صحافة دولية

ماذا يعني انسحاب روسيا من معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا؟

اعتمدت معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا في تشرين الثاني/ نوفمبر 1990 بعد توقيع 22 دولة عليها- جيتي

نشرت صحيفة "إزفيستيا" الروسية تقريرا تحدثت فيه عن إعلان وزارة الخارجية الروسية في السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري إنهاء إجراءات الانسحاب من معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن روسيا علقت الوثيقة القانونية الدولية سنة 2007، لتصبح بين طيات التاريخ. وتنقل الصحيفة عن وزارة الخارجية أن "روسيا أنهت العمل بمعاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا دون ندم وكلها ثقة أنها على حق. كما أن الخبرة المكتسبة أثناء إنشائها وتنفيذها – الإيجابية والسلبية – ستؤخذ بعين الاعتبار".


فقدت اتفاقيتان أخريان تتعلقان بمعاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا نفوذها - اتفاقية بودابست المبرمة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر من سنة 1990 بشأن المستويات القصوى لتوافر الأسلحة والمعدات التقليدية للدول الست الأطراف في حلف وارسو، واتفاقية القوات المسلحة التقليدية في أوروبا المبرمة في الثالث من أيار/ مايو 1996. وقد أشار البيان أيضًا إلى استحالة إبرام اتفاقيات مع دول الناتو في مجال الحد من الأسلحة في الوقت الراهن.

ما هي معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا؟

اعتُمدت معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا في تشرين الثاني/ نوفمبر 1990 بعد توقيع 22 دولة عليها: ست دول من حلف وارسو (الاتحاد السوفييتي وبلغاريا والمجر وبولندا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا)، بالإضافة إلى 16 دولة في الناتو. وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ سنة 1992 واستمرت سبع سنوات. لكن على خلفية انهيار الاتحاد السوفييتي وتوسع حلف شمال الأطلسي على حساب رومانيا والمجر وبولندا السوفييتية سابقًا، تمت صياغة اتفاقية جديدة بشأن تعديل معاهدة القوات التقليدية في أوروبا سنة 1999.

مع ذلك، رغم توقيع حوالي 30 دولة على هذه الوثيقة، لم يتم التصديق عليها إلا في روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأوكرانيا. وبسبب عدم دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، حظي أعضاء التحالف بميزة على روسيا. وبحلول سنة 2007، أصبح الفرق واضحا بعد امتلاك 22 دولة من دول الناتو معدات أكثر مما هو محدد في الوثيقة، وانضمام بعض الدول المتحالفة السابقة إلى الحلف. وفي سنة 2007، فرضت موسكو قرارًا بوقف العمل بمعاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا على أمل إعادة الأطراف المقابلة إلى حوار متساوٍ.

ما هي القيود المفروضة على معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا؟

أوردت الصحيفة أنه في النسخة الأولى فرضت معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا قيودًا على عدد المعدات العسكرية في أوروبا وفقًا لخمسة معايير: الدبابات والمركبات المدرعة والمدفعية ذاتية الدفع والطائرات والمروحيات لحلف شمال الأطلسي ودول حلف وارسو. وقد تعهدت كل كتلة بتخفيض كمية المعدات العسكرية، بما لا يزيد عن 20 ألف دبابة و30 ألف عربة مدرعة، فضلاً عما يصل إلى 20 ألف منظومة مدفعيّة. وقد تم تخفيض الطيران العسكري بما لا يزيد عن 6.8 آلاف طائرة وألفي طائرة هليكوبتر لكل وحدة.

تعهّدت الدول بتزويد لجنة فيينا العسكرية والشركاء في المعاهدة بمعلومات عن الترسانات وحركة القوات والمعدات، وكذلك قبول وتنفيذ عمليات التفتيش وغيرها من تدابير الرقابة المتبادلة الموضّحة في الوثيقة. بموجب ذلك، يمكن لممثلي أي دولة الحضور والتحقق من توفر الأسلحة وفهم ما إذا كانت كمية المعدات تتوافق مع الطلبات المقدمة.

افترضت اتفاقية سنة 1999 المعدّلة أن القيود ستؤثّر على البلدان وحدها لا الكتل. وعليه، كان من المفترض أن تكون الحصة الروسية 6.3 آلاف دبابة و11.2 ألف مدرعة، و6.3 آلاف منظومة مدفعية و3.4 آلاف طائرة و855 طائرة هليكوبتر.

لماذا انسحبت روسيا؟



أفادت الصحيفة بأن الأعضاء الجدد في حلف شمال الأطلسي، الذين انضموا إلى الكتلة في عامي 1999 و2004، لم يصدّقوا على المعاهدة. وبعد سنوات من الانتظار واستمرار التحالف نفسه في التوسّع نحو روسيا، قررت قيادة البلاد في سنة 2007 الإخلال بالتزامات الاتفاقيات في المقام الأول من حيث المراقبة وتفتيش القوات. وكحل وسط، اقترحت روسيا إلغاء القيود التي كانت تمنع حشد القوات العسكرية في مناطق معينة.

في آذار/ مارس من سنة 2015، وسط تدهور العلاقات مع أوكرانيا، علّقت روسيا مشاركتها في اجتماعات المجموعة الاستشارية المشتركة بشأن معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا، وبالتالي أنهت التفاعلات الأخيرة بموجب الاتفاقية.

وفي أيار/ مايو من سنة 2023، ندّد مجلس الدوما الروسي بالاتفاق رافضا رسميًا تنفيذ الاتفاقيات الواردة في الوثيقة وبهذا تدفن واحدة من آخر المعاهدات العسكرية مع حلف شمال الأطلسي. يهدف الانسحاب من المعاهدة في سنة 2023 إلى تحييد اختلال توازن القوات المسلحة التقليدية بين كتلة شمال الأطلسي وروسيا، الذي تفاقم بعد طلبات فنلندا والسويد الانضمام إلى الناتو وعلى خلفية إمداد أوكرانيا بالأسلحة.

نقلت الصحيفة عن نائب رئيس مجلس الأمن في روسيا دميتري ميدفيديف أن الانسحاب من معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا سيسمح لها بنشر الأسلحة حيثما تحتاج دون إعلام أي طرف بذلك، كاشفا عن نية روسيا زيادة إنتاج الأسلحة والمعدات العسكرية.

أوضح نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف أن إجراءات الانسحاب من معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا ستستغرق حوالي ستة أشهر. ووفقا له، يتم إرسال إشعار الانسحاب من المعاهدة قبل 150 يوما من الموعد المتوقع للانسحاب، وينبغي عقد مؤتمر خاص للدول الأطراف في معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا في الأسابيع الثلاثة المقبلة.

في العقد الماضي، انهارت البنية التحتية الأمنية الأوروبية، التي أنشِئت بصعوبة بالغة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي بعد انسحاب الولايات المتحدة من معاهدتي الحد من الصواريخ الباليستية والصواريخ النووية متوسطة المدى، مما اضطر روسيا إلى الانسحاب من معاهدة ستارت في شباط /فبراير من سنة 2023، ومن معاهدة القوات التقليدية في أوروبا في أيار/مايو. ومن بين الاتفاقيات الأساسية مع الغرب، لم يتبق سوى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.

أما بالنسبة لمعاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا، فإن المحادثات حول بدائل هذه المعاهدة تنشأ بوتيرة معينة. وبينما يدرك زعماء الدول أن الاتفاقيات مطلوبة، تستمر النخب الغربية في محاولة فرض رؤيتها على روسيا.

في سنة 2023، لم يكن هناك حديث عن بديل لمعاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا. وحسب خبير الشؤون العسكرية فيكتور ليتوفكين، "لن يكون هناك اتفاق آخر، لأنه يمكن إبرام اتفاقيات بين دول متساوية في الإمكانات القتالية وتثق ببعضها البعض. واليوم، تعتقد الولايات المتحدة أنها متفوقة على الجميع من حيث القدرة القتالية، وتريد السيطرة على الآخرين ولا تريد السيطرة عليها".

وأوضح ريابكوف أن إمكانية ظهور بديل اتفاق مطروحة مشيرا إلى أنه بعد انتهاء تفاقم العلاقات مع الغرب، سيتخلى الغرب عن سياسته العدائية ويبحث من الناحية المفاهيمية عن أساليب أخرى.