مقابلات

خبير لـ"عربي21": مؤشرات على تقارب محتمل بين أمريكا والصين

.
قال الدبلوماسي اللبناني السابق والخبير في الشؤون الأمريكية، السفير مسعود معلوف، إن هناك بعض المؤشرات التي تشير إلى احتمالية وجود تقارب بشكل ما أو بآخر بين أمريكا والصين خلال الفترة المقبلة، ومنها تبادل الزيارات الرسمية على مستوى كبار المسؤولين في البلدين.

وأوضح معلوف، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، من المرتقب أن يقوم بزيارة إلى العاصمة الصينية بكين قبل نهاية شهر كانون الثاني/ يناير الجاري.

ولفت إلى أن "وزير الخارجية الصيني الجديد، تشين جانغ، كان قبل ذلك سفيرا للصين في واشنطن، أي إن له علاقات مع عدد من الشخصيات والفعاليات السياسية الأمريكية، ويعرف تفاصيل الحياة السياسية في الولايات المتحدة، وهذا ما يُمكّنه من تحسين العلاقات الثنائية وتطويرها، وقد يكون تعيينه قد تم فعلا لتحقيق مثل هذا التقارب بين الدولتين".

يشار إلى أنه تم تعيين تشين جانغ -الذي تولى منصبه كأعلى دبلوماسي في الصين خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي- وزيرا للخارجية خلفا لمستشار الدولة وانغ يي الذي قاد الدبلوماسية الصينية منذ عام 2013 حتى كانون الأول/ ديسمبر 2022.

وسابقا، شغل تشين (56 عاما) أيضا منصب المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، وتمت ترقيته إلى نائب وزير الخارجية في العام 2018.

وفي ما يأتي نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":


وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، صرّح قبل أيام بأن الصين هي أكبر تحد مشترك لواشنطن وطوكيو، وكذلك لحلفائهم وشركائهم.. فهل الصين باتت هي الخصم الأول والأكبر للولايات المتحدة؟

كانت الصين، في الماضي غير البعيد، بمثابة منافس كبير للولايات المتحدة. وفي عهد الرئيس السابق، دونالد ترامب، الذي فرض قيودا هامة على الاستيراد من بكين وتصدير التكنولوجيا إليها، فقد باتت الصين الخصم الأكبر للولايات المتحدة وإلى حد ما لحلفائها أيضا، وخاصة اليابان.

وفي عهد الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن، زاد الخلاف الأمريكي-الصيني بعد زيارة رئيسة مجلس النواب السابقة، نانسي بيلوسي، في شهر آب/ أغسطس من العام الماضي إلى جزيرة تايوان التي تعتبرها الصين جزءا لا يتجزأ من أراضيها. عندئذ بدأت الصين بمناورات عسكرية في محيط  الجزيرة في تحدٍ واضح للولايات المتحدة التي تُعتبر الحامي الأكبر لهذه الجزيرة، ومنذ ذلك الحين فقد توترت العلاقات بين البلدين بشكل كبير.

كيف ترى أبعاد الدور الياباني في الصراع الأمريكي-الصيني؟

لقد بدأت اليابان، منذ فترة قصيرة، بتخصيص ميزانية متصاعدة الأرقام للتسلح والدفاع، وفي الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الياباني، فوميو كيشيدا، إلى واشنطن بتاريخ 13 كانون الثاني/ يناير الجاري، أكد الرئيس بايدن بعبارات شديدة الوضوح على أهمية واستمرار التعاون العسكري الأمريكي- الياباني، هذا مع العلم أن اليابان مستاءة جدا من المناورات الصينية في محيط جزيرة تايوان؛ إذ أن بعض القذائف تقع في المياه الإقليمية اليابانية.

كما أن التجارب الصاروخية التي تقوم بها كوريا الشمالية بمعرفة وعدم اعتراض الصين، تثير حفيظة اليابان وتؤثر سلبا على علاقتها غير الودية تاريخيا مع الصين؛ فالتحالف الأمريكي- الياباني القائم منذ فترة، والذي تطور مؤخرا إلى تحالف عسكري، أصبح الآن مُوجّها بصورة واضحة ضد الصين. وكما تستعمل الولايات المتحدة إيران كفزّاعة ضد دول الخليج العربي لحمل هذه الدول على التقرب منها تستعمل الصين كفزّاعة ضد اليابان للغاية نفسها.

كيف تأثرت العلاقات بين أمريكا والصين بالحرب الروسية في أوكرانيا؟

تتصرف الصين بحكمة في موضوع الحرب الروسية على أوكرانيا؛ إذ أنها مرتبطة مع موسكو بموجب "تحالف بلا حدود"، ولكنها في الوقت نفسه لا تدعم روسيا عسكريا كي لا تتعرض لعقوبات أمريكية صارمة تضر بتجارتها واقتصادها.

الصين تصوّت أحيانا مع روسيا في مجلس الأمن وتمتنع أحيانا أخرى عن التصويت، ولكنها تستفيد من استيراد البترول والغاز الروسي، وذلك يُشكّل مساعدة اقتصادية لروسيا في ظل العقوبات المفروضة عليها من الدول الغربية التي خفضت إلى حد كبير استيرادها للطاقة من روسيا. هذه المساعدة الاقتصادية لروسيا من قِبل الصين تزيد من حدة التوتر بين هذه الأخيرة والولايات المتحدة، هذا مع العلم أن بكين لم تعترف بالادعاء الروسي بأن أوكرانيا هي جزء من أراضيها، وفي ذلك ما يريح الولايات المتحدة نسبيا.

الصين أعلنت موافقتها على التعاون مع أمريكا حول قضايا التغير المناخي، والذي يعتبر أول تعاون بين البلدين منذ زيارة نانسي بيلوسي إلى تايوان.. فهل تلك الخطوة يمكن أن تفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين؟

عندما زار الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، الصين عام 2014، تم الاتفاق على تعاون في مجال المناخ، وقد شكّل هذا التعاون الأمريكي- الصيني آنذاك القاعدة لما عُرف باتفاق باريس للتغير المناخي عام 2015. ولكن بكين فيما بعد أوقفت كل تعاون مع واشنطن بما في ذلك ما يتعلق بالمناخ. ثم حصل لقاء الرئيسين جو بايدن وشي جينبينغ في مدينة بالي الإندونيسية في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي على هامش اجتماعات قمة الدول العشرين، وقد كان النقاش بينهما صريحا حيث بقي كل فريق على موقفه بالرغم من اللياقات العلنية، إلا أنه حصل نوع من التوافق على تشكيل لجنة للتباحث في بعض المواضيع، ومن بينها موضوع التغير المناخي. قد يُشكّل هذا التعاون مدخلا لتحسين العلاقات في مواضيع أخرى، خاصة وأن هناك زيارة مرتقبة لوزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن إلى بكين قبل نهاية الشهر الحالي على الأرجح.

هل تستطيع أمريكا أن تتعايش مع الصين في ظل استمرار حكم الرئيس شي جين بينغ؟

أمريكا لا يمكنها إلا أن تتعايش مع الصين سواء في ظل حكم الرئيس الحالي شي جينبينغ أو أي رئيس غيره. ومهما كان التوتر السياسي كبيرا بين البلدين، هناك علاقات تجارية قوية بينهما، كما أن الصين تملك نسبة ملموسة من الدين الخارجي الأمريكي، ولها استثمارات كبيرة في مختلف الولايات الأمريكية؛ فالبلدين مرتبطين بنسيج من العلاقات لا يمكن إزالتها بسهولة.

ما هي أبعاد النفوذ الأمريكي والصيني اليوم في الشرق الأوسط؟ وأيهما أكثر تأثيرا في المنطقة؟
لا شك أن هناك تنافسا قويا بين الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ فالصين بحاجة إلى الغاز والبترول من دول الخليج العربي كما أنها بحاجة إلى الأسواق العربية لتصدير منتجاتها، وكذلك الولايات المتحدة رغم أنها أصبحت الآن أقل حاجة للبترول الخليجي، إلا أن هذه الأخيرة موجودة في المنطقة قبل الصين بعقود، وهي مرتبطة مع بعض دول الخليج باتفاقات عسكرية قديمة.

ولكن بالرغم من أن علاقة الولايات المتحدة مع العالم العربي عامة يشوبها انزعاج عربي من المواقف الأمريكية المؤيدة لإسرائيل بصورة عمياء، بينما الصين متعاطفة مع حقوق الشعب الفلسطيني. وبالرغم أيضا من أن العلاقات الأمريكية- العربية مرت بمراحل من الصعوبات، خاصة بعد حربي 1967 و1973، حيث قطعت المملكة العربية السعودية البترول عن الولايات المتحدة، إلا أن هذه العلاقات عادت لمجراها الطبيعي بعد فترة، ويبدو أن التأثير الأمريكي في الدول العربية بصورة عامة أهم من تأثير الصين في هذه الدول ربما لأن الولايات المتحدة دولة عظمى تلعب منذ زمن دورا كبيرا في معظم القضايا العالمية، وهذا ما يجعل بعض الدول العربية بحاجة إليها أكثر من حاجتها إلى الصين.

هل يستفيد العرب من التنافس الأمريكي-الصيني في أفريقيا والشرق الأوسط؟

لقد بدأت الصين اهتمامها بالدول الإفريقية منذ حوالى نصف قرن حيث وجدت مجالا هاما للاستثمار في البنى التحتية في عدد من الدول جنوب الصحراء، وقد حرصت على عدم التدخل سياسيا في شؤون هذه الدول، بل الاكتفاء بالعلاقات الاقتصادية معها، وهذا ما شجع دول إفريقيا على تعزيز علاقاتها مع الصين، وهذه العلاقات تطورت مع الوقت لدرجة أن للصين حاليا وجودا ملموسا في عدد من دول إفريقيا في الوقت الذي تجاهلت فيه الولايات المتحدة هذه المنطقة بعض الشيء، خاصة في عهد الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، الذي وصف الدول الإفريقية بعبارات نابية.

ولكن الرئيس بايدن يحاول الآن تعزيز علاقات بلاده مع إفريقيا، وقد نظّم قمة أمريكية- إفريقية في منتصف شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام المنصرم حضرها 49 رئيس دولة وحكومة إفريقية، كما تم تخصيص يوم كامل من هذه القمة للعلاقات الاقتصادية، ووعد بايدن باستثمارات ملموسة في مجالات عديدة، ولا شك أن في ذلك مسعى أمريكيا لمنافسة الصين في إفريقيا، وهنا تستطيع الدول العربية أن تستفيد من هذه المنافسة بين الدولتين الكبريين عبر تأمين مناخ استثماري مشجع لاجتذاب استثمارات من كل من هاتين الدولتين لتطوير البنى التحتية فيها، ولإنشاء المصانع التي تخلق فرص عمل وتؤدي إلى تصدير إنتاجها وكسب النقد النادر من هذه الصناعات. كما يمكنها الاستفادة من خبرة كل من هاتين الدولتين في تطوير الزراعة التي تساعدها على التقليل من استيراد المواد الزراعية والغذائية.

لماذا تُصرّ بعض دول الخليج على الانفتاح على روسيا والصين رغم ارتباطها بعلاقات قوية مع واشنطن؟

صحيح أن بعض الدول العربية، مثل المملكة السعودية والإمارات، مرتبطة مع واشنطن بعلاقات قوية لدرجة أن الرئيس الأمريكي السابق ترامب، بعد تسلمه الرئاسة بوقت قصير، قام بزيارته الأولى كرئيس خارج الأراضي الأمريكية إلى السعودية خلافا للتقاليد الرئاسية حيث تكون أول زيارة خارج البلاد إما إلى كندا أو بريطانيا، ولكن الرئيس بايدن، منذ حملته الرئاسية وحتى بعد تسلمه الرئاسة، وجّه انتقادات قوية إلى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، على إثر مقتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول، وقد أدى ذلك إلى بعض الفتور في العلاقات الأمريكية- السعودية؛ فبادرت المملكة إلى توسيع حلقة علاقاتها الدولية عبر تحقيق بعض التقارب مع كل من روسيا والصين، وقد يكون أيضا أحد أسباب تنويع العلاقات الدولية للبلدان الخليجية عائد لإمكانية روسيا والصين الضغط على إيران لتكون أقل عداءً مع هذه البلدان، ومن الناحية المنطقية المبدئية، من الأفضل لهذه الدول أن يكون لها علاقات جيدة مع مجموعة من الدول أوسع من الدول الكبرى بدلا من اقتصار علاقاتها في جهة واحدة.

ما هو مستقبل الصراع بين أمريكا والصين؟ وهل يمكن اندلاع مواجهة عسكرية بين البلدين؟

مما لا شك فيه أن الاقتصاد هو العنصر الأساسي الذي تبني عليه الدول سياستها وعلاقاتها الخارجية، والتنافس الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين سيبقى موجودا لفترة طويلة، خاصة وأن الصين مُرشحة لأن تأخذ مكان الولايات المتحدة كأول اقتصاد في العالم بعد أقل من عقد من الزمن. ومن هذا المنطلق، فإن السياسة الأمريكية تسعى إلى تأخير هذا الاستحقاق، ولذلك ستستمر بعض القيود الأمريكية على الاستيراد والتكنولوجيا الصينية، ولكن هذا التنافس وحتى الخصومة القائمة حاليا بين هاتين الدولتين لا يبدو أنها ستتطور إلى مواجهة عسكرية؛ فالصين، من الناحية العسكرية، أضعف نسبيا من الولايات المتحدة، وهي لم تبدأ بتطوير أسلحتها ومعداتها العسكرية إلا منذ فترة زمنية غير بعيدة، كما أن جيشها ليس له خبرة قتالية واسعة بعكس الولايات المتحدة التي خاضت حروبا في مناطق مختلفة من العالم، ولديها ترسانة عسكرية قوية ومتطورة. هذا مع العلم أنه لا يوجد أي مصلحة أمريكية لخوض حرب مع الصين، ولذلك أعتقد أن أيّة مواجهة عسكرية بين هاتين الدولتين غير محتملة الحصول في المستقبل المنظور.

برأيكم، كيف يمكن إنهاء الصراع بين واشنطن وبكين؟

بدل الاستمرار في الصراع بين هاتين الدولتين، قد يكون من المفيد أن تتعاونا في أمور كثيرة تعود بالنفع على شعبيهما وعلى العالم بأسره، وذلك مثلا في مجال التكنولوجيا المدنية مثل الاتصالات والطيران واكتشاف الفضاء الخارجي، كما يمكنهما تبادل الخبرات في مجالات الزراعة، والتوافق على كيفية التعاطي مع دول العالم الثالث بحيث تتكفل كل دولة منهما بمجال معين للاستثمار. هذا يتطلب طبعا إرادة مشتركة وتوقيع اتفاقات ثنائية في شتى المجالات.

كذلك من المفيد تبادل الزيارات الرسمية على مستوى كبار المسؤولين في البلدين على غرار الزيارة المرتقبة إلى بكين لوزير الخارجية الأمريكية، أنتوني بلينكن، ، وبالتالي فهناك بعض المؤشرات التي تشير احتمالية وجود تقارب بشكل ما أو بآخر بين أمريكا والصين خلال الفترة المقبلة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن وزير الخارجية الصيني الجديد، تشين جانج، والذي عُيّن في هذا المنصب منذ أسابيع قليلة، كان قبل ذلك سفيرا للصين في واشنطن، أي أن له علاقات مع عدد من الشخصيات والفعاليات السياسية الأمريكية ويعرف تفاصيل الحياة السياسية في الولايات المتحدة، وهذا ما يُمكّنه من تحسين العلاقات الثنائية وتطويرها، وقد يكون تعيينه قد تم فعلا لتحقيق مثل هذا التقارب بين الدولتين.