سياسة عربية

ما تكلفة سحب فرنسا لقواتها من بوركينا فاسو.. وهل تستنجد بـ"فاغنر"؟

طالبت بوركينا فاسو فرنسا بسحب قواتها من البلاد - جيتي
شارفت المهلة التي قدمتها بوركينا فاسو لفرنسا بشأن سحب قواتها العسكرية المنتشرة في البلد الأفريقي على الانتهاء، وسط توقعات بتفاقم الأزمة بين البلدين خلال الفترة المقبلة.

وفي 18 كانون الثاني/ يناير الماضي، أعلنت بوركينا فاسو أنها طلبت "انسحاب القوات الفرنسية من أراضيها في غضون شهر"، حسبما ورد في رسالة رسمية من سلطات واغادوغو.

وورد في الرسالة الموجّهة من وزارة الخارجية في بوركينا فاسو إلى باريس، بتاريخ الأربعاء، أنّه "تُعلّق واغادوغو وتضع حداً كاملاً لاتفاق 17 كانون الأول/ديسمبر 2018 المتعلق بوضع القوات المسلحة الفرنسية في بوركينا فاسو".

وبموجب الاتفاقية السابقة التي أمضى عليها الرئيس البوركينابي السابق المقرب من باريس، يتواجد 400 من القوات العسكرية الفرنسية في البلاد من أجل مساعدة الحكومة على محاربة الجماعات المتشددة.

ويأتي قرار الحكومة بإيقاف الاتفاقية بعدما شهدت العاصمة واغادوغو، خلال الأشهر الفائتة، تظاهرات شعبية حاشدة طالبت بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي والفرنسي في البلاد، كان آخرها منذ أيام.

وجاءت هذه المظاهرات تعبيراً عن تنامي المشاعر المناهضة لفرنسا، الدولة الاستعمارية السابقة، لدى الشعب في الدولة الأفريقية التي تعاني بسبب حركات التمرد، وتتهم بشكل مباشر باريس بالمسؤولية عن التراخي في مواجهة المتمردين.

تصاعدت حدة التوتر في الأشهر الأخيرة بين باريس وواغادوغو، حيث تعتزم السلطة الجديدة، التي جاءت عقب انقلاب جديد في أيلول/ سبتمبر الماضي، تأكيد سيادتها بالقوة و"تنويع شركائها" في القتال ضد المتمردين.

كما بدأت فرضية التقارب بين بوركينا فاسو وروسيا في الظهور مع تصاعد التوترات مؤخرًا بين باريس وواغادوغو، حيث استهدفت مظاهرة احتجاجية سفارة فرنسا في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.

وفي كانون الأول/ ديسمبر الماضي، طالبت سلطات بوركينا فاسو برحيل السفير الفرنسي، لوك هالاد، الذي يتولى منصبه منذ نهاية عام 2019، بسبب تعليقات اعتبرت مسيئة. 

وتحدث هالاد عن "قراءة خاطئة" للوضع الأمني في بوركينا، خلال جلسة استماع لمجموعة الصداقة بين فرنسا وغرب أفريقيا في مجلس الشيوخ الفرنسي، طارحا فكرة "الحرب الأهلية" في البلاد، ما أثار احتجاج سلطات بوركينا فاسو.

كما تلقت الصداقة بين فرنسا وبوركينا فاسو ضربة قوية منذ الهجوم على التواجد الدبلوماسي الفرنسي في بوركينا في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، حيث قام المتظاهرون بإضرام النار في السفارة والمعاهد الفرنسية في العاصمة واغادوغو، وبوبو ديولاسو، ثاني مدينة في البلاد. 

وظهر في ذلك الوقت مصطلح "معاداة السياسة الفرنسية"، حيث تم التعبير عنه عدة مرات من قبل، حيث منع غاضبون في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 قافلة عسكرية فرنسية من التقدم في وسط شمال بوركينا فاسو.

وفي أعقاب العنف الذي تعرضت له المنشآت الفرنسية، قررت القنصلية العامة للسفارة تعليق معالجة طلبات التأشيرة على جوازات السفر الدبلوماسية وجوازات السفر الخدمية، وتوجيه المتقدمين من بوركينا فاسو إلى مزود خدمة خاص.

وفسرت السفارة الفرنسية ذلك بنهب مكاتب ومعدات القنصلية، قائلة في بيان إنه "لن يكون من الممكن بعد ذلك التقدم بطلب للحصول على تأشيرة أو استلام جواز سفر من القنصلية العامة".

"أزمة أمنية غير مسبوقة"

وفي تفسير للأوضاع التي تعيشها البلاد، قال الصحفي البوركينابي، وباحث الدكتوراه في الدراسات السياسية في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس، دنوما اسماعيل تراوري، إن بوركينا فاسو تعرضت  منذ 2015-2016 لأزمة أمنية غير مسبوقة. 

وفي تصريح لـ"عربي21"، أوضح أن الأزمة بدأت في مقاطعة سوم في منطقة الساحل، قبل أن تنتقل إلى عدة مناطق أخرى من البلاد، قائلا: "حتى الآن، أكثر من 40 بالمئة من الأراضي تفلت من سيطرة الدولة".

وأضاف: "خلال سبع سنوات من الحرب ضد الإرهاب، تم تسجيل عدة آلاف من القتلى المدنيين والعسكريين، ونزح ما يقرب من مليوني شخص داخليًا، وهناك مئات الآلاف من الأشخاص المحرومين من الرعاية والتعليم".

وأعرب تراوري عن تفهمه لطلب قائد الجيش إبراهيم تراوري من الجيش الفرنسي الانسحاب من البلاد، قائلا إن "شعب بوركينا فاسو يتحرك منذ عدة سنوات للمطالبة بسيادة حقيقية وتحرير أنفسهم من الهيمنة الإمبريالية". 

وتابع: "لم يتبع الكابتن إبراهيم تراوري إلا مطالب الشعب. ليس لأنه الأكثر شجاعة أو الأكثر اهتمامًا بمصالح الناس، بل لأنه ليس لديه خيار. الناس يطلبون أكثر فأكثر. لم يعودوا يريدون الهيمنة، وليس فقط فرنسا. لكن بشكل عام، فإنهم يرفضون أي هيمنة. إذا لم يسر الكابتن إبراهيم تراوري في هذا الاتجاه لكان في مشكلة مثل سلفه المقدم بول هنري سانداوغو داميبا. إذا رأينا عدم الثقة هذا في فرنسا بسهولة، فذلك لأنها القوة الإمبريالية المهيمنة في البلاد".



وعن سبب طلب بوركينا فاسو سحب قوة صابر، وهي كتيبة من القوات الخاصة التي تدرّب قوات بوركينا فاسو المتمركزة في كامبوينسين، على بُعد حوالي 30 كيلومترًا من العاصمة واغادوغو، قال تراوري إن ذلك "يحدث في سياق وطني خاص".

وأوضح: "المشكلة الأساسية للبلاد هي محاربة الإرهاب، وبينما تتمركز فرنسا من خلال قواتها العسكرية في بوركينا فاسو على أساس محاربة الإرهاب في منطقة الساحل، فإن الوضع يتدهور فقط".

"أما بالنسبة للسفير، فقد طلبت السلطات الانتقالية استبداله. لم يكن هناك مزيد من التفاصيل. لكن ما يمكن أن نتخيله هو أنه لم يعد هناك مناخ من الثقة بين الجانبين البوركينابي والفرنسي"، بحسب الصحفي.

في المقابل، اعتبر دنوما اسماعيل تراوري أن طلب سحب القوات الفرنسية واستبدال السفير لم يصدر عن شعور معاد للفرنسيين في بوركينا فاسو، قائلا: "شعب بوركينا فاسو يرفض سياسة فرنسا في بلاده، ولا علاقة لذلك بالمشاعر المعادية للفرنسيين". 

وأضاف: "الشعب لا يطالب بإغلاق المدارس الفرنسية أو المشاريع المختلفة التي تمتلكها الدولتان، لذلك فإن طلب رحيل الجنود الفرنسيين من بوركينا ليس معاديًا لباريس".

العلاقة مع روسيا وفاغنر

وعن إمكانية تعويض الجيش الفرنسي بعناصر من مجموعة "فاغنر" العسكرية، قال باحث الدكتوراه في العلوم السياسية إنه على الرغم من التقارب مع روسيا والشائعات عن احتمال وجود فاغنر في المستقبل في بوركينا فاسو، إلا أن السلطات الانتقالية أشارت بوضوح إلى أنها تعتمد فقط على القوات الداخلية. 

وأضاف: "هذا ما يبرر تجنيد المتطوعين، المساعدين في الجيش، أو ما يعرف بمجموعة المتطوعين للدفاع عن الوطن (VDP). كما قلت سابقًا، سياق بوركينا خاص. لم يقبل الشعب أبدًا التدخلات العسكرية الأجنبية على أرض بوركينا فاسو. لذلك سيكون من الصعب على السلطات افتراض وجود فاغنر".

وتابع: "في الحد الأقصى إذا تواصلت السلطات البوركينابية مع فاغنر فسيكون ذلك بتكتم شديد. حتى لو رأينا مجموعات صغيرة في الشوارع تطالب بالتدخل الروسي، فإنها تظل أقلية ولن تكون قادرة على فرض إرادتها".

وبشأن التقارب مع روسيا، قال تراوري إن "السلطة الانتقالية تتحدث عن تنوع الشراكات. ومعنى هذا التنوع، حسب رأيها، هو أنه لا يمكن لأي بلد أن يدعي أن لديه احتكارا في بوركينا فاسو".

وأضاف: "لقد رأينا تقاربًا مع روسيا، لكن ليس فقط مع موسكو، بل نرى أيضًا العديد من السفراء الذين يقدمون الدعم لبلدهم، مثل جمهورية التشيك وتركيا وكندا وإيران والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة".

لكنه لم يستبعد ذلك، قائلا: "التقارب مع روسيا يبقى ممكنا، حيث تيسره العلاقات القوية مع مالي، التي تتمتع بالفعل بعلاقات ممتازة مع موسكو"، بحسب الصحفي البوركينابي.

الجانب الاقتصادي

ويثير الانسحاب العسكري الفرنسي من بوركينا فاسو ومطالبة واغادوغو بتغيير سفير باريس لديها، مخاوف بشأن تأثير ذلك على العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

وتعتبر بوركينا فاسو ثامن أكبر زبون لفرنسا في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى و71 في العالم، حيث زادت الصادرات الفرنسية إلى بوركينا فاسو بنسبة 17.3 بالمئة على أساس سنوي،  في النصف الأول من عام 2020، لتبلغ 158.9 مليون يورو. 

وتعتبر الآلات الصناعية والزراعية هي عنصر المبيعات الرئيسي بالنسبة للسلع الفرنسية، حيث تمثل الصادرات الفرنسية 23 بالمئة من صادرات بوركينا فاسو.

ويشمل ذلك المنتجات الصيدلانية، والمنتجات الزراعية والغابات وصيد الأسماك وتربية الأحياء المائية وأجهزة الكمبيوتر والإلكترونيات، والمنتجات البصرية ومعدات النقل.

وبلغ تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر الفرنسي في بوركينا فاسو 16 مليون يورو في عام 2019، بانخفاض بمقدار النصف مقارنة بالعام الذي يسبق، بحسب الأرقام الفرنسية الرسمية. 

وتحتل بوركينا فاسو المرتبة السادسة بين البلدان من حيث تدفقات الاستثمار الفرنسي المباشر في أفريقيا جنوب الصحراء (مرتبطة بمالي)، حيث تتركز استثمارات الشركات الفرنسية في بوركينا فاسو بشكل رئيسي في الزراعة، وصناعة المواد الغذائية، والبناء، والخدمات المصرفية والتأمين، ومؤخراً الخدمات والاتصالات.

حل جمعية الصداقة
وفي السياق، أعلنت جمعية الصداقة الفرنسية البوركينابية، التي شيدت أكثر من 300 مدرسة في بوركينا فاسو لمدة 25 عامًا، عن وقف أنشطتها، بسبب "انعدام الأمن السائد في أرض الرجال الشرفاء، حيث لم يعد يسمح بإرسال المتطوعين إلى هناك لأنه لعدة سنوات، وقعت البلاد في دوامة من العنف المنسوب لمختلف الجماعات المسلحة"، بحسب بيان رسمي.



وفي تصريح لـ"عربي21"، قال رئيس ومؤسس الجمعية بول ديسوارت: "كنا فخورين جدًا بنتائج هذا الربع من القرن الذي شهد، على سبيل المثال، عودة الأحفاد، وهم أول تلاميذ التحقوا بالمدرسة منذ عام 1997، إلى مدارسنا في منطقة بانفورا، وهي مدينة يبلغ عدد سكانها 50 ألف نسمة، وتقع في مقاطعة كوموي الواقعة على بعد 450 كم جنوب غرب العاصمة واغادوغو".

وأوضح: "لقد بنينا 175 فصلاً دراسيًا، و68 مكان إقامة للمعلمين، و37 مرحاضًا، و44 متجرًا ومكتباً، وأربعة مقاصف، أي 328 مبنى تستقبل الآن 14 ألف طفل كل عام".

وتابع: "ولتحقيق ذلك، استثمرت جمعيتنا أكثر من مليون يورو، حيث يأتي التمويل من أرباح سوق واغادوغو التي تنظمها الجمعية كل عام بدعم من المدينة وبمساعدة من جمعيات خيرية أخرى".