كتاب عربي 21

فردّوا أيديهم في أفواههم..

1300x600
خوفا من تعرض قادة الفرق للإنذار ببطاقة صفراء، تراجعت سبعة منتخبات أوروبية عن خطتها المعلنة لدعم الشذوذ الجنسي بمباريات كأس العالم بقطر. هؤلاء قوم لا يستحق الدفاع عن "المبادئ والقضايا العادلة" عندهم المجازفة بالتعرض لبطاقة صفراء، فهي في الأصل جاءت إلى قطر طمعا بالفوز بالمباريات. هي مجرد "نزوة" أو "رضوخ" للوبي ضاغط، ارتأى أن يجعل من مناسبة كأس عالم، منظم بدولة مسلمة، فرصة ربما قد لا تأتيه لتسجيل خبطة إعلامية غير مسبوقة، رأى أن أركان إثارة أكبر قدر من الجدل تحققت فيها. 

ولأن السياسة كانت المحرك الحقيقي، من وراء الستار، بإرادة مبطنة لتقديم اللاعبين قرابين في مذبح الترويج للشذوذ، ومن خلاله تكريس "لقيم" غربية مختلف عليها عكس ما يدعي المروجون، لم يكن من سبيل أمام الساسة غير الخروج للعلن واستغلال منصة الضيوف الشرفيين لتقديم عرض أزياء بألوان قوس قزح، افتتحته رئيسة الوزراء الدنماركية السابقة هيل تورنين شميدت، متبوعة بوزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر، وبعدها وزير الخارجية البلجيكية حاجة لحبيب، والبقية في الطريق لا ريب في ذلك.

تلك "انتصارات" صغيرة تنم عن نفاق كان مستترا قبل أن يخرج للعلن في استخفاف تام بالأعراف الديبلوماسية، التي تجعل من احترام قوانين المنظمات الدولية (الفيفا نموذجا) وقوانين البلد المضيف (قطر)، واجبا على الضيوف من المسؤولين السياسيين قبل عامة الناس. هؤلاء مسؤولون أوروبيون سعوا ما استطاعوا لينزعوا الشرف عن المنصات الشرفية لملاعب كأس العالم بقطر، لكنهم غفلوا عن حقيقة أن الشرف من شيم المستضيف مهما تنمر الضيوف، فهم مغادرون اليوم أو غدا أو بعد حين.

إنهم لا يشبهوننا..

 تلك خلاصة موقف عدد من الدول الأوروبية التي اكتشفت فجأة أن للدوحة "تاريخا أسود" في معاملة العمال والمرأة والشواذ. الدوحة في نظرهم مجرد مال وفير يشتري الذمم ويعقد الصفقات المشبوهة ويمول الإرهاب. لم يعرف هؤلاء أنهم من يتحكمون في دواليب المنظمات الدولية، وفي كواليسها يصولون ويجولون ويمنحون التزكيات ويسحبون الاعترافات. إن كان للفساد من أقدام في الفيفا وغيرها، فلوجود "ذمم" قابلة للشراء. وإن كان من سلطة لدى مسؤولي تلك البلدان، فالأولى تطبيقها على مواطنيهم المعروضين على قارعة المنظمات يستجدون أموالا وامتيازات. وزيرة الداخلية الألمانية كانت صريحة في التعبير عن "اللا ضمير" الغربي، حين أعلنت قبل أيام أن "حق استضافة قطر للمونديال خادع للغاية، وهناك معايير ينبغي الالتزام بها، وسيكون من الأفضل عدم منح حق استضافة البطولات لمثل هذه الدول".

مثل هذه الدول هو جوهر الموضوع، فهو تعبير واضح عن عنصرية ورغبة في التحقير متأصلتين في النظرة الاستعلائية الغربية لمستعمراتها السابقة، خصوصا تلك التي استطاعت أن تقارع "الكبار" في عقر الدار وفي مختلف بقاع العالم، حتى صارت من اللاعبين المحوريين الذين يُطلب ودهم وتستجدى خدماتهم بخنوع وذل وهوان. أزمة الطاقة التي نتجت، قبل الحرب الروسية الأوكرانية، عن سوء تدبير وضعف استشراف، كانت محكا حقيقيا للتنطع الغربي الأوروبي على الخصوص. 

الأسابيع الماضية تشهد كيف تحولت الدوحة "الفاسدة" إلى محج للمسؤولين الأوروبيين؛ بحثا عن غاز يدفئ البيوت، ويضمن استمرارية العملية الإنتاجية، ومن خلالها "الرفاهية" للمواطن الأوروبي، دونما اكتراث بأوضاع العمالة أو الفاتورة البيئية، أو غيرها من الأعذار التي لا تصلح إلا لترف التنظير وللمزايدات. هي نفسها الدوحة "الممولة للإرهاب" التي استجدى الجميع خدماتها لإنقاذ من علقوا من مواطنيها أيام الخروج المذل من أفغانستان قبل عام ونيف من الآن، وأوفت بالعهد كما هو عهد كأس العالم وتنظيمها، برغم مؤامرات بعض الأقربين وتكالب رعاتهم الدوليين.

وزيرة الداخلية الألمانية التي تراجعت عن جزء من تصريحاتها "مرغمة" بعد استدعاء الدوحة للسفير الألماني لديها، وزيارتها الشخصية للبلاد، لم "تشرب الشاي بالياسمين". جياتي إنفانتينو، رئيس الفيفا، لم يشرب أيضا الشاي بالياسمين، بل عاش في الدوحة فترة ما قبل انطلاق العرس الكروي، وحضر بعائلته ومستشاريه وفريقه المساعد أوجه الاستعدادات عن قرب، ليلمس حجم الجهد المبذول، ويعلن ويسفّه الحملة الأوربية المرتكزة على "شعارات ودروس أخلاقية تنم عن النفاق". جياني، وإن لم يستطع مواجهة لوبي المثليين، فهم أصحاب الصوت العالي القادمون للتأثير في المستديرة وغيرها من المنافسات العالمية الكبرى، تمكن من الدفاع عن قوانين الفيفا، وهو المرشح الأوحد لرئاستها، ليحني المتنطعون رؤوسهم ويمتثلوا، أو كنا نظن هكذا.

عودة إلى الكرة المستديرة..

لم يجد المنتخب الألماني من طريقة لتسجيل موقف طالما حلم بتكريسه على شارة العمادة قبل أن يتبخر كسراب، ليس في صحراء الدوحة، بل في ملاعبها المونديالية الفاخرة، فاختار لاعبوه أو رضخوا لضغط السلطة السياسية وردوا أيديهم في أفواههم، وهم الجاهلون بتراث المنطقة وقيمها وتعبيراتها المجازية، التي ارتدت عليهم وبالا.

لا يعرف الغربيون أن وضع اليد في اليد أو تبادل القبلات على الجبين أو الأنوف أو العناق بين أبناء وبنات الجنس نفسه، ليس في ثقافتنا دليل شذوذ بل هو في الأصل دليل محبة صادقة ومشاعر ود وعاطفة إنسانيين. وزير الخارجية القطري، في موقف طريف لكنه بالغ الدلالة، اضطر لعرض مرافقة صحفي، ألح في السؤال عن الموضوع قبل أيام، في جولة بالدوحة بأيدٍ متشابكة دونما خوف من اعتقال أو اعتداء. هو الجهل نفسه بورود واقعة رد اليد في الفم في القرآن الكريم، باعتباره دستور البلدان الإسلامية مهما اختلقت من دساتير وضعية، نتيجة "الإرهاب الفكري" الممارس عليها منذ الاستقلال. اختلف علماء الأمة في شرح معنى "فردّوا أيديهم في أفواههم" التي وردت في سورة إبراهيم، لكن الأكيد أن كل التفسيرات تأتي عكس ما أراده اللاعبون الألمان، فارتدت عليهم الصورة سلبا وعلى أراجيفهم وبهتانهم، ووضعتهم موضع السؤال عكس ما ابتغوه، وأول الغيث كان الهزيمة "القاسية" أمام اليابان على أرضية الملعب، حيث يكرم اللاعب أو يهان.

جانغكوك صدح في حفل الافتتاح بأغنية جسّدت طموحات أمة تجرأت على الحلم، وجعلته حقيقة ملموسة بالقول: "انظر من نحن، نحن حالمون". أما رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، فأنهى الكلام قبل أيام وهو يعلن أن "القافلة تسير".


الأكيد أن المعنى الأقرب عند العلماء كون الكفار جعلوا أيديهم في أفواههم ليعضوا عليها غيظا وحنقا لما رأوا الآيات، لما كان فيها من تسفيه لأحلامهم وشتم لأصنامهم. وإن كانت المقارنة غير جائزة، فما شاهده هؤلاء من التفاف على القيّم الإسلامية ورفض للأفكار الشاذة الدخيلة، ربما أخرسهم وجعلهم يعضون الأنامل غيظا، كما أخرستهم البنيات الرياضية وسلاسة التنظيم وغياب الحجة على الأراجيف التي تكررت، حتى صارت أسطوانة مشروخة غير ذات مصداقية أو معنى.

سورة إبراهيم تؤكد حقيقتين، أولاهما وحدة الرسالة والرسل، ووحدة الدعوة في مواجهة الجاهلية المكذبة بدين الله على اختلاف الأمكنة والأزمان. وأما الثانية، فهي حقيقة نِعَمِ الله على البشر وزيادتها بالشكر، ومقابلة أكثر الناس لها بالجحود والكفران، وهي التي تضمنت قصة إِسكان إبراهيم لولده إِسماعيل بواد غير ذي زرع، وشكره لله تعالى على ما أَنعم عليه من الولدين إسماعيل وإسحاق.

الوادي غير ذي زرع، صار اليوم "منارة" تستقبل محبي كرة القدم من كل الأصقاع بما قد يغير من الصورة النمطية، التي طالما كرسها الإعلام الغربي عن المنطقة، باعتبارها مجرد صحراء قاحلة وخيام وجمال ورجال أشداء، يقتّلون ويذبّحون ويسبون النساء. تغير النظرة النمطية عن البلد الخليجي الإسلامي المنفتح على ما يراه الأصلح لمجتمعه من "الحضارة الغربية"، هو المستهدف من كل الحملة الموجهة والمبنية في أغلبها على تصورات ذهنية، أو تضخيم وقائع أو أكاذيب تم نسجها بدقة وعناية، مع اختيار التوقيت الملائم لترويجها. القصف اليومي غير المسبوق في وسائل الإعلام الغربية، بما فيها تلك التي تبث من قطر فترة المونديال، غايتها الإبقاء على الصور النمطية وعلى الأوضاع القائمة، حيث "الأسياد" هناك يقتاتون بالابتزاز من ثروات بلدان الجنوب ويستنزفونها من المواد الخام، وكذا الزاد البشري. 

الدوريات الأوروبية لا قائمة لها من دون المواهب الأفريقية والآسيوية ونجوم دول أمريكا اللاتينية المتألقين. والإصرار على الإبقاء على الدوريات الأوروبية مركزا للنجاح والإشعاع العالمي، مردّه حجم سوق الاقتصاد الرياضي الذي تقتات منه كل القطاعات الإنتاجية والترفيهية دون استثناء. تحول المركز من أوروبا إلى دول عربية نفطية، تمتلك السيولة الكفيلة بتحقيق الاستقلالية في التمويل والإنجاز والإبهار تهديدا استراتيجيّا. أوروبا ترحب بالمال الخليجي "الفاسد"، المكتسب من عرق وعلى جثت العمال، حين يستثمر في الأندية الأوروبية، ويحدّث بنياتها الرياضية ويجلب النجوم لترصع دورياتها. أما حين يستثمر داخل بلدانها لأجل إقلاع أبنائها وأبناء المقيمين فيها، فذاك خط أحمر وجب استنهاض القضايا الخلافية وتأجيجها للتشويش عليه.

جانغكوك صدح في حفل الافتتاح بأغنية جسّدت طموحات أمة تجرأت على الحلم، وجعلته حقيقة ملموسة بالقول: "انظر من نحن، نحن حالمون". أما رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، فأنهى الكلام قبل أيام وهو يعلن أن "القافلة تسير".