قضايا وآراء

الحربُ على غزة.. المُنتصرون والمَهزومون والمتعاطفون والمُرجِفون والمَبخوسون!

تغض االدول الكبرى الطرف عن جرائم الاحتلال في غزة- الأناضول
لعله أطول عنوان كتبت تحته، مذ مارست الكتابة.. لكن الأمر يستحق هذا التفصيل؛ لأهميته ودلالته.. فنحن أمام حدث جلل، لم يعرف له التاريخ مثيلا؛ سبع قوى عظمى تتنادى لدعم دولة احتلال بالسلاح، بل وتشاركها مشاركة فعالة، ميدانيا، واستخباراتيا، وماليا، وإعلاميا، وسياسيا، ضد بضع آلاف من المقاومين، يصنعون أسلحتهم بأيديهم، تحت الأرض! إنها حرب عالمية من النوع الخسيس، المنحاز للباطل بلا حدود ولا قيود، ضرب مُسَعِّرُوها عرض الحائط بكل القوانين، والمواثيق، والمعاهدات، والقيم الإنسانية التي يقولون إنها مصانة بموجب كل ما سبق! فضلا عن أن هذه الأسفار كلها تقر بحق الشعب الواقع تحت الاحتلال في مقاومة المحتل، بكل الوسائل الممكنة..

المنتصرون..

أما المنتصرون فهم بالملايين، وإن اختلف إحساس كل منهم بطعم النصر.. وكيف لا وقد أقر بالهزيمة مخضرمو العدو من ساسة وعسكريين ومفكرين؟

كيف لا وأنا الذي عِشت عمري كله (تقريبا) أجواء الهزيمة، ولونها الأزرق القاتم الكالح الذي كسا زجاج النوافذ وأنوار السيارات لسنوات..

كيف لا وأنا الذي حُرمت من "حواديت" أخي الأكبر الماتعة التي كان يحكيها لي قبل النوم؛ لسفره إلى "الجبهة"، ليمكث فيها طوال سِنِيّ طفولتي (سبع سنوات كاملة)، ولم أكن أراه إلا نادرا، وقد تغيرت هيئته ورائحته، وضاق وقته، وزادت أعباؤه، وانشغل عني في أيام إجازاته القليلة..

وكيف لا، وأنا الذي اكتشفت (لاحقا) أن عبور 6 أكتوبر 73 "العظيم" كان نصرا بطعم الهزيمة! صحيح أن إخوتي الجنود عبروا مانعين حصينين متلاصقين، أحدهما مائي (قناة السويس)، والثاني رملي (خط بارليف)، غير أن معاهدة كامب ديفيد المشؤومة، جعلت من سيناء (ثلث مساحة بلادي) منزوعة السيادة والسلاح، إذ نصت المعاهدة على تقسيمها إلى أربع مناطق (أ، ب، ج، د) تبعا لنوع السلاح "المسموح به"، وعدد الجنود المصريين "المسموح لهم" بالتواجد فيها! هل هذه نتائج انتصار أم شروط هزيمة؟!

وكيف لا وعبور 7 أكتوبر 2023 (طوفان الأقصى) قد بدد هذه الحسرات القديمة والعميقة.. لقد كان عبورا مباغتا، نوعيا، ومهينا أيضا لهذا للعدو المتغطرس، إذ حقق كل أهدافه وأكثر، في سويعات.. وكتب بالخط العريض أولى هزائم العدو الصهيوني الحقيقية المذلة والمزلزلة، رغم تنادي سبع من أعتى دول العالم وأقواها؛ لترميم سمعة هذا الكيان الغاصب وإنقاذه من الزوال، وتحقيق شبه نصر على المقاومين في غزة، على مدى سبعة أشهر، وفشلوا فشلا ذريعا مدويا، فكانت الهزيمة "حزمة هزائم"، وليست واحدة، ولا اثنتين، ولا ثلاث!

المَهزومون..

ليس أول المهزومين هو الكيان الصهيوني، فهذا "كيان وظيفي" تم "تخليقه" بشحن الملايين من اليهود العلمانيين وغيرهم إلى أرض فلسطين؛ ليقيموا عليها أكبر قاعدة عسكرية متقدمة للغرب الإمبريالي في بلاد المسلمين، بذريعة "توراتية".. ومن ثم، فأول المهزومين هم أصحاب المصلحة في وجود هذا الكيان: أمريكا، بريطانيا التي كانت عظمى، فرنسا، إيطاليا، وألمانيا "المازوشية" التي تخضع خضوعا مريضا للإرادة الصهيونية، وأما ثاني المهزومين، فهُم الصهاينة العرب الذي بات التعريف بهم إضاعة لوقت القارئ الكريم!

لقد هرول زعماء هذه الدول "الكبرى" إلى فلسطين المحتلة؛ للشد من أزر مجرم الحرب نتنياهو، وحكومة حربه.. ووضعوا كل إمكاناتهم المادية، والعسكرية، والسياسية، والإعلامية، تحت تصرفه، وغضوا الطرف عن جرائمه المُرَوِّعَة، وبرروها أسخف وأوهى ما يكون التبرير، كلما حوصروا بالأسئلة الاستنكارية من وسائل الإعلام الباحثة عن الحقيقة!

أما المتصهينون العرب، فهُم أجبن من أن يفعلوا الشيء نفسه في العلن! غير أني على يقين بأنهم قدموا للكيان الصهيوني (سرا) أكبر مما كان يحلم نتنياهو ويتوقع!

المُتعاطفون..

أما أول المتعاطفين (مع غزة) فهي دولة قطر، وقيادتها، وجزيرتها، تعاطفا تفرضه كل الأعراف، والقيَم، وحمولة ناقلة عملاقة من الإصدارات الدولية التي لم تكفِ جميعها لإدانة إسرائيل في أي من هذه الجرائم التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني من عام 1948 وحتى الساعة!

لك أن تتخيل (عزيزي القارئ) ماذا لو لم تقف قطر هذا الموقف التاريخي المشرف بحق، رغم كل ما تعرضت وتتعرض وستتعرض له من ضغوط! إنه أكبر من أن يوصف بالموقف السياسي الجريء، أو الأخلاقي النبيل، أو الإنساني الرائع، أو كل ذلك.. وأعظم ما يميزه أنه مع الحق لا مع الباطل..

لن أتحدث عن استضافة قطر لقيادة "حماس" السياسية التي امتدت سنوات، ولن أخوض في دور "الوسيط المنحاز للحق الفلسطيني" الذي لعبته قطر، وأزعج الصهاينة والغرب أيما إزعاج.. لكني أثمِّن عاليا قرارا قطريا قديما يعود إلى أوائل سبعينيات القرن الماضي، ألا وهو انسحاب قطر من مشروع "الاتحاد التساعي" الذي كان مقررا أن يضم الإمارات السبع التي تتكون منها دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم، إلى جانب قطر والبحرين!  فلولا هذا القرار الذي كانت دوافعه محلية محضة بالتأكيد، لَمَا شهدنا (اليوم) هذا الدور القطري المساند (كليا) لغزة الذي هو من آثار الشيخ أحمد بن علي آل ثاني (مؤسس قطر) وأحسب أنه يجني (في قبره) نصيبه من كل ما تقدمه قطر لغزة، وفلسطين، والقدس، والنازحين..

ولأن القرارات تُقيَّم بنتائجها وآثارها، فإني أعتبر قرار عدم انضمام قطر إلى الاتحاد الإماراتي من أعظم القرارات، في القرن العشرين، بالنظر لما يترتب عليه اليوم من نتائج وآثار غيرت وجه المنطقة، وقريبا ستغير وجه العالم..

انظر مثلا إلى حاكم الشارقة (إحدى الإمارات السبع في اتحاد الإمارات) الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، وهو رجل عروبي صاحب خُلق ودِين، مساند ومنحاز للحق الفلسطيني.. هل يستطيع القاسمي أن يقدم مثقال ذرة من دعم أو مؤازرة لفلسطين، في وجود محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات؟ بالتأكيد لا؛ لكونه حاكم إمارة عضو في الاتحاد الإماراتي، وليس لأي سبب آخر، وكذلك كان سيكون حال قطر، لولا قرار الشيخ بن علي بالانسحاب من هذا الاتحاد الذي انحرف عن أهدافه العظيمة تحت قيادة "أبو خالد"..

المُرجِفون..

وأما المُرجفون فهم أولئك الذين يلعنون المقاومة؛ لـ"تهورها"، و"عدم تصرفها بمسؤولية"، ويغرقون الفضائيات، والعالم الافتراضي بدموع التماسيح على ضحايا غزة، وبنيتها التحتية، ومبانيها الحكومية التي نسفها العدو الصهيوني بأضعاف قنبلتي هيروشيما وناجازاكي، فلم تبق مدرسة، ولا جامعة، ولا مشفى، ولا محطة مياه، ولا مركز شرطة، ولا طريق مرصوف، ولا أرض تُزرع، ولا بيت آمن.. وقبل كل ذلك وبعده، نحو مئة وخمسين ألفا، بين شهيد وجريح، ومفقود تحت الأنقاض، وأسير لدى العدو؛ تم خطفه من الشارع، أثناء بحثه بين الركام عن شيء يُسكت به جوع الصغار!

إن هؤلاء المرجفون هم النسخة المكررة من أسلافهم الذين نقرأ عن مواقفهم المُخزية قرآنا يُتلى إلى يوم القيامة.. هم ومن يلقمونهم الدراهم والدنانير والريالات والدولارات، كما يفعل "الزبائن" مع تلك الماكينات المبثوثة في الشوارع؛ لإخراج شيء من جوفها، بعد تغذيتها بالنقود!

المَبخوسون..

أول المبخوسين (وربما الوحيد) هو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان!
لقد سمع هذا الرجل كلاما مسيئا كثيرا لشخصه، خلال هذه الحرب.. نعتوه بأشنع النعوت، ووصفوه بأحط الصفات؛ لأنه تحول (في الظاهر) إلى "ناشط سياسي" لا يملك سوى الكلام، فكانت مواقفه "المعلنة" دون المتوقع منه، إزاء أحداث جِسَام تركت آثارها المذهلة على غزة وأهلها والعالم.. ومن أسفٍ أن يكون بين هؤلاء نفر ليس بالقليل من المشتغلين بالسياسة والثقافة والإعلام، فضلا عن الجماهير العريضة التي تنساق (بطبيعة الحال) خلف الشائعات والعواطف!

نعم، كانت مواقف أردوغان "المعلنة" دون المتوقع، وكان أداؤه أقرب إلى أداء "الناشط السياسي"، غير أني لم أجد من يسأل نفسه في مقال أو منشور سؤال الباحث عن سببٍ موضوعي، لا سؤال اللمَّاز المستهزئ: لماذا هذا الموقف وهذا الأداء من جانب أردوغان تجاه حرب إبادة بهذا الحجم؟ هل هذا هو موقفه الحقيقي، أم أنه إظهارٌ مقصود للضعف وقلة الحيلة؛ لسبب يُقدِّره ونجهله؟ أم أن هناك أولويات داخلية فرضت نفسها عليه، في تلك الفترة، لم يكن من الحكمة تجاهلها؟ أم أنه ادخر مواقفه "الجريئة" المعهودة لقادم الأيام؟

عشرات الأسئلة يمكن أن تُطرح في هذا المقام، ويجب أن تُطرح، لا سيما أن أردوغان ليس بالشخص الجبان، ولا المنبطح، ولا الموالي للصهاينة كبعض الزعماء العرب..

فإذا تفهمنا موقف الجماهير في ضوء "علم نفس الجمهور" أو "سيكلوجية الجماهير"، فما عذر مَن يرى في نفسه موجِّها للجماهير، والرأي العام؟
يبدو أن هؤلاء لم يتعلموا شيئا من محنة مصر، وما وقع مع الرئيس مرسي، أو له.. إن هؤلاء ليس لديهم القدرة على قراءة مواقف الرجال "الحقيقية" حين تحُول الظروف عن الإفصاح عنها.. إنهم لا يفرقون بين الغث والسمين، ولا بين الخائن والأمين!

في الحروب (والسياسة عموما) ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُفعل يُعلن عنه.. ربما يُعلن عنه بعد حين، وربما لا يُعرف إلا يوم القيامة، على رؤوس الأشهاد، إنصافا من الله وإكراما لصاحب هذا الفعل الذي لم يجد (في الدنيا) بُدا من إخفاء صنيعه، فعجَز عن تبييض سمعته بين الناس، وقبِلَ (محسورا) أن يوصف بصفات هو أبعد الناس عنها!

أقول (بكل ثقة) إن الطيب أردوغان رجل من هذا الصنف من الرجال، أحسبه كذلك ولا أزكيه على الله.. وستكشف الأيام، أو الصحائف المتطايرة، يوم القيامة، عما أسداه هذا الرجل لفلسطين ومقاومتها، وكذلك الرئيس مرسي (رحمه الله).

twitter.com/AAAzizMisr
aaaziz.com