ملفات وتقارير

ما أسباب رفض النظام المصري توصية صندوق النقد بـ"وحدة الموازنة"؟

يقتضي مبدأ وحدة الموازنة أن "توضع نفقات الدولة وإيراداتها في صك واحد"- الأناضول
في الوقت الذي يوصي فيه صندوق النقد الدولي مصر خلال مناقشاته حول تمرير التمويل المقرر لمصر بضرورة "وحدة الموازنة" العامة للدولة المصرية، نفى وزير المالية محمد معيط، وجود أية نية لدى حكومة بلاده نحو هذا الإجراء.

معيط قال لـ"وكالة أنباء العالم العربي" (ِAWP)، الأربعاء الماضي؛ إنه "لن يتم ضم الهيئات الاقتصادية أو الصناديق الخاصة إلى الموازنة العامة للدولة"، مضيفا: "بل ستخضع لما يسمى بالموازنة الشاملة المجمعة".

ووصف معيط ما يجري تداوله بشأن ضم الهيئات الاقتصادية إلى الموازنة العامة بأنه "غير دقيق"، موضحا أنه سيجري التعامل مع تلك الهيئات بالنظام المطبق نفسه في الشركات القابضة والتابعة.

ماذا تعني وحدة الموازنة؟
ووفق "الموسوعة القانونية المتخصصة"، يقتضي مبدأ وحدة الموازنة أن "توضع نفقات الدولة وإيراداتها في صك واحد أو وثيقة واحدة تعرض على السلطة التشريعية لإقرارها، فلا يوجد في الدولة الواحدة سوى موازنة واحدة تتضمن جميع إيراداتها ونفقاتها، مهما كانت مصادرها أو أوجه نفقاتها، ومهما تعددت هيئاتها ومؤسساتها".

وهو الأمر الذي يفتقده الاقتصاد المصري، الذي تغيب عنه الموازنة الموحدة، ويعاني في الوقت ذاته من أزمات مزمنة واختلالات هيكلية خطيرة، وسط تغول أزمة ديون خارجية تاريخية غير مسبوقة تعدت 165 مليار دولار، حلت آجال الكثير من خدمتها بين أقساط وفوائد ومتأخرات تصل في 2024 وحده إلى 42 مليار دولار.

الأمر الذي يمثل ضغطا كبيرا على الموازنة العامة للدولة المصرية، التي تتحمل سداد خدمة الدين منفردة، خاصة مع بلوغ نسبة الدين الخارجي إلى نحو 96 بالمئة من إجمالي الدخل القومي.

"الهيئات الاقتصادية"
وفي آذار/  مارس 2022، أكد وزير المالية المصري محمد معيط، وجود موازنتين في مصر، الأولى والمعلنة التي يجري مناقشتها بالبرلمان سنويا، وتمارس عليها الأجهزة الرقابية دورها، وهي "الموازنة العامة للدولة" التي يديرها وزير المالية، ويقدم حولها تقريرا سنويا لنواب الشعب لإقرارها.

والموازنة الأخرى بحسب معيط، هي موازنات 55 هيئة اقتصادية، لكل منها موازنة خاصة، من المفترض أن تحصل من خلالها على إيرادات وتنفق على احتياجاتها، بل إن الحكومة المصرية تقدم الدعم المالي للهيئات التي لا تكفي إيراداتها احتياجاتها، وذلك من داخل الموازنة العامة للدولة.

موازنات الهيئات الاقتصادية الخاصة وفق تأكيد وزير المالية بلغ في ذلك التاريخ نحو 2.25 تريليون جنيه، ما يعني أنها أكثر من الموازنة العامة للدولة التي وصلت حينها بين 2 و2.1 تريليون جنيه.

المثير هنا، أن موقع وزارة المالية عبر الإنترنت يعرض للموازنة العامة للدولة المصرية الحالية وبياناتها "2024/2025"، وما سبقها من موازنات، إلا أن موقع الوزارة لا يعرض لموازنة الهيئات الاقتصادية طول 6 سنوات مضت، فيما كانت آخر موازنة معروضة رسميا للهيئات الاقتصادية لعام (2016/2017)، بحسب ما اطلعت عليه "عربي21".

ما يعني وفق مراقبين، عدم شفافية وإخفاء معلومات وبيانات وحقائق، وغمط المواطن حقه في معرفة مصير أمواله وكيف يجري إنفاقها، ويؤكد أن موازنات تلك الهيئات لم تمر عبر القنوات القانونية بداية من إقرار مجلس النواب لها، وحتى اضطلاع الأجهزة الرقابية عليها ومحاسبة المسؤولين عنها، بل وعدم معرفة وزارة المالية بتلك الموازنات وما بها من أعمال سرية.

"الصناديق السيادية"
وإلى جانب الهيئات الاقتصادية، توجد في مصر الصناديق الخاصة التي من سلطة الوزراء والمحافظين إنشائها، بجانب الصناديق السيادية التي دشنها رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، ويشرف بنفسه عليها.

ودشن السيسي، صندوق مصر السيادي كصندوق ثروة سيادي، طبقا للقانون (رقم 177 لسنة 2018)، المعدل بالقانون (رقم 177 لسنة 2020)، بهدف إدارة الأموال والأصول المملوكة أو المنقولة له واستثمارها، فيما يبلغ رأس مال الصندوق حوالي 12.7 مليار دولار، مع أصول تُقدر بحوالي 637 مليون دولار.

ويضم صندوق مصر السيادي الذي يأتي بالمرتبة 48 ضمن أكبر 100 صندوق سيادي بالعالم: صناديق "للخدمات المالية والتحول الرقمي"، و"للمرافق والبنية الأساسية"، و"للسياحة والاستثمار العقاري وتطوير الآثار"، و"للخدمات الصحية والصناعات الدوائية"، وصندوق ما قبل الطروحات".

وفي 29 كانون الثاني/ يناير الماضي، نقل السيسي، ملكية 13 وزارة وجهة حكومية بوسط العاصمة القاهرة إلى صندوق مصر السيادي، بينها المقرات الرئيسية لوزارات الخارجية، والعدل، والتعليم، والصحة، والنقل، والمالية، وذلك بعد انتقالها للعمل من العاصمة الإدارية الجديدة.

وفي 2020، نقل السيسي 7 أصول لملكية الصندوق، ضمت أرض ومبنى مجمع التحرير، والمقر الإداري لوزارة الداخلية، وأرض الحزب الوطني المنحل، ومباني القرية الكونية، ومعهد ناصر الطبي، وأرض حديقة الأندلس بمدينة طنطا.

أموال الصناديق الخاصة والسيادية، لا تخضع هي الأخرى كالهيئات الاقتصادية إلى مناقشة وإقرار البرلمان لموازناتها، ولا دور للأجهزة الرقابية عليها ولا في محاسبة المسؤولين عنها ولا مراجعة مواردها ولا كيفية إنفاقها ولا المشروعات التي تدخل بها ومكاسبها وخسائرها، ما يجعلها جزرا منعزلة عن الموازنة العامة للدولة، بحسب اقتصاديين.

وفي مصر إلى جانب الصندوق السيادي وما يتفرع عنه من صناديق نحو 6667 صندوقا خاصا تعمل بمبالغ كبيرة لم يكن لها حصر مالي حتى وقت قريب، ولكن تقديرات وزارة المالية تشير إلى أنها تصل إلى تريليونات الجنيهات، بحسب تأكيد مسؤول مصري لوكالة "أنباء العالم العربي".

وفي أيار/ مايو الماضي، وفي مقال له بصحيفة "الأهرام" الحكومية، أكد الكاتب الاقتصادي عبدالفتاح الجبالي، أن عدد الصناديق والحسابات الخاصة بلغ 6451 في حزيران/ يونيو 2021، فيما قدر  أموال تلك الصناديق بـ81.2 مليار جنيه، وفق تقديرات أيلول/ سبتمبر 2022.

"عجز الموازنة"
وبمقابل سرية موازنات الهيئات الاقتصادية والصناديق الخاصة والسيادية، ومع أن ما بها من أموال ودخول تفوق بكثير الموازنة العامة للدولة، فإن الأخيرة تعاني من العجز السنوي الدائم، ما يؤثر بشكل كبير على ما يقدم لنحو 106 ملايين مصري من خدمات صحية وتعليمية واجتماعية وبنية أساسية.

وفي أيار/ مايو 2023، أعلن وزير المالية المصري محمد معيط، أمام مجلس النواب أن الموازنة الجديدة تتضمن مصروفات بنحو 3 تريليونات جنيه وإيرادات بنحو تريليوني جنيه، بمعدل عجز يبلغ نحو تريليون جنيه مصري.

وقبل أيام، توقعت وزارة المالية زيادة عجز الموازنة خلال العام المالي الحالي عن المستهدف ليصل إلى 7.65 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، بدلا من 7 بالمئة كانت مستهدفة عند إعداد الموازنة في الصيف الماضي.

وخفضت الوزارة توقعاتها للإيرادات العامة خلال العام المالي الحالي، لتتراجع بنحو 153.6 مليار جنيه، لتسجل بعد المراجعة 1.98 تريليون جنيه، مقابل 2.14 تريليون كانت مستهدفة.

في المقابل، توقعت ارتفاع المصروفات عن المستهدف لتسجل 3.007 تريليون جنيه مقابل 2.99 تريليون، وجاء الارتفاع مدفوعًا بارتفاع مصروفات الديون التي سجلت بعد المراجعة 1.3 تريليون جنيه مقابل 1.2 تريليون قبل المراجعة.

"مطالبات بوحدة الموازنة"
ولذا، فإن المطالبات بـ"وحدة الموازنة" كانت مطلبا حثيثا دعا إليه خبراء ووزراء سابقين، بينهم وزير التخطيط المصري الأسبق الدكتور أشرف العربي الذي أكد في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، في كلمته بالمؤتمر الاقتصادي، على أن "مبدأ وحدة الموازنة العامة للدولة مبدأ أساسي ولا بد من التركيز عليه".

الخبير الاقتصادي المصري هاني توفيق، من جانبه، دعا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، لتفعيل مبدأ وحدة الموازنة، وتجميع كل إيرادات الدولة ومصروفاتها في وعاء واحد، والانسحاب من منافسة أجهزة الدولة ومؤسساتها كافة للقطاع الخاص المصري، قبل الأجنبي.

وهو الرأي الذي تبناه في 21 أيار/ مايو الماضي، وزير المالية السابق الدكتور أحمد جلال، الذي أكد أنه دون تفعيل مبدأ وحدة الموازنة، لن تُحل أزمة العجز وارتفاع معدل الدين، مبينا في حوار لفضائية "أون"، أنه "لدينا إخلال بمبدأ وحدة الموازنة، لو التزم الجميع بتطبيقه، مشاكل وزارة المالية والدين العام سوف تنخفض لحظيا".

وتساءل: "هل يرد البنك المركزي أرباحه لوزارة المالية أم لا؟ والهيئات الأخرى العمرانية وغير العمرانية هل تحتفظ بالأموال داخلها؟"، مؤكدا أن "كل واحد أصبح لديه صندوق".



"أداة للسرقة"
وفي رؤيته لأسباب رفض مصر توصية صندوق النقد بضم جميع الهيئات الاقتصادية والصناديق الخاصة والأخرى والسيادية في موازنة واحدة أو "وحدة الموازنة"، رغم أنها توصية الكثير من الخبراء لإصلاح الاقتصاد المصري، قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمود وهبه، لـ"عربي21"؛ "لأن تعدد الموازنات وعدم وحدتها، تمثل أداة للنهل من أموال وممتلكات الشعب لصالح مستفيدين غير معروفين".

"مسموح للجيش فقط"
من جانبه، قال الباحث والخبير الاقتصادي المصري الدكتور أحمد البهائي، لـ"عربي21"؛ إن "الإشكالية تبدأ بوجود موازنة الرقم الواحد لأكثر من جهة، ومن خلال هذا البند يتم فتح كل الأبواب في الموازنة العامة"، موضحا أنه "حتى نبدأ بوضع العلاج الصحيح، يجب أن يكون هناك قانون ينظم ذلك".

وأضاف أن "يسمح ذلك القانون لجهة واحدة بإدراج موازناتها كرقم واحد ألا وهي القوات المسلحة، هذا يعد شيئا طبيعيا كما في كل دول العالم، باعتبار ذلك أمنا قوميا خاصا بالسرية التامة؛ أما غير ذلك من جهات تحت أي مسمى، يجب ألا ينطبق عليها ذلك، ولا تخضع لسرية موازناتها وتكون تحت الرقابة التامة".

وتابع: "ونتيجة لما سبق ذكره، تم السماح والتمادي بل والاستغلال من خلال قانون بإنشاء ما يسمى الهيئات الاقتصادية والصناديق الخاصة، وإقامة موازناتها الخاصة بها وإعطائها السرية في آلية إدارتها، والرقابة المالية عليها، والصرف منها، ما فتح بابا كبيرا للفساد".

وتعجب البهائي، من أنه "لا يوجد تعريف محدد وواضح للصناديق الخاصة والهيئات الاقتصادية، قدمه القانون المصري الخاص بالموازنة العامة، أو حتى لائحته التنفيذية، وهذا ما زاد من الإشكالية مع صندوق النقد الدولي".

وألمح إلى أن "الصندوق، عرًف الصناديق والحسابات الخاصة تعريفا محددا، باعتبارها كيانات حكومية لها شخصية قانونية مستقلة، واعتبارها كيانات للقيام بوظائف محددة كبناء الطرق أو الإنتاج غير الهادف للربح لخدمات الصحة والتعليم".

"ويجب أن تعامل تلك الكيانات كوحدات حكومية مستقلة، طالما أنها تحتفظ بمجموعة كاملة من الحسابات وتمتلك السلع أو الأصول، وتنخرط بالأنشطة غير السوقية التي تكون مساءلة بالقانون عن أدائها، كما تكون قادرة على التحمل بالالتزامات والدخول في التعاقدات"، بحسب تعريف الصندوق.

"قوى ذات نفوذ"
وأشار الخبير المصري إلى أن "هناك قوى وجهات قد تكون حكومية تقوم بما لديها من نفوذ بالضغط على الدولة، حتى لا تصبح الهيئات الاقتصادية والصناديق الخاصة جزءا من الموازنة العامة؛ ومن ثم لا يتم الاستفادة من مواردها وترشيد إنفاقها، وخضوعها للرقابة من قبل وزارة المالية ومن قبل السلطة التشريعية والجهاز المركزي للمحاسبات".

وضرب مثلا لتأكيد ذلك قائلا: "تجد موارد تلك الهيئات والصناديق تدخل بجانب إيرادات الدولة، ثم يتم خروجها في صورة مكافآت ومنح وعلاوات وبدلات وغيره من المصروفات.".

وأضاف: "أما إيرادات الصندوق أو الحساب الخاص لتلك الهيئات والصناديق، فلا تدخل خزينة الدولة، بل تدخل في حساب الصندوق الخاص بها للصرف المباشر على ما تقوم به من أعمال خاصة أو استثمارية، بل كذلك يستطيع الصندوق أن يرحل الفائض له من سنة مالية إلى أخرى، وفقا لما تم وضعه من لوائح خاصة".

وأكد أن "وجود تلك الصناديق الخاصة تحت صورتها تلك، يضرب الموازنة العامة للدولة في مصداقيتها وعموميتها وشمولها، وفي أن تكون متحكمة في الموارد والنفقات كافة".

"وكذلك ضربها في هدفها الأساسي والأهم، وهو وحدة الموازنة كوحدة واحدة متكاملة، تضم التقديرات كافة لإيرادات ونفقات الدولة بجميع وزاراتها وهيئاتها وصناديقها الخاصة منها".

وخلص للقول: "يؤكد لنا ذلك أن تلك الهيئات والصناديق أصبح يحيط بها ويحتويها الغموض، لدرجة أن وزارة المالية والجهاز المركزي للمحاسبات لا يوجد لديهم بيانات كافية عنها، ولا عن حجم الأموال المستثمرة فيها، ولا عن مدى قيامها بأهدافها، وتقييم ذلك، ومدى التزامها بالقوانين واللوائح المنظمة لها".

ولفت إلى أنه على الجانب الآخر، "تعاني الدولة من عجز الموازنة، والارتفاع في معدلات الدين الداخلي والخارجي".

"دور الصندوق"
وأوضح أنه "من هنا نستشف، بما لا يدع مجالا للشك، أن صندوق النقد الدولي هذه المرة لا يريد الاكتفاء بالتعاون والتنسيق مع الحكومة المصرية، بل يريد أن يتولى بنفسه إصلاح السياستين المالية والنقدية المصرية".

"وذلك بهدف القضاء على الاختلالات القائمة ووضع السياسات والإجراءات التفصيلية المتعلقة ببرنامج القرض الجديد، وكذلك تحديد حجم التمويلات المالية المقدمة من البلدان والهيئات الدولية المانحة، وربطها بمدى التقدم الذي ستحققه الحكومة المصرية تجاه الالتزام بتنفيذ برنامج القرض المرسوم من قبل صندوق النقد الدولي".

وأكد أنه "اتضح أن السلطة النقدية والمالية في مصر لم تحقق الاستقرار الاقتصادي المرجو، نتيجة الفشل في اتخاذ مجموعة من الإجراءات في إطار إصلاح السياستين النقدية والمالية، بما يؤدي إلى القضاء على الاختلالات الهيكلية القائمة، والحد من تمويل العجز في الموازنة العامة من مصادر تضخمية".

وختم بالتأكيد أن "هذا ما جعل الصندوق مصمما على أن يتولى بنفسه تنفيذ برنامج القرض الجديد، من أجل مواصلة الإصلاحات الاقتصادية".