماعات الإسلامية عن التفكير بخيار القوة للوصول إلى السلطة، على ضوء تجربة تنظيم الدولة الإسلامية، وباستحضار رفض المناخات الإقليمية والدولية لفكرة الدولة الإسلامية، والاستنفار الدائم لمواجهتها وإجهاضها، أم إن بعض تلك الاتجاهات ستبقى مصرة على سلوك خيار القوة مهما كانت نتائجه وتداعياته ومآلاته؟