حول العالم

لماذا هدد ملك إنجلترا هنري الثاني الفاتيكان باعتناق الإسلام؟

هنري الثاني كان من أقوى ملوك العالم في ذلك الوقت- تويتر
استعرضت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، تاريخ أحد ملوك إنجلترا، الذي هدد في يوم من الأيام بابا الفاتيكان، في القرن الثاني عشر عام 1168، باعتناق الإسلام والتخلي عن المسيحية.

ففي ربيع عام 1168، كتب هنري الثاني، ملك إنجلترا، إلى البابا ألكسندر الثالث. وفي حين أن المراسلات بين الملك والبابا كانت مسألة طبيعية إلا أن هذه الرسالة تحديدا لم تكن طبيعية لأن هنري هدد فيها باعتناق الإسلام.

وتقول دائرة المعارف البريطانية إن هنري الثاني وُلد في 4 مارس/آذار من عام 1133 في لومان شمال غرب فرنسا حاليا، وتوفي في 6 يوليو/ تموز من عام 1189 بالقرب من تورز، وقد حمل ألقاب دوق نورماندي (1150)، وكونت أنجو (1151)، ودوق آكيتاين (1152)، وملك إنجلترا (1154).

والده كان كونت أنجو ووالدته ماتيلدا، ابنة هنري الأول ملك إنجلترا. كان هنري قد نصب ماتيلدا خلفا له، لكن ابن عمها ستيفن استولى على العرش.

في بداية عهده، وجد هنري إنجلترا في حالة من الفوضى، وقد دمرت الحرب الأهلية وعنف كبار الإقطاعيين السلطة الملكية في البلاد.

وفي الأشهر الأولى من الحكم، قام الملك، بمساعدة مستشاره النشط والمتعدد المواهب توماس بيكيت، بضرب كبار الإقطاعيين المتمردين وقلاعهم، وبدأ في إعادة النظام إلى البلاد.

لكن بعد بضع سنوات، دخل في صراع مع بيكيت عقب توليه منصب كبير الأساقفة، وكان الخلاف حول الحق المزعوم لرجال الدين في أن يحاكموا في حالة ارتكابهم لجرائم من قبل محكمة كنسية.

واندلع الخلاف مع بيكيت، مستشار هنري الموثوق به والناجح في الفترة بين عامي 1154و1162، بعد فترة وجيزة من انتخاب بيكيت رئيسا لأساقفة كانتربري في مايو/أيار من عام 1162. وقد أسفر الخلاف عن قطع العلاقات تماما بينهما، كما أدى إلى توتر في علاقات هنري مع كل من ملك فرنسا لويس السابع الداعم لبيكيت، وبابا الفاتيكان ألكسندر الثالث.


كان هنري غاضبا عندما اكتشف أنه نصب متعصبا دينيا ولاؤه الأول للكنيسة وليس للعرش. كما غضب أيضا عندما استقال بيكيت من منصب المستشار بعد انتخابه رئيسا للأساقفة.

وفي محاولة لدفع الفاتيكان لإقالة بيكيت من منصب رئيس أساقفة كانتربري، جاءت رسالة هنري الثاني في عام 1168 التي هدد فيها باعتناق الإسلام.

كان هنري بالفعل على دراية بالإسلام، فقد درس أعمال بيتروس ألفونسي، طبيب جده هنري الأول، الذي كتب أقدم رواية موثوقة عن النبي محمد، وكذلك بطرس المبجل، الذي أمر بالترجمة الأولى للقرآن إلى اللاتينية.

إلى جانب الإسلام، كان هنري يتعلم اللغة العربية منذ سن مبكرة. لقد تلقى تعليما متميزا من علماء على دراية بالمعرفة "الجديدة" التي كانت تنبع من صقلية وإسبانيا والشرق الأوسط.

ولم تشهد أوروبا الغربية أبدا مثل تلك الفترة المثيرة من الناحية الفكرية خلال القرن الثاني عشر، وهي الفترة التي أُطلق عليها لاحقا نهضة القرن الثاني عشر، والتي غذتها إعادة اكتشاف المفكرين الكلاسيكيين لليونان وروما (خاصة روما بعد تحول قسطنطين للمسيحية)، والاتصال بالعالم العربي وتقاليده الفكرية الغنية في علوم الفلك والطب والموسيقى والهندسة المعمارية والرياضيات.

وقد استعان والدا هنري في تعليمه بأفضل المعلمين في أوروبا. وكان من بينهم العالم اللغوي الشهير أديلارد من باث، الذي كان له تأثير عميق على تعليم هنري. كان أديلارد قد سافر لمدة 7 سنوات إلى إيطاليا وصقلية وأنطاكية والساحل الجنوبي لما سيصبح فيما بعد تركيا، وكرس نفسه لـ "دراسات العرب". وقد اشتهر بترجماته من العربية إلى اللاتينية، وإدخال الابتكارات العربية في الرياضيات إلى إنجلترا وفرنسا.

واستمر اهتمام هنري بالثقافة العربية حتى بعد جلوسه على العرش حيث رحب بالعلماء العرب في بلاطه. وقد أعجب بالفنون الإسلامية كثيرا لدرجة أنه عندما بنى قصرا لعشيقته روزاموند كليفورد في وودستوك، قام بتقليد قصور صقلية حيث احتوى القصر على النوافير والساحات. وقد تم تدمير القصر في وقت لاحق، ولكن أسلوبه الغني بالزخارف العربية كان فريدا في شمال أوروبا.

وهكذا، كان هنري يعرف الكثير عن الإسلام والثقافة العربية عندما أرسل رسالته تلك في ربيع عام 1168 للبابا.

كان لدى الملك الكثير من التقدير للإسلام والثقافة العربية. ولكن ما الذي دفع هنري للقيام بالتهديد في المقام الأول؟ يمكن العثور على الإجابة في رسالة هنري حيث أخبر البابا ألكسندر بابا الفاتيكان أنه "سيقبل قريبا طريق نور الدين (سلطان حلب) بسبب ما يعانيه من سيطرة توماس بيكيت على كاتدرائية كانتربري".

لم يكن من غير المعتاد أن يوجه هنري التهديدات التي كانت أساسية لترسانته الملكية، ولكن هل كان هنري جادا؟ إنه لم يكن مجرد ملك إنجلترا، فقد كان أيضا دوق نورماندي وأكيتاين، وكونت مين وأنجو وتورين، ومالك مساحات شاسعة من فرنسا. كان أحد أقوى الرجال في العالم، حيث امتدت سطوته من الحدود الاسكتلندية إلى الشرق الأوسط حيث حكم أعمامه المملكة اللاتينية في القدس.

فمنذ عام 1097، كان الصليبيون الأوروبيون يقاتلون الجيوش الإسلامية في الشرق الأوسط ويتشبثون بإصرار بالأراضي التي استولوا عليها وهي مملكة القدس وإمارة أنطاكية ومقاطعات الرها وطرابلس، وكان يُنظر إلى المسلمين على أنهم أعداء العالم المسيحي.


ومن ثم لو كان هنري جادا في ذلك التهديد لكانت التداعيات في أوروبا في القرن الثاني عشر زلزالية.

لقد حدثت تحولات بين الإسلام والمسيحية خلال مئات السنين، لكن المتحولين لم يكونوا ملوكا أو ملكات. فما الذي كان سيحدث لو اعتنق هنري الثاني الإسلام؟

وفي الواقع لم يكن هنري الثاني يبدي اهتماما بالدين حيث انتقد المؤرخون افتقاره إلى التقوى، مدعين أنه كان يشعر بالملل في الكنيسة، فلا يجلس ساكنا.

لكن الحقيقة أنه أُعجب بالإسلام، فعلى عكس المسيحية، ليس فيه سلطة مركزية، ولا قوة فوق وطنية، حيث لا يوجد بابا مسلم يمنعه من إقالة رئيس أساقفته.

وقالت "بي بي سي" إنه من الواضح أن رغبته في أن يقيل الفاتيكان كبير الأساقفة بيكيت هي سبب ذلك التهديد.