اقتصاد عربي

"النزيف مستمر".. الليرة السورية تسجل أدنى مستوى لها أمام الدولار

تراجعت الليرة السورية إلى أدنى مستوى لها - جيتي
واصلت العملة السورية انخفاضها مقابل العملات الأجنبية، مسجلة خسائر متسارعة منذ عيد الأضحى، حيث اقتربت من حافة الـ10 آلاف ليرة مقابل الدولار الأمريكي الواحد.

وفي أسواق دمشق وحلب، بلغ سعر الدولار الواحد 9750 ليرة، وهو السعر الذي لم يسبق لليرة أن سجلته في تاريخ سوريا.

وعزت مصادر "عربي21" نزيف الليرة المستمر إلى التخبط في السياسات الاقتصادية من جانب مصرف سوريا المركزي، الذي فقد أدوات التأثير المالية.

اقتصاد الظل
ويرجع الخبير الاقتصادي فراس شعبو، انهيار الليرة إلى فقدان حوامل العملة وتراجع الصادرات وتوقف الإنتاج المحلي وخروج مناطق الثروات عن سيطرة النظام، ويقول: "من الطبيعي أن تنهار الليرة؛ لأن اقتصاد الظل والاقتصاد غير المشروع، هو المسيطر على الحالة الاقتصادية السورية".

ويقول لـ"عربي21": يمكن كذلك الإشارة إلى أنه من بين الأسباب التي أدت إلى تراجع الليرة، خيبة الأمل بالتطبيع السياسي "العربي" مع النظام السوري، موضحا: "كان التعويل على انتقال تأثير التطبيع السياسي إلى الشق الاقتصادي، لكن يبدو أن عدم تقديم الأموال للنظام قد أحدث ردة فعل سلبية بين التجار والمستثمرين".

وبحسب شعبو، فإن بقاء الاقتصاد السوري على حاله، أنتج حالة من الاعتقاد الواسع بأن الاقتصاد السوري لن ينتعش مجددا، وخاصة مع توارد الأنباء عن توجه النظام نحو بيع مرافق الدولة الاستراتيجية مثل مطار دمشق، وقال: "مع فقدان القنوات الداعمة لليرة، بات مصرف سوريا المركزي مضطرا للحاق بسعر السوق السوداء".

والخميس، كان مصرف سوريا المركزي قد خفض مصرف سعر صرف الليرة أمام الدولار الأمريكي للحوالات الشخصية للمرة الثانية في يومين، ليصل السعر إلى 8 آلاف و500 ليرة عن كل دولار، بزيادة مقدارها 100 ليرة سورية عن النشرة الصادرة الأربعاء، أي قبل يوم واحد.


عجز اقتصادي وانشغال الحلفاء
من جهته يشير الخبير الاقتصادي محمد حاج بكري إلى عجز الموازنات المالية، وعدم القدرة على الاستدانة بسبب انشغال روسيا وإيران بالمشاكل الداخلية والأوضاع الاقتصادية المتردية.

ويوضح لـ"عربي21" أن روسيا تعاني من العقوبات الغربية على بنوكها، إلى جانب الاستنزاف في أوكرانيا، وتمرد مليشيا "فاغنر"، أما إيران فمصرفها المركزي تحت سطوة العقوبات، وصادراتها مراقبة، ما يعني استبعاد احتمال الاستدانة من روسيا وإيران.

كذلك، بحسب الحاج بكري، لا يستطيع النظام الاستدانة من المصرف المركزي السوري بسبب عدم توفر السيولة الأجنبية والذهب، مضيفا أنه "لم يبق أمام النظام لتغطية العجز سوى طرح سندات الخزينة، وهو ما يقوم النظام به بشكل متكرر، لكن في ظل استمرار تدهور الليرة وغياب الثقة بالدولة، صارت هناك حالة من العزوف عن شراء السندات، ومن ثَمّ انعدمت الإمدادات النقدية".

الخلافات بين أجنحة النظام وتراجع الحوالات
من جانب آخر، أشار الخبير الاقتصادي إلى ارتفاع وتيرة الخلافات بين أجنحة النظام السوري على مدار نحو عقد، وتحديدا الصراع بين عائلة الأخرس التي تنحدر منها زوجة رئيس النظام أسماء الأسد، وعائلة مخلوف أقارب الأسد، فضلا عن فقدان الثقة بالليرة السورية.

ومن بين الأسباب التي تفسر الخسائر الأخيرة، بحسب الحاج بكري، تراجع الحوالات الخارجية التي تصل من المغتربين واللاجئين السوريين.


مسيرة تراجع الليرة
ومنذ العام 2011 حيث اندلعت الثورة السورية، والليرة السورية تواصل تكبد الخسائر، في ظل شبه اتفاق على تحميل الحرب وتسخير النظام مقدرات الدولة لتمويل آلته العسكرية وإرضاء روسيا وإيران، مسؤولية تراجع العملة.

وقبل الحرب، كان سعر الليرة بحدود 50 ليرة مقابل الدولار الأمريكي الواحد، ومع انتهاء العام 2011 بدأت مسيرة الليرة بالتراجع، حيث سجلت الليرة في نهايته 60 ليرة أمام الدولار.

ولم ينته 2012 إلا وقد ارتفع الدولار إلى حدود الـ75 ليرة، وسجل العام 2013 تراجعا كبيرا؛ حيث ارتفع سعر الدولار إلى حدود 165 ليرة.

وفي العام 2014 واصلت الليرة الخسائر متجاوزة في نهاية العام حاجز الـ200 ليرة لكل دولار، ومع نهاية العام 2015 تضاعف سعر الدولار إلى نحو 400 ليرة، رغم إعلان روسيا عن تدخلها العسكري المباشر في سوريا.

ولم ينته العام 2018 إلا وقد تجاوز سعر الدولار حاجز الـ500 ليرة سورية، وفي العام 2019 لامس الدولار عتبة الألف ليرة، وكان العام 2020 قاسيا على الليرة، حيث قفز الدولار إلى 3 آلاف ليرة.
أما في العام 2021، بدأت الليرة مسيرة انفلات، مسجلة نحو 6500 مقابل الدولار، واستمر الحال في العام الحالي، حتى اقترب سعر الدولار الواحد من الـ10 آلاف ليرة.

ويحمل المراقب الاقتصادي منذر محمد السياسات التي اتبعها النظام منذ بداية الثورة مسؤولية تراجع قيمة الليرة، ويقول لـ"عربي21": "إلى جانب الحرب التي شنها النظام على شعبه، والتي أسهمت في استنزاف الاحتياطي النقدي، ساهمت هجرة الأموال وخاصة بعد فرض العقوبات الأمريكية والأوروبية على النظام في هبوط الليرة".

بجانب ذلك، يشير إلى دور أمراء الحرب والمليشيات في استنزاف الاقتصاد السوري، لافتا إلى "استحواذ إيران وبعدها روسيا على مقدرات الدولة".


تداعيات قاسية على السوريين
وأدى كل ذلك إلى تراجع القدرة الشرائية لدى غالبية السوريين، وزيادة المعاناة المعيشية، وانتشار البطالة على نحو كبير، وتفشي المخدرات.

ويقول الدكتور محمد حاج بكري؛ إن معدلات الفقر في سوريا تفوق الـ90 في المئة، حيث لم تعد الرواتب "متوسط الأجور نحو 13 دولار أمريكي"، قادرة على تغطية المصروف إلا ليومين أو ثلاثة.

ويؤكد أن "سوريا باتت مرهونة لروسيا وإيران، ما يعني أن مسيرة التعافي الاقتصادي ستكون طويلة جدا"، ويختتم حاج بكري بالإشارة إلى تحول سوريا إلى بلد إنتاج وتهريب المواد المخدرة.