صحافة دولية

هل يفاقم ملف كوسوفو الأزمات بأوروبا في ظل اشتعال أوكرانيا؟

أفراد من صرب كوسوفو يهاجمون بلديات للمسلمين- جيتي
قالت الكاتبة إيزابيل لاسير بمقال في صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، إن قضية صربيا وكوسوفو تمثل ملفا ساخنا آخر يواجه الأوروبيين بعد أوكرانيا.

وقالت الكاتبة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إنه منذ اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانتس فرديناند على يد قومي صربي في سنة 1914 في سراييفو -وهو حدث أغرق القارة الأوروبية في الحرب العالمية الأولى- ظلت البلقان بمثابة قنبلة موقوتة لأوروبا. اندلعت أحدث اضطرابات هذا الأسبوع، وقد أسفرت عن إصابة العشرات من قوات الناتو التي لا تزال تعمل كحاجز بين الأقلية الصربية الصغيرة في الشمال والأغلبية الألبانية الساحقة في هذه المقاطعة السابقة لصربيا.

منذ أن ساعدت قوات حلف الناتو سكان كوسوفو على التحرر من قمع الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوشيفيتش، الملقب بـ"جزار البلقان"، ومنذ إعلان الألبان استقلالهم في سنة 2008، لم يُعترف بها أبدًا، وظلت المنطقة أسيرة تاريخها المأساوي. وإذا كان فتيل الحرب منذ انفجار يوغوسلافيا في التسعينيات قد أشعل دائمًا من قبل الصرب الذين مثل الروس اليوم لم يقبلوا أبدًا خسارة "إمبراطوريتهم"، فإن الغربيين الذين يعملون كوسطاء في الحوار بين كوسوفو وصربيا مسؤولون جزئيًا عن معالجة الأسباب.


ونقلت الكاتبة عن خبير مجلس الشؤون الخارجية إنجلوش مورينا: "لقد أخطأوا في معاملة صربيا كلاعب حسن النية. لقد ارتكبت كوسوفو أخطاء، لكن تساهل الغرب في السياسة الخارجية (الصربية) المعادية للغرب هو الذي مهد الطريق لأعمال العنف الأخيرة".

منذ اغتيال رئيس الوزراء الديمقراطي الموالي لأوروبا زوران دينديتش في سنة 2003، انتشرت النزعة القومية مرة أخرى في صربيا، حيث شجعت السلطات صرب كوسوفو على تحدي سلطة بريشتينا. ورغم الاجتماعات المتعددة بين القادة الأمريكيين والرئيس الصربي الحالي ألكسندر فوتشيتش، فإن قضية كوسوفو لم تشهد حلاً. وحسب المتخصص، فإن "عملية الحوار كان محكوما عليها بالفشل دائما ما دامت العواصم الغربية الرئيسية لا تدرك أنها دعمت الجهة الخطأ".

منطقة رمادية وغير مستقرة

وأشارت الكاتبة إلى أن منطقة غرب البلقان بأكملها أصبحت بعد خمسة وعشرين سنة من الحروب في يوغوسلافيا السابقة منطقة رمادية وغير مستقرة. في البوسنة والهرسك، أدت اتفاقيات دايتون -التي أبرمت في سنة 1995 لتجميد الخطوط الأمامية دون حل المشكلة- إلى فصل هذا البلد الصغير إلى كيانين، أحدهما صربي والآخر كرواتي بوسني، غير قابلين للحكم، مع نظام معقد للسلطة يقضي بتقاسم السلطة بالتناوب، بدعم من صربيا وروسيا، لا يزال زعيم الكيان الصربي رئيس جمهورية صرب البوسنة، ميلوراد دوديك، يبدي نزعاته الانفصالية.


 وخلال السنوات الأخيرة، تجاهلت الدول الغربية دول غرب البلقان. في هذا الصدد، يقول الرئيس الحالي لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا وزير خارجية مقدونيا الشمالية بوجار عثماني: "في غضون سنوات قليلة، تراجعت شعبية الاتحاد الأوروبي من 90 إلى 59  بالمئة. إن التقدم البطيء يغذي إحباط السكان".

وذكرت الكاتبة أن مقدونيا من أجل الاقتراب من الاتحاد الأوروبي وافقت على تقديم تنازلات كبيرة، من بينها تغيير اسمها بناءً على طلب اليونان. تعليقًا على ذلك، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورزولا فون دير لاين: "لا يكفي القول إن الباب مفتوح أمام الدول المجاورة للاقتراب من الاتحاد، يتعين نشر الروح الأوروبية في وسطهم".

ساحة لعب للجهات الفاعلة غير الأوروبية

وأوردت أن الفراغ الذي خلفه الأوروبيون سدته قوى أخرى، على غرار روسيا والصين وتركيا، وذلك ما يظهره كشف الكرملين عن دعمه غير المشروط لصرب كوسوفو في الأحداث التي هزت المنطقة منذ بداية الأسبوع. وبهذا أصبحت صربيا، التي تدعم جمهورية صرب البوسنة، بيدقًا في الإستراتيجية المناهضة لأوروبا التي يتبعها الكرملين وبكين. وفي حين تنجز الصين استثمارات اقتصادية في المنطقة تفرض تركيا ثقافتها السياسية على الجانب الألباني. وبناء على هذه المعطيات، أصبحت البلقان ملعبًا لممثلين من خارج الاتحاد الأوروبي.

وحسب الكاتبة، أصبح الوضع منذ الأزمة الروسية الأوكرانية غير مقبول. وفي حين أضحت أوكرانيا ومولدوفا في محور اهتمامات أعضاء الاتحاد الأوروبي، يحبط الانطباع بالتخلف عن الركب البلقان، حيث تختمر صراعات جديدة محتملة، وانتشر الشعور بالذعر في عواصم معينة. حيال هذا الشأن، أورد وزير خارجية البوسنة والهرسك إلمدين كوناكوفيتش: "طيلة عشر سنوات، لم يحرك بلدي ساكنا، دون إنجاز إصلاح واحد يذكر. لكن بعد الحرب الروسية تغيرت سياسة توسيع الاتحاد الأوروبي، وبتنا نحتاج إلى يد المساعدة".

في غضون الأيام الماضية، أدرك الأوروبيون أنهم أمام قضيتين مشتعلتين تتطلبان الاستجابة السريعة، وليس قضية واحدة، وهو تحد كبير نادرا ما تعاملت معه أوروبا. من جانبه، يقول وزير الخارجية النمساوي ألكسندر شالنبرغ: "لا يمكن تأجيل النظر في قضية انضمام البلقان إلى الاتحاد الأوروبي إلى حين انتهاء الأزمة الأوكرانية دون تقديم أي شيء لهم. إذا انتظرنا حتى عام 2040 لدمج هذه الدول، فسنكون قد خسرنا المنطقة لصالح الصين وروسيا. الأمر لا يتعلق بأزمة إجرائية، بل بالإرادة السياسية".