صحافة دولية

توماس فريدمان: السعودية ملتزمة باستئناف مفاوضات التطبيع وهذا ما يقلقني بشأن حرب غزة

أشار الصحفي الأمريكي إلى أن قادة السعودية "ليسوا متعاطفين على الإطلاق مع حماس"- الأناضول
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالا للصحفي توماس فريدمان، أشار فيه إلى أنه شعر بالقلق منذ أن شنت "إسرائيل" غزوها لغزة للقضاء على حماس دون وجود خطة لما يجب فعله بالقطاع وشعبه في أعقاب أي انتصار. و"بعد أن أمضيت الآن أسبوعا في السعودية والإمارات، أتتبع نبض هذه الزاوية المهمة من العالم العربي، أشعر الآن بقلق أكبر".

وقال الصحفي الأمريكي في مقاله الذي ترجمته "عربي21": "اسمحوا لي أن ألخص مخاوفي بهذه الطريقة: لأن حماس قامت ببناء شبكة أنفاق واسعة تحت غزة، فإن القوات الإسرائيلية، في سعيها للقضاء على تلك المنظمة الإرهابية الشريرة، تضطر إلى تدمير أعداد هائلة من الهياكل. إنها الطريقة الوحيدة التي يمكنهم من خلالها قتل الكثير من مقاتلي حماس، وتجريد غزة من السلاح دون خسارة الكثير من جنودهم في النافذة القصيرة التي تشعر إسرائيل أنها تمتلكها في مواجهة ضغوط الولايات المتحدة وحلفاء آخرين لإنهاء الغزو". 

وأضاف أن "رد إسرائيل على حماس كان مبررا بسبب خرقها وقف إطلاق النار الذي كان قائما في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وقيامها بالقتل العشوائي والاغتصاب أو التشويه لأكثر من 1200 شخص، واختطاف نحو 240 آخرين في طريقها في ذلك اليوم. لقد خططت حماس ونفذت حملة من الهمجية التي لا توصف، والتي بدت كأنها تهدف إلى جعل إسرائيل مجنونة وتهاجم دون التفكير في الصباح التالي.. وهذا بالضبط ما فعلته إسرائيل". 

وذكر أنه "بعد تسعة أسابيع، يمكننا الآن رؤية الصباح التالي. وفي سعيها إلى تحقيق أهدافها المتمثلة في تفكيك آلة حماس العسكرية والقضاء على كبار قادتها، قتلت إسرائيل وأصابت الآلاف من المدنيين الأبرياء في غزة. وزعم أن "حماس كانت تعلم أن هذا سيحدث ولم تهتم البتة. ولكن يجب على إسرائيل أن تفعل. وسوف ترث المسؤولية عن كارثة إنسانية هائلة سوف تتطلب سنوات من التحالف العالمي لإصلاحها وإدارتها".

وأشار فريدمان إلى مقال نشر مؤخرا في صحيفة "هآرتس" حول هذا الموضوع بقلم ديفيد روزنبرغ، قال فيه: "حتى لو انتهى القتال بانتصار حاسم على حماس، فإن إسرائيل سوف تكون مثقلة بمشكلة تكاد تستعصي على الحل. لقد ركزت معظم المناقشات العامة حول ما سيحدث في اليوم التالي للحرب على من سيحكم غزة. هذا وحده سؤال معقد، لكن المشكلة أعمق بكثير ممن سيكون مسؤولا عن القانون والنظام وتوفير الخدمات الأساسية: أيا كان المسؤول، فسيتعين عليه إعادة بناء الحطام الذي هو غزة وإنشاء اقتصاد فعال". 

وأضاف أن ذلك مسعى يحتاج مليارات الدولارات، وسيستغرق عدة سنوات. 

وقال فريدمان :"يمكنني أن أقول لكم بناء على محادثاتي هنا، لن تأتي أي دولة خليجية عربية (ناهيك عن دول الاتحاد الأوروبي أو الكونغرس الأمريكي) إلى غزة بأكياس من المال لإعادة إعمارها ما لم -وحتى هذا ليس أمرا مؤكدا- يكن لدى إسرائيل شريك فلسطيني شرعي وفعال، وتلتزم بالتفاوض في يوم من الأيام على حل الدولتين. وأي مسؤول إسرائيلي يقول غير ذلك فهو واهم".


وأضاف أن "الشيء الأكثر تفاؤلا الذي يمكنه نقله من الرياض، ومن التحدث مع المسؤولين الأمريكيين في واشنطن قبل وصوله، هو أنه عندما تنتهي الحرب في غزة، تظل السعودية ملتزمة من حيث المبدأ باستئناف المفاوضات التي كانت جارية قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر. كان المفاوضون يناقشون صفقة كبرى تدخل بموجبها الولايات المتحدة في معاهدة أمنية مع السعودية، وفي الوقت نفسه، تقوم السعودية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، شريطة أن تلتزم إسرائيل بخطوات محددة للعمل مع السلطة الفلسطينية نحو تحقيق حل الدولتين". 

وأكد أنه "أصبح لديه انطباع قوي للغاية بأن السعوديين يريدون من الأمريكيين إنهاء الحرب في غزة في أقرب وقت ممكن، لأن الموت والدمار في غزة يؤدي إلى تطرف سكانهم الشباب (الذين لم يكونوا من قبل مهتمين بفلسطين وإسرائيل)، في حين أنها تخيف المستثمرين الأجانب، وتعرقل بشكل عام ما تريد السعودية التركيز عليه: خطة رؤية 2030 لولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتحويل البلاد، من التعليم إلى البنية التحتية إلى تمكين المرأة". 

وقال فريدمان: "في حين أن القادة هنا ليسوا متعاطفين على الإطلاق مع حماس، ولن يحزنوا على اختفاء الجماعة للحظة واحدة، إلا أنهم يشككون في قدرة إسرائيل على القضاء على حماس إلى الأبد، ويشعرون بالقلق من أن الضرر الذي يلحق بغزة، في محاولتها القيام بذلك، سوف يؤدي إلى عواقب سيئة غير مقصودة". 

وأضاف أنه "يفهم لماذا سيكون من الصعب على حكومة إسرائيلية معتدلة أن تلتزم بإحياء هذا الحوار السعودي الأمريكي الإسرائيلي الفلسطيني في الوقت الحالي - ناهيك عن مجموعة المتعصبين الذين يديرون إسرائيل حاليا، والملتزمون بضم الضفة الغربية وقطاع غزة. وأكثرهم جنونا حتى ينظرون بشوق إلى إضافة غزة. وبالنظر إلى ما حدث في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، لا يرغب الكثير من الإسرائيليين في مجرد التفكير، ناهيك عن الموافقة على، التنازل عن السيطرة على الأراضي لأي سلطة حاكمة فلسطينية". 

وأكد فريدمان أنه "إذا لم تتوصل إسرائيل إلى رؤية سياسية طويلة الأمد لإغراء العالم لمساعدتها في تمويل إعادة بناء غزة، فإنها سوف تتعرض لكثير من الأذى الدبلوماسي والاقتصادي. وقد تتحول غزة في نهاية المطاف إلى جرح كبير في الصدر يرهق إسرائيل عسكريا واقتصاديا ومعنويا، ويأخذ راعيتها القوة العظمى الولايات المتحدة في طريقه". 

وأضاف أن "نتنياهو يقوم بحملة الآن للاحتفاظ بمنصبه من خلال محاولته أن يثبت لقاعدته اليمينية المتطرفة أنه الزعيم الوحيد المستعد لإخبار إدارة بايدن وجها لوجه بأن بلاده لن تفعل أبدا الحد الأدنى الذي تطلبه الولايات المتحدة: وهو أن تساعد إسرائيل في رعاية السلطة الفلسطينية بعد تجديدها، وأن تقدم أفقا سياسيا طويل الأمد للدولة الفلسطينية من أجل تطوير شريك فلسطيني قادر ذات يوم على حكم غزة المحررة من حماس وإسرائيل". 

وقال إنه "لهذا السبب فإن استعداد السعودية -إذا صمد- للمضي قدما في الحوار الأمريكي السعودي الإسرائيلي الفلسطيني عندما تتوقف هذه الحرب أمر في غاية الأهمية. لكن هذا ليس مجرد عمل خيري من قبل السعوديين. هذه هي استراتيجية رئيسية. هذا الجيل من القادة في السعودية وكذلك في الإمارات والبحرين والمغرب (ثلاث دول وقعت اتفاقيات أبراهام مع إسرائيل) غير عاطفي تماما عندما يتعلق الأمر بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي".

وأكد أن "هؤلاء القادة سئموا من القول بأن عليهم تأجيل أولوياتهم وتركيز طاقتهم واهتمامهم ومواردهم على القضية الفلسطينية. ولكن في الوقت نفسه، فإنهم مرعوبون حقا من الخسائر المدنية في غزة. وفي الوقت نفسه، فإنهم يدركون تمام الإدراك الفساد وعدم الكفاءة العامة للسلطة الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، فإنهم يكرهون فروع جماعة الإخوان المسلمين مثل حماس ويفهمون كيف يحاول المتعاطفون معها في جميع أنحاء المنطقة، بمساعدة إيران الساخرة، استخدام صور الأطفال القتلى في غزة على شاشات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي لتأجيج مشاعر السكان العرب". 

وذكر أن "دبلوماسيين غربيين ومسؤولين سعوديين شرحوا له كيف أن كل هذه الرياح السياسية المعاكسة تعصف اليوم في معارك عربية سيئة تدور رحاها في وسائل التواصل الاجتماعي العربية حول قضية فلسطين. وكان هذا صحيحا بشكل خاص بعد أن أعرب الأمير محمد، في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز في أيلول/ سبتمبر، عن حماسه بشأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل إذا كانت ستتحرك نحو حل مع الفلسطينيين".

وذكر "مثالا على ذلك قرار السعودية المضي قدما في 28 تشرين الأول/ أكتوبر بمهرجانها الترفيهي والرياضي السنوي المعروف باسم موسم الرياض - والذي يتميز بمباريات رياضية يحضرها رياضيون بارزون على نطاق واسع وعروض لمغنيين وراقصين وفنانين عرب ودوليين - والذي تسبب ببروز حركات اجتماعية مؤيدة للفلسطينيين. وبدأ المؤثرون الإعلاميون إلى حد كبير من الكويت ومصر في مهاجمة السعوديين بسبب استمتاعهم بينما كانت غزة تحترق. وبدأت المنشورات التي تتناقض بين صور العروض الثقافية في الرياض والفلسطينيين الذين يتعرضون للقصف في غزة، في الانتشار، ما أثار انزعاجا كبيرا للسعوديين، الذين يشعر الكثير منهم بالغضب من مقتل العديد من المدنيين في غزة مثل أي عرب آخرين". 

وقال إن "صحيفة ديلي ميل أستراليا ذكرت أنه في مباراة تصفيات كأس العالم لكرة القدم في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر في الكويت بين المنتخبين الفلسطيني والأسترالي، نظم المشجعون الفلسطينيون احتجاجا على تصرفات إسرائيل في قطاع غزة. وفي الدقيقة السابعة من المباراة، رفعوا الأعلام الفلسطينية ولوحوا بأغطية الرأس الفلسطينية، والكوفيات، إشارة إلى بدء الحرب في 7 تشرين الأول/ أكتوبر - تاريخ هجوم حماس داخل إسرائيل". 

وقال فريدمان إن "أحد المسؤولين في السعودية أوضح له أن هذا الاحتجاج الذي وقع في الدقيقة السابعة لم يكن مجرد إعلان دعم لحماس، بل كان يُنظر إليه أيضا على أنه استهزاء بالسعوديين، حيث يلعب نجم كرة القدم البرتغالي كريستيانو رونالدو الآن مع فريق النصر السعودي. رونالدو يرتدي الرقم 7 – وبعد مرور سبع دقائق من بداية المباراة، يهتف مشجعو النصر له بشدة". 

وأضاف أنه "قبل أسبوعين، استضافت السعودية سباق القوارب التمهيدي الثاني لكأس أمريكا السابعة والثلاثين في نادي جدة لليخوت على ساحل البحر الأحمر، بينما كان قراصنة الحوثي من اليمن يهاجمون السفن المملوكة لإسرائيل في نفس البحر الأحمر وكان رجال الميليشيات الحوثية يطلقون الصواريخ على السفن المملوكة لإسرائيل. وبينما كان كل هذا يحدث في السماء وفي المحيط، قال صديق أمريكي لي كان يحضر سباق القوارب إن أحد مضيفيه السعوديين كان يوبخه بشأن الدعم الأمريكي لتدمير غزة. إنه أمر معقد". 

وذكر أنه "كان يسير في مركز الفيصلية التجاري يوم الاثنين، عندما خرج صاحب متجر في منتصف العمر من متجره للملابس النسائية ليلقي التحية. وتحدث عن جميع الفرص التجارية التي تم فتحها في السعودية. ومع ذلك، تحولت محادثتنا بسرعة إلى غزة، وأراد أن يتأكد من أنني أفهم أن العديد من السعوديين لا يدعمون حماس، لأن قتلها الجماعي للمدنيين واختطاف الأطفال في الحرب كان محظورا صراحة من قبل النبي محمد، وتم القيام بأمر من إيران". 

وأنهى الصحفي الأمريكي مقالته بما يسميه الخبر السار، وهو "أنه قبل بضعة أشهر، أجرت الحكومة السعودية استطلاعا خاصا لسؤال السعوديين عن شعورهم تجاه التطبيع مع إسرائيل، إذا تم ذلك في سياق الدعم السعودي لإقامة الدولة الفلسطينية. أخبرني مسؤول كبير أن سبعين بالمئة وافقوا على ذلك". واستدرك قائلا: "أما الخبر السيئ، فهو أنه بالنظر إلى الصور القادمة من غزة الآن، أضاف أن الحكومة لن تجرؤ على إجراء هذا الاستطلاع اليوم".