قضايا وآراء

"عرين الأسود" والاستحواذ على السر الفلسطيني

1300x600
تصاعد أعمال المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي في مدن الضفة المحتلة، له دلالات هامة، فهي امتدت لعدة شهور، وتميزت بسعة انتشارها في مدن الضفة، وأفقدت المحتل أعصابه وأفشلت عمليته "كاسر الأمواج" للتصدي للمقاومة، ودفعته لاستخدام أساليبه الإرهابية الوحشية المعتادة في القمع والحصار ونسف البيوت وعمليات الاعتقال والعقاب الجماعي للشعب الفلسطيني، واللجوء لأساليب الإعدام الميداني وسياسة الاغتيال والمطاردة للنشطاء والمقاومين. لكن لم تثن تلك السياسة العدوانية للاحتلال الإسرائيلي الشعب الفلسطيني في كل محطات نضاله عن مواصلة الكفاح.

تتأكد تلك الدلالات، عندما نلقي نظرة على سلسلة العمليات التي تفجرت في جنين ونابلس والخليل والقدس وإلى محيط المستوطنات المقامة على أراضي المدن والقرى الفلسطينية، والتي لم تتمكن أجهزة الاحتلال من إيقافها رغم كل الوسائل القمعية التي لجأ إليها الاحتلال، ورغم نشاط التنسيق الأمني المحموم بين السلطة الفلسطينية وأجهزة الاحتلال. فالشعب الفلسطيني ومقاومته يؤكدان مجدداً على فشل كل مساعي طمس الحقوق الفلسطينية، ورفض كل مشاريع تصفية القضية الفلسطينية.

ومن أهم الدلالات المستخلصة في الآونة الأخيرة، الالتفاف الشعبي حول ظاهرة المقاومة واحتضانها وحمايتها، وذلك إفشال لمساعي شق المجتمع الفلسطيني. ودلالة ذلك أيضاً أن جو النهوض الوطني الذي شمل اتساعه المدن الفلسطينية في ظاهرة تشكل "عرين الأسود" والصمود في وجه وسائل القمع الصهيوني والرد عليه، تعني الإمساك ببوصلة واضحة تتسم بواقعية نضالية وتنبه بضرورة العودة للاحتكام للشعب الفلسطيني وتطلعاته في التحرر من الاحتلال، بالإضافة لما تشكله هذه العودة العميقة للجذور المتغلغلة في الهوية الفلسطينية في كل المجالات السياسية والاجتماعية التي تثير مخاوف وقلق المؤسسة الصهيونية التي تخلص إلى "حقيقة أنه في الواقع الحاصل لا يوجد حل عسكري يمكن من خلاله منع أي شاب فلسطيني بدون انتماء فصائلي ويقرر حمل السلاح أو يقود سيارة لتنفيذ عملية، فيما هناك 400 ألف مستوطن يعيشون إلى جانب ثلاثة ملايين فلسطيني"، حسب صحيفة يديعوت أحرنوت في معرض تعليقها على ارتفاع منسوب العمليات في الضفة.

بمعنى ليس شرطاً أن تكون ابن فصيل فلسطيني حتى تكون مقاوماً، يكفي أن تكون شاهداً على إرهاب الاحتلال الذي يقع عليك وبالقرب منك على مقدساتك وأرضك وعلى أبناء جلدتك. إذاً موجة الحماس التي تجتاح الشباب الفلسطيني الذي يدير ظهره لحالة الترهل السياسي الفلسطيني، وحالة التردي العربي في القمع واتساع عمليات التطبيع مع المؤسسة الصهيونية التي تُركز على محاصرة الحقوق الفلسطينية وإجهاض المقاومة، تعني أن كل صيغ التآمر وسياسات الإرهاب والعدوان على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية لا يمكن المضي بها دون مقاومتها وإفشالها.

ومن هنا، صوت النفير الذي أطلقته ظاهرة "عرين الأسود" في نابلس، يستدعي التخلي عن كل الأوهام التي حملتها سياسة فلسطينية وعربية. والتمسك بتصليب الموقف الفلسطيني والحق المقترن بقضيته يشكل قاعدة صلبة للذين اهتز تحتهم بنيان الأوهام الإسرائيلية والغربية والدولية عن "السلام". وكل أجواء التخاذل المسيطرة على الأجواء العربية المجتمعة اليوم في الجزائر والمتلعثمة من بند جرم التطبيع مع المؤسسة الصهيونية، يُذكي تيار مقاومة الاحتلال وعصابات المستوطنين، ومن شأن هكذا أجواء أن تزيد من صمود الشعب الفلسطيني بحسب خبرته وتجربته الطويلة مع سياسة التخاذل الدولي والعربي، والتعبئة الحاقدة ضده وضد مقاومته والتقليل من شأنها ومحاصرتها التزاماً بتوجيهات التحالف مع إسرائيل.

أخيراً، يستحوذ الشعب الفلسطيني، على كلمة السر التي تُعزز حضوره في مقاومته للاحتلال، وظاهرة "عرين الأسود" أو أي مسمى لأي تشكيل وظاهرة فلسطينية فردية وجماعية تقاوم الاحتلال وتُفشل مشاريعه، هي السمة البارزة للهوية الفلسطينية وجذورها، وأي شكل آخر من أشكال التعبير عن الحق الفلسطيني لا يستند لعمق هذه الجذور لا يمكنه تحقيق وحدة فلسطينية موجودة في كلمة السر في جنين ونابلس والخليل وغزة والقدس والنقب والجليل، وفعلها المتين ذي الطابع الدقيق والجريء، الذي يذود عن الأرض الغائلة بالاستيطان والتهويد وتحمي تراث شعب ومقدساته.

twitter.com/nizar_sahli