الحوثيون

سياسة صالح في اللعب بالأوراق وأثرها في صعود قوة الحوثيين

في حرب الجيش اليمني مع الحوثيين كان صالح يزود الجماعة بالأسلحة - أرشيفية
تمثل الحركة الحوثية الصاعدة، موجةً حديثة من الزيدية السياسية، التي نمت وترعرعت تحت سمع ونظر السلطة وحظيت بدعم مقصود من الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، الذي استمرأ اللعب بالأوراق، وإقامة التوازنات الهشة، والتواصل مع المتناقضات كلها، في مغامرة سلطوية، كانت خاتمتها ثورة أطاحت به وورثت بلداً هشاً وممزقاً وموتوراً ومفتوحاً على حالة غير مسبوقة من الاستقطابات الطائفية والمناطقية، قبل أن يُطوى أثر هذه الثورة، بفعل مؤامرة نفذها أحد أطرافها (الحوثيون) بدعم من صالح وبتواطؤ السلطة الانتقالية والمجتمع الدولي.

ويمثل وصول الرئيس المخلوع إلى سدة السلطة فيما كان يعرف بالجمهورية العربية اليمنية، بداية عهد من السيطرة المطلقة للنخبة الزيدية على مقاليد الأمور، ويُعزى ذلك إلى العوامل التي ساهمت في بناء شخصيته العسكرية والسياسية، فقد وجد نفسه في منتصف الستينيات جزءاً من مؤسسة عسكرية يهيمن عليها ضباطٌ محترفون، ينتمي معظمهم إلى المحافظات الشافعية وبالأخص محافظة تعز، بالنظر إلى أن محيط صنعاء القبلي، كان يساند الإمامة، وقد كان هؤلاء الضباط يشرفون على جيش تشكّل من رحم ثورة 26 أيلول/سبتمبر 1962، وتحت إشراف القوات المسلحة المصرية التي كانت توجد في اليمن في مهمة شاقة وباهضة الثمن لإسناد الثورة التي أطاحت بنظام الإمامة الزيدية، وهو نظام كان يقوم على مبدأ حصر الإمامة وقيادة الأمة بالمنحدرين من البطنين، أي أولئك الذين ينحدرون من نسل علي وفاطمة رضوان الله عليهما.

أصبح صالح جزءاً من ضباط الجيش في سلاح المدرعات، دون أن يحصل على فرصة للتعليم، وقد دفعه ذلك إلى سلوك طرق ملتوية وغير مشرفة لإثبات ذاته، كان من بينها إذكاء نزعة الانتماء القبلي لديه، في مقابل الانتماء الوطني والسياسي، الذي يغلب على ضباط الجيش القادمين من جنوب اليمن الشمالي، والدخول في منافسة وصراع وجود مع ضباط أكثر احترافاً ووعياً منه، خصوصاً أنهم استطاعوا أن يقودوا معركة الدفاع عن صنعاء، بجدارة، قبل أن تتآلب عليهم المؤامرات ويتعرضوا لاستهداف مباشر من القوى الزيدية القبلية والعسكرية من قوى إقليمية، كانت حريصة على محاربة التيارات السياسية القومية واليسارية التي كانت توجد في صفوف النواة الحديثة للجيش اليمني.

وسيكون صالح قبل أن يصبح رئيساً وبعد أن أصبح رئيساً طرفاً مهماً في مهمة تصفية النخبة العسكرية الشافعية، وإغلاق المؤسسة العسكرية بشكل شبه كامل على اليمنيين من  غير المنتمين إلى المذهب الزيدي.

لكنْ صالح الذي وصل إلى السلطة بدعم من المملكة العربية السعودية، كان عليه أن يغض الطرف، بل ويمنح التسهيلات للنشاط السلفي، وأن يقيم تحالفاً مع الإخوان المسلمين الذين كانوا بدورهم حلفاء مع المملكة، دون أن يعني ذلك أن صالحاً كان سنياً، فقد كان مزدوج السلوك والطباع والمواقف في كل شيء تقريباً، تحركه نزعاته الانتهازية البحتة ومشروعه الخاص لاحتكار السلطة وتأبيدها وتوريثها، ولهذا استطاع أن يُوهم الجميع بأنه جزء من مشروعهم السياسي أو الطائفي أو المناطقي، وبقي شيءٌ ثابتٌ في شخصيته هو إصراره الدائم على انتمائه القبلي الزيدي، الذي يفسر السيطرة المطلقة للنخبة الزيدية العسكرية والفقهية والإدارية على مقاليد السلطة في البلاد في عهده المشؤوم الذي دام 33 عاماً.

 وبقاء مبدأ الانتماء القبلي والزيدي لدى صالح، كان يتأسس وعي انتهازي لديه بإمكانية السيطرة على النخبة الزيدية من عسكريين ووجهاء قبليين وعلماء، بتمكينهم وإغداق الأموال عليهم، في حين يصعب عليه فعل ذلك مع غيرهم، الذين كانوا يحملون مشاريع سياسية ووطنية طموحة، ويرتبطون بتوجهات أيديولوجية بعضها إقليمي وبعضها دولي.

كان تحالفه مع الإخوان المسلمين قوياً وقد زادت حاجته إلى هذا التحالف إبان الحروب الشطرية التي كانت تندلع بين الشطر الشمالي من اليمن (الجمهورية العربية اليمنية) والشطر الجنوبي (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، وزاد أيضاً بعد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في 22 أيار/مايو1990.
بل إنه وثق العلاقة مع السلفيين ودعمهم كثيراً، مقابل الدور السلبي الذي كانوا يقومون به في تغذية الوعي بأهمية طاعة ولي الأمر في الظروف كلها، وعدم جواز الخروج عليه، بل وكانوا يحرمون الانتخابات ويعتبرونها بدعة، وكان لذلك أثره في تحييد شريحة واسعة من الناس عن التأثير في الانتخابات لغير صالح الرئيس.

واستطاع صالح أن يُقيم علاقات قوية أيضاً مع السلفية الجهادية، وأن يدعم نشاطها في المحافظات الجنوبية، نظير قيامها بمهمة تصفية قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، شريكه في الوحدة اليمنية، وقد كان لهؤلاء إلى جانب الإخوان المسلمين دورٌ بارز في حرب صيف 1994، التي أطاحت بالحزب الاشتراكي اليمني وأخرجته من معادلة السلطة.

وما كان ذلك ليتحقق بالاعتماد على القوات المسلحة التي ينتمي معظمها إلى القبائل الزيدية، التي لها سجل مخزٍ من الإخفاقات في مواجهات القوات الجنوبية الأكثر انضباطاً واحترافاً وكفاءة. وقد رأينا كيف استطاعت وحدات من البحرية الإريتيرية الناشئة أن تسيطر على أرخبيل حنيش في البحر الأحمر عام 1995، إثر معركة سهلة مع حامية الأرخبيل وتمكنت من أسر الحامية ومعها قائد المحور العسكري الغربي الذي يتخذ من مدينة الحديدة مقراً له.    

كان النظام الإمامي في واقع الأمر يمثل الوجه الصارخ للزيدية السياسية، فإمامة المذهب ليست إمامة فقهية فحسب، بل إمامة سياسية لا يقوم أمر الأمة إلا بها، حتى إنه بعد قيام الثورة التي أطاحت بالإمامة، توقف أتباع المذهب في المناطق المحيطة بصنعاء عن دفع الزكاة وعن أداء صلاة الجمعة نظراً لغياب الإمام.

وبعد فشل الحرب التي قادها آخر الأئمة الزيدية لاستعادة السلطة، وانتهت بحصار دام (70) يوماً للعاصمة صنعاء عام 1967، دخلت الزيدية بقياداتها ومرجعياتها وخصوصاً الهاشمية منها مرحلة من السكون، اكتفوا خلالها بحراسة المذهب الزيدي كمرجعية فقهية، وبسيطرة شبه مطلقة على القضاء وعلى المؤسستين العسكرية والأمنية، وعلى الجهاز الإداري أيضاً، كان لها أثرها الكبير في إفراغ النظام الجمهوري من محتواه وفي تيئيس الناس منه، وفي تهيئة الأرضية لعودة الزيدية السياسية التي رأينا أقوى تجلياتها في القوة الصاعدة للحركة الحوثية (أنصار الله)، خصوصاً بعد أن تهيأت لها الفرصة بأن تدخل صنعاء في 21 أيلول/ سبتمبر 2014، بفضل التسهيلات والإسناد الكبيرين من الجيش والأمن اللذين يغلب عليهما العنصر القبلي الزيدي. وكان هذا الدخول المسرحي، خاتمة مطاف سيئة ومثيرة للشفقة، لأكثر من 55 من العهد الجمهوري، وتصفية متفق عليها، بين السلطة الانتقالية والمجتمع الإقليمي، لثورة الـ11 من فبراير 2011 التي أطاحت بالمخلوع صالح.

تشير الوثائق المتاحة إلى أن الرئيس المخلوع كان مطلعاً وراعياً لحركة الشباب المؤمن منذ تأسيسها، في أوائل التسعينيات، على يد مجموعة من الشباب الزيدي، أبرزهم الشاب محمد عزان، وشارك في تأسيسها أيضاً حسين بدر الدين الحوثي، قبل أن ينسلخ من هذه الحركة ويؤسس عام 2002، حركة الشعار في جبال مران بمحافظة صعدة في شمال غرب اليمن، ويربطها بشكل مباشر مع الشيعية السياسية الثورية الإيرانية ممثلة بولاية الفقيه، بكل ما تحمله من مضمون ينضح بالحقد الطائفي، وبالمواقف السلبية من الصحابة وأمهات المؤمنين.

 استمدت الحركة اسمها من الشعار الذي كان يرفعه حسين بدر الدين الحوثي وأتباعه وما يزالون: ( الله أكبر.. الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل.. اللعنة على اليهود.. النصر للإسلام)، وهو شعار يظهر بوضوح ارتباط حسين الحوثي بإيران وبالثورة الإيرانية. 

وقد تحولت هذه الحركة لاحقاً إلى (أنصار الله)، كحركة سياسية وعسكرية، مؤثرة في الساحة اليمنية، ازداد نفوذها وتمنت عسكرياً وسياسياً بفضل الدعم الذي قدمه صالح لهذه الحركة، خصوصاً بعد توقيعه اتفاق التنازل عن السلطة في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، بالرياض.

وعلى الرغم من أن صالح خاض مع حسين بدر الدين الحوثي وأتباعه ست حروب، انتهت الحرب الأولى بمصرع حسين الحوثي نفسه في 10 أيلول/ سبتمبر 2004، فإن صالحاً كان يخوض تلك المعارك، وهو أكثر حرصاً على سلامة العلاقة مع حاضنته الزيدية ورموزها وخصوصاً من الهاشميين.
تمثَّل ذلك في إبقاء العلاقة موصولة مع الحوثيين، ودعمهم مالياً وعسكرياً، وفي الإبقاء على ما اصطلح على تسميته بـ: "الكوتة الهاشمية الزيدية" في كل حكومة يتم تشكيلها، سواء كانت ائتلافية، أو مؤتمرية خالصة، نسبة إلى المؤتمر الشعبي العام الذي يتزعمه صالح.

وقد نُظر إلى الحروب الست التي خاضها صالح ضد الحوثيين، على أنها عملية مزدوجة، هدفت إلى تقليم أظافر الزيدية السياسية، التي يمثلها الحوثيون، وإضعاف بل والتخلص من الجيش التقليدي الذي كان يهيمن عليه حليفه وابن بلدته اللواء علي محسن صالح، قبل أن يتحول إلى عدو لدود ورأس حربة ضد نظام صالح، ويؤدي دوراً مهماً في الإطاحة به.

في الحروب الست، كان صالح يوجه ضربات قوية للجيش الذي لا يروق له ويتخلص من أكفأ ضباطه، وكاد يتخلص من قائد ذلك الجيش، خصمه اللدود، اللواء علي محسن، الذي نجا بأعجوبة من قصف للطيران السعودي على موقع القيادة حيث كان موجوداً، نتيجة تلقي الجانب السعودي إحداثيات مقصودة من الجانب اليمني.

 وكان في الوقت نفسه يزود الحوثيين بالأسلحة، ويضمن عدم هزيمتهم، بإنهاء المعارك كلما اقترب الجيش من الحسم؛ ولذلك لم نر الحوثيين يوماً يتجهون بالنقد للرئيس المخلوع صالح، بل انصب النقد كله على اللواء علي محسن، القائد الأكثر التزاماً بعدائه للزيدية السياسية.

لقد لخص صالح سياسة اللعب بالأوراق والمتناقضات، عندما وصف حال الذي يحكم اليمن، بالذي يرقص على رؤوس الثعابين، وعندما وصف حليفه التجمع اليمني للإصلاح بأنه كرت محروق وقد لعب به وانتهى الأمر. لقد دفع صالح ثمن هذه الإهانة كثيراً، حيث تبين لاحقاً أنه هو الذي احترق مادياً ومعنوياً، وقد كان الإصلاح طرفاً في إجباره على ترك السلطة، في حين يكاد الحوثيون اليوم أن يخرجوا صالحاً من المشهد السياسي نهائياً، وليكون صالح هو الوسيلة التي استخدموها لاستعادة إمامتهم المسلوبة، وهو العار السياسي الذي سيظل يلاحقه في حياته وموته.