أفكَار

منهجية إدارة الخلاف في التعامل مع الفقه السياسي للصحابة.. وجهة نظر

يصعب اليوم أن نلج حقل تفكيك الخلاف الذي يخترق الأمة، وتأصيل سبل إدارة الخلاف داخلها، دون مطارحة قضية منهجية التعامل مع الخلاف السياسي للصحابة.. (عربي21)
لم يبرح الكتاب والمفكرون ومن بعدهم السياسيون في العالم العربي، وتبعهم في ذلك الغربيون المتقدمون والمتأخرون، في البحث عن أسباب تخلف العرب والمسلمين في القرون الأخيرة، وتراجع أدوارهم الحضارية، في الخلفية الدينية، وتحميل الإسلام والرعيل الأول من المسلمين مسؤولية التأسيس لمنطق الغلبة في حل الخلاف بين قادة المسلمين..

ومع أن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، كما يقول العلامة ابن خلدون، فإنه في الحالة الإسلامية تحول إلى صورة نمطية يسعى خصوم الإسلام والمسلمين إلى إلصاقها بخاتمة الأديان، وتحميله مسؤولية ليس فقط تخلف العرب والمسلمين، بل ووصل حد القول بتحميله مسؤولية العنف الذي يلجأ إليه بعض الساسة لحل خلافاتهم مع خصومهم..

اليوم يناقش الكاتب والباحث المغربي في شؤون الفكر الإسلامي الدكتور بلال التليدي "ما ورد في ورقة الكاتب والباحث الليبي إبراهيم الهنغاري التي نرناها هنا في "عربي21"، ضمن ملف يعيد فتح ملف أدب الخلاف في الإسلام..


انقسام مذهبي حاد

تعاني الأمة الإسلامية من انقسام عقدي ومذهبي حاد، أخذ مدى طويلا في الزمن، وتوارثته الأجيال منذ لحظة الفتنة (مقتل الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه) وتعمقت أكثر مع معركتي الجمل وصفين، إذ تفجر ـ على خلفية حادث التحكيم وما تلاه ـ العمران الاجتماعي والسياسي والمذهبي للأمة ببروز الشيعة والخوارج (الروافض) وانتصار جزء من الأمة للأطروحة الناصبية (الدفاع عن دولة بني أمية)، وانفصال القيادة العلمية لأهل السنة والجماعة عن القيادة السياسية، واحتفاظها بمواقف تميل أكثر إلى وحدة بيضة الأمة دون  تزكية  الاستبداد السياسي.

وقد انعكس هذا الخلاف الذي كان أصله سياسيا، على مختلف التشكيلات الثقافية والمعرفية والعلمية والتراثية، فتأثرت حقول الفقه والأصول والحديث والكلام به، بل حتى التاريخ نفسه، فقد تم إعادة قراءته بوحي من هذا الخلاف، بما في ذلك التاريخ الذي سبق نشأة الصراع، فحاولت كل فرقة أن تعيد التأريخ لذاتها، وتؤصل وجودها، من خلال الاعتماد على العهد النبوي وما تضمنه من نصوص في حق الأصحاب، تم تأويلها وإعادة توجيهها للهدف التأسيسي للمذهب (الوصية بالنسبة للشيعة)، ثم بالتركيز على واقعة اجتماع السقيفة والخلاف الذي نشأ بين المهاجرين والأنصار حول  الأحقية بالخلافة، إذ حولت بعض الفرق هذا الحدث بملابساته والنصوص التي أُثِرَت فيه عن بعض الصحابة خاصة أبي وعمر رضي الله عنهما إلى مادة للطعن فيهما، واتهامهما بالتواطؤ على اختطاف الخلافة من المستحق الشرعي لها، أي علي ابن أبي طالب، الذي كان منشغلا مع أهل البيت النبوي بتجهيز النبي عليه السلام ودفنه.

وتبعا لذلك، صار التراث المعرفي للامة مادة خلافية بامتياز، لا تكاد تقرأ جزئية من جزئياته في أي حقل من الحقول المعرفية، إلا وتلمس أثر الخلاف السياسي في تفسيره، والأسوأ من ذلك، أن جزءا من الفقهاء من الفريقين، السني والشيعي، ترك عددا من الأقوال المذهبية التي تشهد لها أصول المذهب وتسندها وقاعده، لمجرد أنها تتفق مع ما عليه الفريق الخصم، وذلك حتى يحدث الفرز الواسع، وتحدث القطيعة، ويصير من الصعب تصور أي لقاء على أي مستوى من المستويات الفقهية أو الأصولية أو الحديثية أو الكلامية أو حتى ما يتعلق بعلوم القرآن الشكلية التي تضبط القراءة والرسم.

ومما عزز الخلاف، وزاد في تعميقه أن الصدمة الحضارية التي تعرضت لها الأمة، والاستعمار الغربي الذي جثا على رقعتها الجغرافية الواسعة، دفع جزءا من نخب الأمة المتأثرة بالتجربة النهضوية الغربية إلى التماس مادة الخلاف السياسي التاريخي بين مكونات الأمة، وإعادة قراءة حدث الفتنة على أساس أنه التعبير عن أزمة العلاقة بين الدين والسياسة، لكي تؤسس  لفكرة تلازم النهضة بالعلمنة والقطيعة مع الدين ودوره في الفضاء العام،  فكرست جزءا من اهتمامها الفكري لقراءة الخلاف السياسي للصحابة، وتفسير الخلافات التي اخترقت فرق الأمة العقدية على أنه من آثار توظيف الدين في السياسة، مع أن مقاومة  الاستبداد السياسي في تاريخ الأمة كان دائما في جبهة علماء الأمة الذين احتفظوا بالقيادة العلمية، ومورست عليهم جميع أشكال الإقصاء كي يتركوا الفضاء العام، أو على  الأقل يهجروا منطقة التأثير في السياسة والحكم، ويبتعدوا كليا عن أي دور يندرج ضمن الاشتباك مع الشرعية السياسية.

ولذلك، يصعب اليوم أن نلج حقل تفكيك الخلاف الذي يخترق الأمة، وتأصيل سبل إدارة الخلاف داخلها، دون مطارحة قضية منهجية التعامل مع الخلاف السياسي للصحابة، ونقد القراءات السائدة التي هيمنت على المشهد الثقافي، واقتراح معالم في الاعتدال المنهجي في التعامل مع هذا الإرث الضخم من الخلاف العقدي والفقهي والأصولي والكلامي والسياسي.

في نقد القراءات المتعصبة.. إرث الغلاة الشيعة والمتطرفين السنة

لقد كان أبو الأعلى المودودي جريئا أكثر من غيره في قراءة حدث الفتنة، وتفسير الانكسار التاريخي الذي حدث في عروة الحكم، والتحول الذي وقع في النظام السياسي للأمة من الخلافة الراشدة إلى الملك، لكن جرأته، كانت أكبر حينما أعاد قراءة مفهوم "عدالة الصحابة"، وناهض فكرة تحويلها إلى عصمة في السلوك والموقف والتقدير السياسي، ولم يتردد في كتابه "الخلافة والملك" في مناقشة اجتهادات الصحابة وتقديراتهم السياسية الخاطئة، دون أن يسقط في خانة المجرحين للصحابة، وربما كان محمد بن المختار الشنقيطي في كتابه "الخلافات السياسية بين الصحابة"،  أكثر منهجية حينما حرر مفهوم "عدالة الصحابة"، وأبعده عن حقل التقدير السياسي واعتبره مفهوما إجرائيا صاغه علماء الحديث (علماء مصطلح الحديث) وحصروا فاعليته في دائرة النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، دون الامتداد إلى مجال السلوك والتقدير السياسي.

ولم يكن سيد قطب رحمة الله عليه، حين كتب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" معنيا مطلقا بفكرة "عدالة الصحابة" وإسقاطاتها، فناقش أخطاء عثمان السياسية، وتقريبه لأقربائه وأهل قبيلته، وأثر ذلك في إثارة النقمة عليه، دون أن يسقط في تجريحه أو الطعن في مواقفه وسلوكه وتقديره السياسي.

يصعب اليوم أن نلج حقل تفكيك الخلاف الذي يخترق الأمة، وتأصيل سبل إدارة الخلاف داخلها، دون مطارحة قضية منهجية التعامل مع الخلاف السياسي للصحابة، ونقد القراءات السائدة التي هيمنت على المشهد الثقافي، واقتراح معالم في الاعتدال المنهجي في التعامل مع هذا الإرث الضخم من الخلاف العقدي والفقهي والأصولي والكلامي والسياسي.
وقد تابع الشيخ عبد السلام ياسين منهج المودودي، وكتب كتابا صغيرا بنفس عنوان كتابه، أي "الخلافة والملك"، وانتصر لفكرة الانكسار التاريخي الذي حدث في الأمة، وسقوط عروة الحكم، وتحول النظام السياسي من خلافة إلى ملك، بل إنه كرس معظم كتاباته، لتفسير حديث تحول الحكم من الخلافة إلى الملك العاض، ثم إلى الجبر، واعتبر في كتابه: "نظرات في فقه التاريخ" أنه لا يمكن الخروج من الأزمة التي تعاني منها الأمة دون  تفكير من خارج شروط الأزمة، أي التفكير بتحرر من الدائرة الصراعية التي نشأت بسبب هذه الفتنة، وأرخت بظلالها على كل الحقوق المعرفية  والعقدية والمذهبية.

كما قام غير واحد من العلماء المدققين في حقل التاريخ بتصحيح كثير من الأخطاء في رواية غلاة الشيعة أو في رواية بعض المتطرفين من أهل السنة النواصب، وألحوا على فكرة إعادة قراءة الروايات التاريخية وتمحيصها والتفريق بين منهج المؤرخين الآثاريين ومنهج المحدثين المنضبط لقواعد الجرح والتعديل في قبول الرواية أو رفضها.

واستقرأ محمد بن المختار الشنقيطي في كتابه السابق (الخلافات السياسية بين الصحابة)، من تراث شيخ الإسلام ابن تيمية، خاصة كتابه "منهاج السنة"، معالم منهجية مهمة في التعامل مع خلاف الأصحاب انتصر فيها لفكرة الاعتدال المنهجي، وفكرة العدل والإنصاف في التعامل مع أطروحات الفرق العقدية والسياسية والمذهبية في مختلف الحقول المعرفية.

وإذا كان هذا هو حال من انتبهوا إلى المخاطر التي يشكلها هذا الإرث التاريخي الضخم من الخلاف، فإن أخطر ما يجعل مهمة إدارة الخلاف مستعصية أو مستحيلة، هو تزكية القراءات المتعصبة، وإعادة تثويرها ونشرها، وإعطائها سندا معرفيا جديدا، وتجاوز كل الأطر المنهجية التي نبه إليها العلماء، مما يصلح اطارا لرسم معالم إدارة صحية للخلاف بين مكونات الأمة.

وتتربع على عرش هذه القراءات المتعصبة قراءة غلاة الشيعة، الذين قاموا في الحقيقة بجهد ضخم في إعادة تأسيس المذهب وتأصيله، بل وإعادة تأويل كل التراث الإسلامي بمختلف حقوله المعرفية لخدمة أطروحتهم، فأولوا النصوص الشرعية، وأعادوا قراءة النص القرآني وفسروه بما يدعم مقولاتهم، بما في ذلك تبني تفسيرات باطنية إشارية بعيدة لا تتحملها اللغة ولا السياق، فقط لإدانة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وإدانة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها،  فذكرت بعض تفاسيرهم أن المقصود بذبح  البقرة  في سورة البقرة هي عائشة رضي الله عنها! مع أن السياق يخص بني إسرائيل وقوم موسى عليه السلام،  وأغفلوا أو غيبوا كل  النصوص التي وردت عن علي كرم الله وجهه في الثناء على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وتأولوا أقوالا لعمر رضي الله عنه على غير وجهها، فتأولوا قوله يوم السقيفة عن سعد بن عبادة "قتله الله" بأنها تعبير عن رغبته في قتله، وأنه مارس هذا الاغتيال في فترة خلافته، لما اختار سعد بن عبادة رضي الله عنه مغادرة مقر الخلافة إلى الشام، وسخروا من روايات بشأن موته، مدعين بأن الرواة نسبوا للجن قتله، للتغطية على فعلة عمر، مع أن أقصى ما تورده الروايات التاريخية أنه مات في مغسله، واخضر  لون جسده، ولم يشر أحد من المؤرخين إلى قتله، بل  ساير الرواة رواية تدخل الجن في  وفاته، جريا على عادة العرب في تأويل ما يحدث للمرء عند دخوله  المغسل أو الخلاء من موت أو إصابة بعاهة أـو شلل من تعرض الجن له.

ومما يؤخذ على رواية غلاة الشيعة، أنهم حاولوا مد جذور الخلاف السياسي إلى فترة سابقة بكثير عن فترتها الحقيقية، فلم يعهد عن علي كرم الله وجهه أن ناصب أبا بكر وعمر وعثمان العداء أو الكراهية، وثبت أنه أثنى عليهم جميعا، فقال عنهم كما ورد في "نهج البلاغة": "إن الله تعالى اجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، فكان أفضلهم في الإسلام، وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة وخليفة الخليفة، ولعمري إن مكانهما في الإسلام لعظيم، وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد، فرحمهما الله وجزاهما أحسن ما عملا!

وذكرت أن عثمان كان في الفضل تاليا، فإن يك عثمان محسنا فسيجزيه الله بإحسانه، وإن يك مسيئا فسيلقى ربا غفورا لا يتعاظمه ذنب إن يغفره"، ومع ذلك نجد غلاة الشيعة يقرأون حدث السقيفة على أساس أنه تآمر خفي وتواطؤ بين أبي بكر وعمر على نزع شرعية الحكم من علي الذي كان منشغلا مع أهل بيته في تجهيز ودفن النبي عليه السلام، وأيضا على  إبعاد سعد بن عبادة عن حقه في الشورى لنيل منصب الخلافة، وإسنادها لأبي بكر، وفسروا الاستناد إلى فكرة القرشية بأنها  بداية التحول من إعمال السنة (التي تقتضي إسناد الحكم لمن يستحقه أي علي بحسب قولهم بالوصية) وبين إعمال الاعتبارات القبلية  الجاهلية، التي تعطي الشرعية للقبائل القوية على حساب القبائل التي لم يكن لها وزن كبير (الإمارة في قريش).

وفي مقابل هذه الرواية المتعصبة، هناك رواية أخرى، فضل محمد بن المختار الشنقيطي أن يسميها برواية التشيع السني، ونسب الفقيه ابا بكر بن العربي إليها لاسيما في كتابه "العواصم من القواصم"، التي حاول فيها تكذيب كل الروايات التي تنسب الخطأ في الاجتهاد والتقدير السياسي للصحابة، ونقل فكرة "عدالة الصحابة" إلى عصمة تبرر كل أخطائهم، وساوى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما مع ما بينهما من التفاوت في السابقة وفي الخيرية، وجعل من التعرض للصحابة  قضية عقدية كبرى، وألحق بها مناقشة اجتهاداتهم وتقديراتهم السياسية، فصارت أطروحة الكتاب أشبه ما تكون بصك تبرئة لهذه الاجتهادات والتقديرات ومانعا من التبصر بأسباب الأزمة داخل الأمة، وطرق ا استشراف حلها وإدارة الخلاف داخلها.

ويلحق بالقراءة المتعصبة لغلاة السنة، قراءة النواصب، وهي الفرقة الأجدر بتسميتها غلاة السنة، وهي التي كانت تذهب في الاتجاه المعاكس لقراءة الشيعة، وتبالغ في تسفيه معتقداتهم وعلمائهم ورواياتهم وفقههم، بل اتخذت من مخالفتهم عقيدة أصلية بديلا عن عقيدة الأمة، فحولت عاشوراء إلى لحظات فرح وسرور وتسلية فقط لأن الشيعة يتخذونها لحظات حزن وتذكار للألم والمصاب التاريخي،  وتركوا الجهر بالبسملة فقط لأن الشيعة يفعلون ذلك، واتهموا كثيرا من علماء السنة بالتشيع وألحقوا بهم ضررا بليغا لمجرد أنهم انتصروا في بعض الأحكام الشرعية لأقوال تقول بها الشيعة، فتعرض الشافعي والنسائي والطبري وابن حبان وغيرهم، لمحنة الاتهام بالتشيع، لمجرد أن الناصبة وجدوا في بعض أقوالهم الجزئية ما يتفق مع ما ذهب إليه الشيعة،  فقاموا فألبوا العامة عليهم إلا من شهد له من العلماء  بالبراءة من التشيع، وأخذت السلطة السياسية بشفاعتهم كما حصل للإمام الشافعي.

ودون الإطالة في متعلقات هذه الرواية المتطرفة، التي ساهم في ترويجها النواصب وفرضوا ضغطا سياسيا ومصادرة فكرية على العلماء من أجل تحصين معتقداتهم ومذهبهم من الالتقاء في أي نقطة مع الشيعة، فإن النقد لها، كما النقد لمقابلتها من رواية غلاة الشيعة لا تتطلب مجهودا كبيرا، فبعضها يكذبه البحث التاريخي والمقارنة بين الروايات والتي تكشف بوضوح أثر الوضع  والتدليس فيها، وبعضها تكذبه السنة النبوية نفسها التي شهدت بفضل الصحابة كلهم، وذكرت فضل كل واحد على حدة، وميزته بميزته، وبعضها الآخر،  كذبه العلماء المحققون، الذين انتصروا للحق والعدل والإنصاف في تعاطيهم، دون أن يأخذهم في ذلك الانتصار للمذهب أو الفرق.

في منهجية إدارة الخلاف بين مكونات الأمة.. الحاجة إلى الضوابط المنهجية في التعامل مع الخلاف السياسي للأصحاب

أورد محمد بن المختار الشنقيطي عددا مهما من الضوابط التي من شأنها أن تعين في فهم الخلافات السياسية بين الصحابة، وتساعد في التزام قواعد لإدارة الخلاف بين مكونات الأمة، وذكر منها ضابطا مهما، يتطلب أن نتوقف عنده قليلا، وهو ضابط التمييز بين المثاليات الطهرانية وبين الحقائق التاريخية والواقعية، وبيان ذلك مأن عددا من الكتابات، تضع في كفة القيم والمبادئ القرآنية، وتضع في الكفى المقابلة الأحداث التي جرت في السقيفة، وتخلص إلى أن الممارسة كانت بعيدا عن المبدأ والقيم، وأن انحرافا كبيرا قد وقع في منظومة القيم، هو الذي فجر الخلاف داخل مكونات الأمة، وترى هذه الكتابات تبعا من ذلك، أن القيم التي تربى عليها الصحابة هي الإيمان والشورى والاستقامة، بينما الذي تحكم في حسم الصراع في حدث السقيفة، هو القبلية والتواطؤ في اقتسام المنصب على التوالي، ونزع الحق من مستحقيه ممن لهم أهليته. ومثل هذا التفسير حديث حالم عن عصر النبوة، وما كان فيها من تنافس على الخير، وتفضيل الغير على النفس، ونكران للذات وإيثار للتقوى الورع على ملذات الدنيا، وأنه مع وفاة النبي عليه السلام، وقع الانقلاب في القيم لجهة حب الدنيا والمنصب وحب الزعامة والرئاسة.

والحقيقة أن هذين التفسيرين معا مسكونان بكثير من الطهرانية المثالية، وخاليان تماما من تقدير الاعتبارات الموضوعية. ففي لحظة السقيفة، لم يكن الإجماع حاصلا كما كان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، كما فرق بين الحادثين خلو منصب الخلافة، وحاجة الأمة لمن يسوسها، فاحتاج النظر إلى تحديد الأحق بها، والمؤهلات التي ترجح هذا عن ذاك، فلم يكن التدين حاسما في الأمر، ووضع السبق للإسلام مقابل النصرة، فلم تقو كفة المهاجرين على كفة الأنصار، فاحتيج مع ذلك إلى مستند يتم به الترجيح، فقدم كل واحد من الفريقين مستنده، وآل الجميع إلى مستند القرشية بوصفها عصبية معينة على تدعيم شرعية الحكم إلى جانب التدين والسابقة في الإسلام والفضل والقرب من النبي صلى الله عليه وسلم. فاتضح من مجموع ما دار بين الصحابة أن النقاش كان واقعيا، يتوسل بالمرجحات التي تحتاجها شرعية الحكم، وحاجة الأمة إلى الاستقرار، بعد أن لم يحسم التدين والسبق والنصرة في الأمر، ولبس كما يطرح المثاليون، الذين يتصورون أن معيار التدين والقرب والانتساب هو المعيار الحاسم (البيت النبوي)، أو اعتبروا أن النصرة أقوى من السبق، وما إلى ذلك من المرجحات التي لم تصمد في التداول بين الصحابة والتماس رأي أغلبهم.

وأولى الضوابط بالاعتبار مما لم يطرحه الشنقيطي، ولم يدقق الشيخ عبد السلام ياسين في بيان مفهومه، ما نطرحه من عدم تعدية فترة الخلاف إلى التاريخ السابق له، فأصل الخلاف، الذي تفجرت فيه فرق الأمة كان في فترة خلافة  علي، وتحديدا بعد مقتل  عثمان رضي الله عنه، فالأولى، أن لا تقرأ الفترة التي قبله بقراءة مسكونة  بالخلاف الذي سبقها، فالجزء الأكبر من تراث غلاة الشيعة مرتبط بهذه القراءة، والعقبة الأكبر  أمام إدارة الخلاف بين مكونات الأمة، هو ما يرتبط بسب الصحابة والطعن في نواياهم وعدم اعتبار فضلهم وسابقتهم في الدين ونسبة اجتهادهم وتقديرهم السياسي لفكرة التآمر.

وأما ما عدا ذلك مما يرتبط بأحداث حصلت في فترة ولاية علي، وخاصة معركة صفين ومعركة الجمل، فالأنسب فيها، التمييز بين ما كان حرب فتنة، وما كان حرب بغي، إذ لا يستقيم بحال استثمار خطأ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في التقدير السياسي، وخروجها على علي، لتحويلها مع الصحابيين الجليلين الزبير وطلحة رضي الله عنهما، إلى  أعداء للإسلام تعلق بهم كل الأزمات التي تمر منها الأمة، مع أن الثابت تاريخيا، أن عائشة أم المؤمنين رجعت عن خروجها بعد أن سألت عن المكان الذي نبحت عليها الكلاب فيه، فقيل لها "الحوأب"، فعلمت أنها المعنية بحديث للنبي صلى الله عليه وسلم، فقررت الرجوع عن خروجها، وكذلك الأمر بالنسبة للزبير وطلحة رضي الله عنهما اللذين  رجعا عن خروجهما لولا أن  فئة من خارج  الفريقين هاجمت معسكر علي ومعسكر الزبير فظن كل فريق منهما بغدر أحدهما بالآخر، فنشبت الحرب وراح ضحيتها الزبير وطلحة، وقد ثبت في الروايات من ثناء علي  عليهما أمام جثتهما بما لا يدع حجة لغلاة يبررون بها السب والذم فيهما والتعريض بما فعلاه رضي الله عنهما بخطأ في التقدير.

وأما معركة صفين، فشأن آخر، فسرته نصوص السنة التي تحدثت عن الفئة الباغية، فلم يتردد أحد من علماء الأمة أن المقصود بها جماعة معاوية ومن معه، مع تفصيل بينهم بين ما كان قبل التحكيم، وما كان بعده على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة.

ولو كان ميسورا في هذا المقال أن أثبت كل الضوابط التي وضعها محمد بن المختار الشنقيطي واستقرأها من تراث شيخ الإسلام ابن تيمية في التزام الاعتدال المنهجي والتعامل بمقتضى العدل والإنصاف في تقويم الروايات والأقوال والمواقف والمذاهب في هذا الشأن لما ترددت في ذلك نظرا لفائدتها العظمية، لكن حسب هذا المقال أن يشير إلى أهمها، فقد سبق أن أشرنا إلى فكرة تمحيص النقل والرواية، واستصحاب فضل الأصحاب، وتدقيق مفهوم "عدالة الصحابة"، والتمييز بين المثاليات  والحقائق الموضوعية، والابتعاد عن السب والقدح والشتم، وما يلازمه من اتهام بالكفر أو النفاق، فوجب أن نضيف إليها ضوابط أخرى أكثر أهمية تتعلق بفهم الطبيعة المركبة للفتن، والتركيز على العوامل الداخلية للصراع، وعدم التغطية عليه باستحضار مؤامرات خارجية (رواية تضخيم دور عبد الله سبأ)، ومحاولة إبعاد العقيدة عن ساحة الخلافات السياسية التي تدور ضمن دائرة الاجتهاد والتقدير السياسي.

خاتمة

هذه مجرد معالم لإدارة الخلاف تتذيلها نماذج تشير إلى بعض مظاهر الأزمة، وتحتف بها قواعد في النظر المنهجي، ترفع شعار العدل والإنصاف في التعامل مع الأحداث والوقائع والأقوال والموقف، وتقيد بمقتضى الأمانة العلمية والصرامة في التعامل مع المرويات، وتقترح إعادة قراءة فترة الخلاف بمنظور واقعي موضوعي، يتحرر من شروط الأزمة ومنطقها في التفكير، وتروم وضع حدود أدنى لسقف الخلاف، مع بسط القواعد الأساسية لإدارته. وتيسير شروط حوار منتج بين مكونات الأمة، ولم لا، تأسيس أرضية لتقارب حقيقي غير مطبوع بشكليات التوظيف السياسي.

إقرأ أيضا: قراءة موجعة ومؤلمة وقاسية لكتاب التاريخ العربي-الإسلامي.. رأي من ليبيا