سياسة عربية

برنامج الغذاء العالمي لـ"عربي21": الوضع في قطاع غزة كارثي وخطير

الماء والغذاء أصبح شحيحا في غزة- جيتي
حذر برنامج الغذاء العالمي في تصريح خاص لـ"عربي21"، من كارثة خطيرة وشيكة قد تحل بقطاع غزة، جراء الحصار المطبق الذي تمارسه دولة الاحتلال، بالتزامن مع عدوانها المتواصل الذي خلف دمارا هائلا وخسائر غير مسبوقة في الأرواح والممتلكات.

ويعاني القطاع من أزمة إنسانية وصفت بالكارثية، وذلك بفعل النقص والانقطاع الحاد في الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية ومياه الشرب، والوقود اللازم لتشغيل مولدات الكهرباء في المستشفيات.

وكان أحدث تأثير لانقطاع الوقود توقف المستشفى الإندونيسي الاثنين، فيما تقترب بقية المستشفيات من الوصول لنفس المصير، ما يعني تضرر الآلاف من المرضى والجرحى، وعلى رأسهم مرضى الفشل الكلوي والسرطان وغيرهما من الأمراض المزمنة.

وكان الناطق باسم وزارة الصحة في غزة أشرف القدرة، قد أعلن الثلاثاء عن "انهيار تام للمنظومة الصحية في مستشفيات قطاع غزة"، وقال القدوة، إن "بقاء أبواب المستشفيات مفتوحة لا يعني أنها تقدم الخدمة لطوفان الجرحى المتدفق عليها".

ولفت القدرة إلى أن "الانتهاكات الإسرائيلية ضد المنظومة الصحية أدت إلى استشهاد 65 من الطاقم الطبي، وتدمير 25 سيارة إسعاف وخروجها عن الخدمة".

وأكد القدرة "خروج 12 مستشفى و32 مركزا صحيا عن الخدمة، ونخشى من خروج المزيد خلال الساعات القادمة بسبب الاستهداف ونفاد الوقود".

وعلى الرغم من أن هناك اتفاقا بإدخال شاحنات مساعدة يومية لقطاع غزة، لسد احتياجاته، فإنه في يوم الثلاثاء لم يدخل أي شاحنة بعد حتى ساعة كتابة هذا التقرير.

ووفقا لمدير الإعلام بمعبر رفح وائل أبو محسن، فإن "54 شاحنة دخلت خلال ثلاثة أيام فقط، موزعة بالشكل التالي؛ اليوم الأول 20 شاحنة، والثاني 14، وأما الثالث 20 شاحنة، بينما لم يدخل يوم الثلاثاء أي شاحنة بعد".

وأوضح أبو محسن خلال حديثه لـ"عربي21"، أن "هذه الشاحنات تحتوي على أغذية وأدوية ومياه، ويتم تفتيشها في معبر كرم أبو سالم، علما أنه كان يدخل للقطاع قبل الحرب 500 شاحنة يوميا".

وأكد "أن ما دخل لا يكفي نهائيا، وهي كميات قليلة جدا، وهذه الكميات لا تكفي بشكل نهائي لسد احتياجات سكان القطاع في الأيام العادية، فكيف بأيام الحرب".

أوضاع بائسة وكارثية
من جهتها، قالت ريم ندا، المتحدثة باسم برنامج الغذاء العالمي، إن "الأوضاع في غزة يائسة، وكارثية، حيث بدأ الغذاء والماء بالنفاد، كذلك أماكن إيواء النازحين مكتظة للغاية، إضافة لأن عدم وجود الوقود أدى لانقطاع الكهرباء، ولهذا فالخدمات الصحية تنهار".

وأكدت ندا خلال حديثها لـ"عربي21"، أن "الصراع الحالي أدى إلى تعطيل شبكات إنتاج وتوزيع الغذاء بشدة في غزة والضفة الغربية أيضًا، كذلك أصبحت مياه الشرب شحيحة للغاية".

وأوضحت أنه "على مستوى المتاجر الصغيرة، المخزونات التجارية من السلع الغذائية الأساسية تنخفض بشكل خطير، ولن تكفي المخزونات إلا لبضعة أيام إضافية، حيث أفادت نصف المتاجر بأن المخزون لديها سينفذ خلال بضعة أيام".

وأضافت: "لا يستطيع تجار التجزئة إعادة التخزين من تجار الجملة بسبب الدمار واسع النطاق وانعدام الأمن، كما أن انقطاع التيار الكهربائي يُنذر بخطر تلف المواد الغذائية".

ولفتت إلى أن "عددا قليلا من المخابز تعمل؛ بسبب نقص الوقود والكهرباء، رغم توافر دقيق القمح، ومن بين مطاحن الدقيق الخمس في قطاع غزة، تعمل مطحنة واحدة فقط".

وقالت ندا إن "العديد من المخابز التي تعاقد معها برنامج الأغذية العالمي من أجل توفير الخبز وتوزيعه في أماكن إيواء النازحين لم تعد تعمل بعد نفاد الوقود لدى معظمهم، حيث تعمل في اليوم 4 مخابز من بين 23 مخبزا تعاقد معها البرنامج بسبب نقص الوقود".

وأوضحت أن "تلك المخابز القليلة المتبقية تعمل بـ 6 أضعاف طاقتها المعتادة للوفاء بالاحتياجات الكبيرة للخبز، كما تم قصف أحد تلك المخابز الأربعاء الماضي، ما حرم مئات الأشخاص من الخبز الذي كانوا يحصلون عليه في أماكن الإيواء".


انعدام الأمن الغذائي

وكما ذكر أبو محسن، فقد دخل يوم السبت فقط 20 شاحنة، على الرغم من أن احتياج القطاع أكثر من ذلك بكثير، واحتوت هذه الشاحنات على كميات قليلة من الماء والغذاء والأدوية، تكاد لا تسد الرمق.
وازدادت المطالب من مصر بضرورة فتح معبر رفح وإدخال شاحنات المساعدات المنتظرة هناك، وعدم الالتفات لقرار الاحتلال الإسرائيلي، خاصة أن هناك مخاوف من تلف الأغذية والأدوية نتيجة عدم تخزينها في أماكن مخصصة ومعدة لذلك. 

ريم ندا، المتحدثة باسم برنامج الغذاء العالمي، قالت، "رحبنا ووكالات أخرى بأخبار وصول أول قافلة إنسانية إلى غزة عبر معبر رفح يوم السبت، وقد احتوت القافلة على مساعدات أساسية مثل الطعام والماء والأدوية، ومع ذلك، من الضروري التذكير بأنه على الرغم من أن هذه خطوة إيجابية أولى، فإنها بعيدة كل البعد عن تلبية الاحتياجات العاجلة للسكان في غزة".

وأضافت: "منذ ذلك الحين، تم تحقيق بعض التقدم في تنسيق توصيل المساعدات بالتعاون مع الهلال الأحمر المصري ووكالات الأمم المتحدة، وعلى الرغم من أن كميات صغيرة من المواد الأساسية التي تنقذ الأرواح تصل يوميًا إلى غزة، فإنه يجب التأكيد على أن المساعدات المقدمة لا تزال غير كافية بشكل كبير مقارنة بالاحتياجات المتصاعدة للسكان، حيث قارنها بعض الأشخاص بقطرة في المحيط، وهو وصف دقيق للأسف".

وأكدت أن "المفاوضات من أجل توصيل المساعدات بشكل مستمر ومستدام ما زالت جارية، ويعمل العديد من الشركاء الإنسانيين ووكالات الأمم المتحدة والهلال الأحمر المصري بجد لضمان تنفيذ هذا الأمر يوميًا".

وتابعت: "مع ذلك، فإن التأكيد على تنفيذ ذلك ليس ممكنًا إلا عند منح الضوء الأخضر، وما أستطيع قوله أننا جاهزون، حيث لدينا أكثر من 40 شاحنة على الحدود في انتظار الموافقات على دخولها، وهناك العديد من الوكالات الإنسانية الأخرى التي تملك أيضًا أعدادًا كبيرة من الشاحنات في الانتظار".

ونبهت إلى أنه "قبل بدء هذه الأزمة كان ثلث الفلسطينيين تقريبا يعانون في الأساس من انعدام الأمن الغذائي، كما أن مستويات انعدام الأمن الغذائي عالية بين السيدات، حيث تعاني 63.3 في المئة من العائلات التي تعولها سيدات في قطاع غزة من انعدام الأمن الغذائي بالفعل".

وأكدت أنه "مع ما ذكرناه من وضع إمدادات الغذاء في القطاع وقلة كميات المساعدات التي يتم السماح بإدخالها للقطاع، فإن الوضع اليوم من المفترض أن يكون أسوأ بكثير".

تفاقم الأزمة الإنسانية
وحول تأثير انعدام الغذاء وغيره من المواد الأساسية، قالت ندا: "من المؤكد أن تعطيل شبكات إنتاج وتوزيع الغذاء وقلة وبطء الإمدادات التي يتم إدخالها للقطاع، يفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع، ويزيد من معاناة المدنيين".

وكانت سلطات الاحتلال الإسرائيلي قد رفضت إدخال الغذاء والماء والكهرباء على قطاع غزة، وهددت بقصف أي شاحنة تعبر معبر رفح، وقامت بقصف المعبر، ما يساهم في تعطيل وصول المساعدات للقطاع.

وعن ما يفعله برنامج الغذاء العالمي للتنسيق مع الاحتلال والسلطات المصرية لإدخال هذه المساعدات، قالت ريم ندا، إن "البرنامج يفعل كل ما بوسعه لتوصيل المساعدات الغذائية إلى المتضررين في غزة بمجرد سماح الظروف بذلك"، مؤكدة أن "البرنامج لديه إمدادات غذائية مخزنة بالقرب من حدود غزة، ويمكن إرسالها بمجرد منح الوصول إلى الحدود".

وأشارت إلى أن "البرنامج لديه أكثر من 930 طناً مترياً من المواد الغذائية المخزنة بالقرب من الحدود المصرية مع غزة، وهذا يكفي لإطعام أكثر من 400 ألف شخص لمدة أسبوع واحد".

وأكدت أن "برنامج الأغذية العالمي يرحب بفتح معبر رفح لإدخال المساعدات الإنسانية، كذلك يدعو لإتاحة الدخول عبر المعبر بشكل مستمر ومستدام للوصول إلى الناس داخل غزة، حيث إن قوافل المساعدات التي عبرت منذ بداية الأسبوع حاملة طعام وإمدادات أخرى، هي مجرد قطرة في محيط من الاحتياجات الضخمة للناس هناك".

يُذكر أن الاحتلال الإسرائيلي شن هجوما واسعا على قطاع غزة، بعد بدء حركة حماس في 7 تشرين أول/ أكتوبر معركة طوفان الأقصى، ويقصف الاحتلال بشكل يومي منازل المدنيين.

ولم يقتصر القصف على المنازل، بل طال المستشفيات أيضا، حيث قصف ساحة مستشفى الأهلي المعمداني، والتي كان يتجمع فيها نازحون هاربون من القصف شمال القطاع، وأدى ذلك لاستشهاد 500 شخص وإصابة العشرات.

ورفض الاحتلال الاعتراف بمسؤوليته عن قصف مستشفى المعمداني، وساهم الدعم الغربي له -سواء الرسمي أو الإعلامي- بتجنب تحمل مسؤولية قصف المستشفى، ما ساهم بجعله يزيد من مجازره اليومية، والتي تسببت باستشهاد تقريبا 400 شخص يوميا منذ قصف المستشفى.

وارتفع عدد شهداء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إلى 5791، بينهم 2360 طفلا.