أفكَار

ياسر عرفات في مرآة من عاصروه.. من الثورة المسلحة إلى اتفاق أوسلو

لا يمكن أن تنعكس كاريزما الأشخاص مهما كانت قيمتهم على بلدانهم حدّ التماثل لأن مصير الدول وإيقاع نموها يختلف عن مصير الأشخاص.. الأناضول
تتفاعل هذه الورقة مع سلسلة "الختيار" التي أنجزها المخرج محمد بلحاج للجزيرة الوثائقية. فتحاول أن تصل بين خطين متوازيين من مادتها التي تعدّ وثيقة مهمة تسجّل شيئا من سيرة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. فيبحث أولها في مسيرة الرّجل ويحاول أن يبحث في الأنساق الناظمة التي كانت تحكم عقله وتحرك فكره. ويحاول الخط الثاني  أن يبحث في مسار القضية الفلسطينية حتى مقتله، وأن يقف على العناصر التي كانت توجه نضال المقاومين.  فتستهدف هذه الورقة إذن الضفيرة التي يشكلها الخطّان معا.

مسيرة عرفات.. رحلة رجل شجاع بين الألغام

يمكن أن نفصل مسيرة عرفات إلى ثلاثة أطوار. يتعلّق أولها بعرفات الشاب الذي يغير القدر وجهته من البحث عن تحصيل العلم في الولايات المتحدة إلى النضال من أجل تحرير الوطن. ولعل انخراطه الأول في حروب مصر، في 1951 ـ 1952 ثم في العدوان الثلاثي 1956، كان بدافع الإيمان بعدالة القضية المصرية، وربما كان يحسب أن يكون مرحلة عابرة في طريقه إلى الولايات المتحدة. ولكن قدرا خفيا كان يربط مسيرة حياته بمسار القضية الفلسطينية ليتحولا إلى كيان واحد لا انفصال فيه.

وممّا يحسب لعرفات الشّاب، بعد أن أسس حركة "فتح"، أنه أخرج النضال من أجل تحرير فلسطين من الصالونات وأروقة البلاطات الذي مارسته النخب العربية والفلسطينية منذ ثلاثينيات القرن الماضي إلى الميدان وإلى فوهات البنادق. لذلك نفهم التلكؤ الذي جوبه به. فعُدّ هو وحركته وحرب العصابات التي أقدم عليها في 1965 "خارج الخطة العربية".. ولعلّ أهم إنجاز حقّقه في هذه الفترة هو فرض نفسه زعيما وفرض منظمة التحرير التي انضمت إليها حركة "فتح"، ممثلا وحيدا وشرعيا للفلسطينيين.

ظل نضاله متجها نحو فلسطين معتقدا أنّ سبيله يتمثّل في البندقية. وهو اليساري الذي يعي بوضوح أن إسرائيل مشروع صهيوني إمبريالي استعماري عالمي. وهو الوطني البراغماتي الذي يؤمن بأن فلسطين يجب أن تكون للفلسطينيين جميعا.
أما حياة عرفات الكهل فقد ارتبطت بتقلبات كثيرة أساسها البحث عن حاضنة ونقطة ارتكاز تكونان منطلقا لمهاجمة المحتل. وتعود تعقيداتها المختلفة إلى عسر الحصول على هذا الطّلب. فمختلف بلدان الجوار قد حصلت على استقلالها وبنت دولها. ومنطق الدولة يفرض التزامات تجاه المجتمع الدولي وأخرى إزاء الشعوب. وكلاهما يفرض العمل على تحقيق الاستقرار. ومع ذلك استضافته الأردن أولا ولبنان ثانية. وفي الحالين سريعا ما كان ينقلب عرفات على مستضيفه. فيتحول إلى قائد سلطة موازية من شأنها أن تضعف النظام القائم في أعين مواطنيه وتهدّد استقراره. لذلك يتحوّل إلى عبء عليه. فيخوض حرب أيول الأسود ضد القوات الأردنية وينخرط في الحرب الأهلية اللبنانية. أما الحاضنة التونسية فكانت أقرب إلى المنفى لبعدها عن خط المواجهة وعدم قدرة قواته على الاحتكاك المباشر مع العدو.

هل يمكن أنن لوم عرفات على اصطدامه بسلطات الدّول المستضيفة فنصادق على أنّ الرّأي الذي يتّهم عرفات بأنه يسبّق الوحدة الفلسطينية على مصالح الشعوب المستضيفة أو نعتبر أنه لم يكن يرى إلاّ نفسه ولم يكن يهتم بمصير الآخرين؟

يمكننا أن نجيب عن هذا السؤال من داخل عقل عرفات نفسه، فنؤكّد أنه لم يكن ينظر إلى الموضوع من هذا المنظور. فخلفياته القومية الإسلامية دفعته إلى أن يحمل البندقية في مصر وأن يعمل مع العاملين على تحريرها لأن ذلك واجب قومي وديني. وهي الخلفيات نفسها التي تجعله ينتظر من العرب أن يعملوا على تحرير فلسطين، خاصّة أنه يؤمن بأن قداسة القدس توجب على المسلمين منع تدنيسها، ويثري تصوّره هذا بأفكار ذات خلفية قومية يسارية ترى في استهداف فلسطين استهدافا للعرب جميعا حتى لا ينهضوا من جديد. وسيعبّر عن هذا الفكر منذ تأسيس حركة "فتح" وبداية العمل الثوري المسلح. ولكنه كان يرى أنّ حلّ القضية الفلسطينية يكمن في شخصه هو. ولا شك أنه كان مخطئا جدّا في تصوّره ذاك، وكان واقعا في وهم العظمة الذي يصيب الزعماء فيحرّف إدراكهم للواقع.

ارتبطت شيخوخة عرفات بأعسر فترات نضاله. فقد كانت عزلته خانقة وكان افتقاده لهواء فلسطين شديدا. وكان يرى أن كسر الطوق المضروب عليه لا يتحقّق إلا بالعودة إلى أرض الوطن "وبعدها يفرجها الله" يقول لحارسه الشخصي محمد الدّاية.

وبالفعل يبدو أنه دخل المفاوضات مع المحتل الإسرائيلي دون خطّة واضحة. لم يكن حينها قائد ثورة بقدر ما كان شيخا يدرك اقتراب أجله ولقاء ربه. فيفكر في العودة من غربته ليسلم الروح في بلده. وهذا الشعور بالضعف حوّله إلى شخصية تراجيدية على نحو مّا. فيتحدى قدره ويخوض المعارك الضارية وينجو من  عشرات محاولات الاغتيال ولكنه في النهاية يرتكب الخطأ القاتل ويذهب إلى حتفه بنفسه.

مسار القضية الفلسطينية

مثلت القضية الفلسطينية بكل ملاحمها أو نكباتها خلفية للفيلم. وهذا بديهي. فشخصية عرفات التي ظهرت في الواجهة كانت تتحرك في إطار هذه القضية ومنها تستمد هويتها. فارتبطت في أول المراحل التي يعرضها الفيلم بالأردن. ويعود ذلك إلى انتقال الفلسطينيين من الضفة الغربية إليه بعد حرب 1967 فجعلوا منه وطنا بديلا. ونتيجة للتعقيدات التاريخية والديمغرافية الكثيرة كانوا يتصرّفون كما لو كانوا أهل الدّار، أو الأصح فقد شكّلوا دولة داخل الدولة. ومن هناك خاضوا معاركهم الأولى بعد هزيمة حزيران ضد المحتل. ووجدوا تناغما مع اليسار الأردني الذي يريد أن ينقض على السلطة. ولكن لهذه العناصر المتشابكة يبقى هذا التداخل في الأدوار والهويات مفهوما.

ومثلت لبنان جبهة جديدة سيخوض من خلالها الفلسطينيون معاركهم وسيبسطون نفوذهم كما فعلوا في الأردن. ولذلك سيُحمّلون المسؤولية في قيام الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1976. فلم يكن الموارنة يرون سببا لتتحمل لبنان العبء الفلسطيني وعنجهية حاملي السلاح وتوسع المخيمات على حساب مصالح الأهالي. فضلا عن ذلك. فقد فرّط الفلسطينيون في حيادهم وتحالفوا مع خصومهم من اليساريين أو الإسلاميين. ولذلك يؤكد أمين جميل أنّ لبنان قد "دفع جروحا وخسائر بسبب عرفات" وبسبب الوجود الفلسطيني فيها.

من العناصر الثابتة القارة في شخصية ياسر عرفات، الثوريُّ الذي يكون في قلب المعارك. لذلك لم يكن يترك زيه العسكري ولا سلاحه حتى أيامه الأخيرة وهو الشيخ المريض المحاصر في مقرّ السلطة. ولطول تبنيه للهم الفلسطيني يتحوّل هذا المناضل إلى أب يحاول أن يسهر بنفسه على مختلف الدقائق والتفاصيل.
ولكن من الظّلم أن نحمّل الفلسطينيين كلّ المسؤولية في انطلاق هذه الحرب. ورأي أمين الجميل يُجرّح بكل تأكيد لتوّرط عائلته المباشر في مجزرة صبرا وشاتيلا وعمل أخيه بشير الجميل على التطبيع مع إسرائيل بعدها. فتعقيدات المشهد اللبناني كانت أكبر بالنّظر إلى الصدام الطائفي الذي كان يسود عندئذ. أضف إلى ذلك أنّ الاختلال السياسي في ظلّ الهيمنة السياسية للنخب بين المسيحيين المارونيين الموروثة عن الحقبة الاستعمارية واستئثارهم بمنظومة الحكم وتغير التوازن الديموغرافي لصالح السكان المسلمين، خاصة بعد لجوء الفلسطينيين إلى لبنان، جعل الحرب الأهلية حتمية. فقد كان  كمال جنبلاط يريدها للتخلّص من نظام الحكم القائم. وكان المسيحيون يريدونها حتى لا ينقضّ اليسار المتصاعد حينها على الحكم.

والدليل على كون الموضوع الفلسطيني كان تفصيلا من تفصيلات هذه الحرب أنها استمرت بعد خروجهم وأنّ اتفاق الطائف لعام 1989 عمل على إعادة توزيع الحكم على أساس التوازن الطائفي وإن لم يحلّ الإشكال نهائيا. ولئن صمت الفيلم عن تأثر القضية الفلسطينية إقليميا بمجريات الحرب العراقية الإيرانية التي شغلت العرب وغيرت أولوياتهم إلى الخطر القادم من الشرق أو دوليا بتراجع الاتحاد السوفييتي وبداية تشكل القطب الواحد، فإنه توقف عند انشقاق بعض قادة حركة فتح الذي قاده خالد العاملة وأبو صالح بدعم من ليبيا وسوريا. ففسّر إلى حدّ سبب تراجع القضية الفلسطينية.

لهذه التحوّلات جميعا ولبعد تونس عن أرض فلسطين مثّلت المرحلة التونسية بالنسبة إلى منظمة التحرير بداية التخلي عن البندقية والاتجاه إلى التسوية. ولكنها ستمثّل كذلك بداية الأخطاء والقرارات المتهوّرة التي ستضر كثيرا بأهدافها الإستراتيجية. وأول هذه الأخطاء هي ما نتج عن الغزو المتهور للكويت الذي انتهى بتدمير العراق، ولئن لم يكونوا مسؤولين عن الحدث في حدّ ذاته فإنهم لم يحسنوا التعاطي معه. ثم جرّتهم نتائج هذه الحرب إلى مشاركة عبثية في مؤتمر مدريد للسلام الذي كان بلا أفق، فاتفاق أوسلو الذي مثّل مصيدة روّض عبرها الإسرائيليون الثورة الفلسطينية واستدرجوا قادتها عبر وهم تأسيس السلطة الفلسطينية إلى رام الله. فتشتت كلمة الفلسطينيين وكانوا يأملون في أن تكون قمة كامب ديفيد سنة 2000 مخرجا فإذا هي فخ ينصب لهم لتحصل إسرائيل على التنازلات التي تريد أو تتنصل من تبعات اتفاق أوسلو.

ولا بدّ للمرء أن يلاحظ التماثل بين مسيرة عرفات ومسار القضية الفلسطينية في ظل هيمنة "فتح" على منظمة التحرير. فبقوته استطاع الفلسطينيون أن يرفعوا صوتهم عاليا وأن يحصلوا على تعاطف الأطراف الكثيرة في العالم وبهرمه وتراكم أخطائه تدهورت القضية وانفض أنصارها من حولها.

وبقدر ما يثبت هذا التوازي عظمة ياسر عرفات يكشف في الآن نفسه أخطاءه. فلا يمكن أن تنعكس كاريزما الأشخاص مهما كانت قيمتهم على بلدانهم حدّ التماثل لأن مصير الدول وإيقاع نموها يختلف عن مصير الأشخاص القصير والمحكوم بسلطة البيولوجيا. فكل نفس ذاهبة إلى زوال. وفي هذه الحالة سينسحب غياب هؤلاء الأشخاص المؤثرين على مصائر البلدان.

ثوابت عرفات في عالم الرمال المتحرّكة

عرض الفيلم، بتفصيل خصائص شخصية عرفات طيلة عمره النضالي، شابا ثم كهلا فشيخا، وتفاصيل حياته المتقلّبة. ولكن مع ذلك ثمة عناصر في قناعاته أو ممارسته لم تتحولّ حتى آخر أيامه. منها وعيه المركّب. فرغم أنه مارس النضال ثم الحكم من خارج الإيديولوجيا إلاّ خطابه جمع بين العناصر الفكرية المتباعدة وصهرها معا على نحو عجيب. فهو القومي الذي يرى فلسطين عربية-ويرى نفسه عربيا قبل أن يكون فلسطينيا وإلى هذا البعد يردّ قتاله في الجبهة المصرية حالما وصل إلى القاهرة. وهو الدّيّن الذي كان قريبا الإخوان ولكنه لم يتبن طرحهم السياسي وتصورهم لمصير الأمة الإسلامية.

فقد ظل نضاله متجها نحو فلسطين معتقدا أنّ سبيله يتمثّل في البندقية. وهو اليساري الذي يعي بوضوح أن إسرائيل مشروع صهيوني إمبريالي استعماري عالمي. وهو الوطني البراغماتي الذي يؤمن بأن فلسطين يجب أن تكون للفلسطينيين جميعا. وهذا ما جنّب المقاومة الوقوع في تبعات الصراع الطبقي والفئوي والطائفي. فكان الزعيم الذي اختلف معه كثيرون لكن لم يختلف عليه أحد بحسب المفكر القومي معن بشور. ورغم وقوعه في مصيدة اتفاق أوسلو كان مستقرئا جيّدا للتاريخ مدركا أن الفلسطينيين خدعوا كلما ألقوا السلاح. لذلك حاول أن يتدارك أمره وأن يضع يده على الزناد مرّة أخرى بعد فشل قمة كامب ديفيد ولكن العدو كان قد تمكّن منه.

ومن العناصر الثابتة القارة في شخصية ياسر عرفات، الثوريُّ الذي يكون في قلب المعارك. لذلك لم يكن يترك زيه العسكري ولا سلاحه حتى أيامه الأخيرة وهو الشيخ المريض المحاصر في مقرّ السلطة. ولطول تبنيه للهم الفلسطيني يتحوّل هذا المناضل إلى أب  يحاول أن يسهر بنفسه على مختلف الدقائق والتفاصيل.

ولم يكن القبول بوجود اليهود جديدا في فكره. فقد ظل يصر على أنّ فلسطين يجب أن تكون وطنا ديمقراطيا تعايش جميع الديانات. ولكنه سريعا ما غير بوصلته من حلّ الدولة الواحدة إلى حلّ الدولتين منذ أن خطب في منبر الأمم المتحدة عام 1974 حاملا بندقية الثائر وغصن الزيتون حتى وفاته وهو يحاول أن يسترجع بندقية الثائر بعد أن اقتصر منذ عودته إلى رام الله على غصن الزيتون.