قضايا وآراء

فساد القضاء ودولة الضد.. مفاهيم ملتبسة (29)

الجهاز القضائي يجب أن يتسم بالحيادية والاستقلالية- جيتي
كما سبقت الإشارة فإن دولة الضد تصنع مؤسساتها على شاكلتها، ورأينا كيف أن المؤسسات في تلك الدولة تقوم بنقيض وظيفتها، ورأينا كيف أن مؤسسة العدالة باتت تقوم بدور في تمكين دولة الظلم، وترسخ الانتهاكات، وتبرر العسف بالقانون في كل مكان ومجال في مصر المحبوسة، ومن ثم فإنه وجب علينا أن نتحدث عن مفهوم العدالة ونبين قيمته ومكانته ودوره في بناء المجتمعات.

وقد أكد العديد من المفكرين أن العدالة هي أهم ركيزة حضارية في البناء والتنمية وأعظم أساس تقام عليه الدول والنظم. وهناك اتفاق على أن العدالة هي العمل وفقاً لمتطلبات القانون، سواءً ارتكزت هذه القواعد على الإجماع الإنساني والأعراف المجتمعية أو المعايير التأسيسية والقانونية، ذلك أن العدالة تصوُّر إنساني يُركز على تحقيق التوازن بين جميع أفراد المُجتمع من حيث ضمان الحقوق، وأداء الواجبات على مستوى المواطنين بوجه عام في إطار من التجريد والعموم.

ويمكن القول إن معنى العدالة وتأسيس الاستراتيجية المنوطة بها كركن من أركان الحكم الراشد الفعال إنما يقوم على شمول هذه الاستراتيجية، بدءا من تلك العدالة الإنسانية إعمالا لقاعدة المساواة العامة بين الأفراد والمواطنين من دون أي مدخل من مداخل التمييز، وهو أمر ترجم من ناحية سياسات العدالة إلى ما يمكن تسميته بالمساواة أمام القانون وبما يؤكد المبدأ التأسيسي من سيادة القانون.

كذلك فإن العدالة القضائية تشكل في حقيقة الأمر ركنا في هذه الاستراتيجية التي تتعلق بمرفق العدالة الذي ينهض بكل أمر يقوم بشأن العدالة في حياة الناس وعلاقاتهم، وهو أمر كذلك يرتبط بمعنى العدالة الحقوقية في إطار نظام منضبط للحقوق والواجبات بين عموم الناس والمواطنين، وبين الحاكمين والمحكومين.
أصيبت مؤسسة العدالة المصرية في مقتل حينما تمكن منها نظام الثالث من يوليو بصورة كاملة، وقد كان من نتائج ذلك أن وضع "مشروع العدالة في العالم" (ذا وورلد جاستيس بروجيكت) مصر في المرتبة الـ135، من بين 140 دولة، في مؤشر العدالة وسيادة القانون

ولعل هذا الأمر يربط استراتيجية العدالة كذلك بالمظالم التي تتعلق بالتوزيع والاقتصاد والثروة ضمن حالة الاستئثار التي تؤدي إلى عدم استقرار المجتمعات وافتقاد العدالة التوزيعية، بل إن مرور الدول بجملة من الأزمات أفرز الاهتمام بمسارات وسياسات في استراتيجية العدالة عبّر عنها هؤلاء الفقهاء والسياسيون بالعدالة الانتقالية، والتي تقوم على قاعدة رد الحقوق عند وجود نظام مستبد أو حروب أهلية أو غير ذلك من اضطرابات، فتنهض العدالة الانتقالية برد الحقوق وإعادة الاعتبار وجبر الأضرار.

إن هذه المعاني كلها إنما تعبر عن تكامل النظر في استراتيجية العدالة لمثل هذه الأنواع المختلفة فتشكل بذلك من خلال مؤسساتها والمرافق التي تتعلق بتمكين العدل والعدالة فيها، إلى كل ما من شأنه أن يحفظ الأمن الإنساني والاجتماعي ويؤكد على تمكين الاستقرار الحقيقي.

وقد أصيبت مؤسسة العدالة المصرية في مقتل حينما تمكن منها نظام الثالث من يوليو بصورة كاملة، وقد كان من نتائج ذلك أن وضع "مشروع العدالة في العالم" (ذا وورلد جاستيس بروجيكت) مصر في المرتبة الـ135، من بين 140 دولة، في مؤشر العدالة وسيادة القانون، وقامت دراسة هذا المؤشر على 8 نقاط تتمثل في: قياس القيود على سلطات الحكومة، وغياب الفساد، والحكومة المفتوحة، والحقوق الأساسية، والنظام والأمن، والإنفاذ التنظيمي، والعدالة المدنية، العدالة الجنائية. وقد ارتكبت منظومة القضاء في مصر ما يفوق الحصر من وقائع تناهض القانون، وتتنكر له.

وقد اضطلعت الهيئات القضائية المصرية بأدوار متنوعة للتمكين للانقلاب، بدءا من المحكمة الدستورية التي شكلت غطاء وستارا للانقلاب يبرر له شرعنة كاذبة، بل إن الأمر يصل إلى أن يتولى سدة الرئاسة للمحكمة الدستورية قاض من المحاكم العسكرية والتي أصلا لا شأن لها لا بالدستور ولا بالحياة المدنية، بل إن إنشاء المحاكم العسكرية في ذاتها ومد اختصاصاتها للحياة المدنية إنما يعبر عن مخالفة ومناقضة دستورية لا يمكن بأي حال من الأحوال قبولها ضمن الأطر الدستورية وأعرافها المحترمة والمعتبرة، مرورا بالدور الذي لعبه نادي القضاة، وصولا إلى الدوائر القضائية التي تم تشكيلها وفق هوى السلطة التنفيذية وبقرار منها، وقد ارتكبت هذه الدوار فظائع وفضائح لا يمكن تخيلها.

وقد أحكمت الأجهزة التنفيذية قبضتها على القضاء من خلال حزمة قوانين، من بينها قانون "تنظيم تعيين رؤساء الهيئات القضائية" الذي شرعن لرئيس الجمهورية أن يتخطى بند الأقدمية ويعين من يراه مناسبا من بين أقدم سبعة نواب. وقد أشار الحكيم البشري في حينه إلى أن "هذا القانون خطوة أساسية ودليل كبير على انتهاك السلطتين التنفيذية والتشريعية لاستقلال القضاء".

وكان الحكيم البشري قد نشر كتابا بعنوان "القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء" عام 2006، تحدث فيه عن ظاهرة استقلال القضاء المصري ومحاولة السلطة التنفيذية احتواءه، مبينا أن "السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل منذ أربعينات القرن العشرين تسعى دائما إلى الإحاطة بالهيئات القضائية وإسباغ وجوه من الهيمنة لها على هذه الهيئات بدرجة تزيد أو تنقص، وأن نادي القضاة -في ذلك الحين- بما يضمه من القضاة المصريين كان هو المؤسسة التي تمثل القطب لجذب أعضاء للقضاة، استقلالا عن وزارة العدل، وكان وجوده ونشاطه الرئيسي كفيلا بتحقيق درجة التوازن المناسبة للتحقيق الفعلي للاستقلال القضائي"، إلا أن الدور الذي بات يلعبه نادي القضاة في الوقت الحالي وغيره من المؤسسات القضائية في ظل نظام الثالث من يوليو يشوه تاريخ القضاء المصري ويقضي على وجوه الاستقلال فيه.

ومن الخطورة بمكان أن يكون مرفق العدالة على هذا النحو الذي يمكن للظلم والإجحاف ولا يقيم العدل والإنصاف، ذلك أن الأمر يصل بهذا المرفق خاصة في أجهزته الأولية التي تقوم بإجراءات التدقيق والتحقيق؛ إلى أن ترتكب أعمالا يندى لها الجبين، يتمثل ذلك في أجهزة النيابة العامة التي صارت تقوم بأعمال شديدة الخطورة، سواء في تجديد الحبس الاحتياطي أو في تمرير كل الانتهاكات التي ترتكبها الأجهزة الأمنية في حق المسجونين والمعتقلين، فضلا عن إجراءات التحقيق والاتهام التي تستند في النهاية على تلفيق القضايا للأبرياء في سياق الخضوع لاتهامات باطلة وأحراز ملفقة تقوم بها الجهات الأمنية المختلفة، خاصة أجهزة أمن الدولة التي تسمى زورا "الأمن الوطني".
دولة الضد في هذا المقام حينما قامت باختطاف المؤسسات فقد حرصت على أن تمكن لنفسها وأن تسيطر وتهيمن على الأجهزة القضائية، من جملة ما قامت بالسيطرة عليه وعسكرته

فالجهاز الذي يترأسه النائب العام ومع تصفح مواقفه شبه اليومية من البلاغات المختلفة التي ترد إلى جهازه ومن الأمور التي تتعلق بشكاوى المسجونين وأهاليهم، ليس إلا تبعا للسلطة التنفيذية والأمنية يحقق أهدافهما ويأتمر بأمرهما، ويؤدي ذلك إلى الظلم البين الذي يرتكبه هذا الجهاز في حق المواطنين، رغم أنه يسمى بـ"المحامي العام للشعب"، فهو عصا الحاكم لتأديب كل من تسول له نفسه أن يقوم بأي عمل أو يتفوه بقول ترى السلطة التنفيذية أنه ليس من مصلحتها أو يعبر عن شكل من أشكال معارضتها.

ومن ثم فإن دولة الضد في هذا المقام حينما قامت باختطاف المؤسسات فقد حرصت على أن تمكن لنفسها وأن تسيطر وتهيمن على الأجهزة القضائية، من جملة ما قامت بالسيطرة عليه وعسكرته، ومنحت جهات متعددة الضبطية القضائية لكل هؤلاء الذين يمثلون خدما للأجهزة التنفيذية والأمنية. كل تلك الأمور مثلت انتهاكا صارخا للدستور في صورة قرارات وقوانين هي في حقيقة الأمر لا تمت لأنظمة العدالة بصلة، ولكنها تمكن لأجهزة الاستبداد من القيام بالسيطرة على هذا المرفق فتوجه وظائفه إلى الضد والنقيض، فبدلا من أن تقوم بإشاعة كل ما يتعلق بقواعد العدل وسياسات الإنصاف، تمارس من خلال أجهزتها المتعددة كل ما يمكن لدولة الظلم والإجحاف.

ثم من بعد ذلك لا بأس من أن تقوم الدعاية للقضاء على قاعدة إعلام يحاول أن يجعل من القضاء وثنا فيتحدث عن القضاء الشامخ وما هو كذلك، ويتحدث عن أحكام القضاء التي لا معقب عليها، ويبادر في كل وقت إلى اتهام كل من ينتقد عملية الاختطاف تلك بالاتهام الجاهز والمعد سلفا بإهانة القضاء. وواقع الأمر أن القضاء هو من يهين كيانه أكثر من تناول هؤلاء المتعاملين معه بالإهانة، ولا شك أن الجهاز القضائي ومرفق العدالة على وجه الخصوص يجب أن يتسم بالحيادية الكاملة والاستقلالية التامة، إلا أن افتقاد القضاء لهذين الأمرين شكل أهم أسس وأركان دولة الضد المستجدة التي تقوم فيها المؤسسات بنقيض وظائفها وأضداد أدوارها، ولعل ما أكد عليه ابن خلدون من أن "فساد القضاء يفضي إلى نهاية الدولة" يؤكد صدق من قال "أعطني قضاءً أُعطك دولة".

twitter.com/Saif_abdelfatah