كتاب عربي 21

جوزيب بوريل ومَن بنى "حديقة" أوروبا

1300x600
في مواكبة للاستعارة العنصرية التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، المستعمر الليتواني إيهود باراك (المولود باسم إيهود بروغ)، في عام 2002 عندما وصف إسرائيل بأنها "فيلا في الغابة"، أعلن رئيس السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل الأسبوع الماضي أن "أوروبا هي حديقة. لقد أنشأنا حديقة.. [بينما] بقية العالم -وأنت تعرفين هذا جيدا، يا فيديريكا- ليست بالضبط حديقة. فمعظم بقية العالم عبارة عن غابة، ويمكن أن تقوم هذه الغابة باجتياح الحديقة".

يبدو أن طرح بوريل، وهو سياسي اشتراكي إسباني من أصول قومية كاتالونية، كان قد التقى بزوجته الأولى وهي يهودية فرنسية، أثناء تطوعه في عام 1969 في المؤسسة الإسرائيلية الأهم لاشتراكية العرق المتفوق، أي في كيبوتس كان قد أسسه مستعمرون يهود بولنديون في عام 1946، متوافق تماما مع طرح الزعيم الإسرائيلي الأسبق.

لقد كان التشبيه المفضل الذي استخدمه العنصريون الاستعماريون الأوروبيون لبقية العالم في القرن التاسع عشر ومعظم القرن العشرين هو أن أوروبا تمثل "الحضارة"، بينما بقية العالم تمثل "الوحشية" و"البربرية". وقد تم وصف الشعوب الأصلية في الأمريكتين في وقت مبكر على أنها شعوب متوحشة. واعتبر الأوروبيون أي مقاومة للإبادة الجماعية الاستعمارية التي كانت أوروبا ترتكبها في ذلك الوقت أو فيما بعد أنها ليست أقل من البربرية، وكذا وصف الفرنسيون مقاومة العبيد الأفارقة في سانت دومانغ (هايتي لاحقا)، والشعب الجزائري، وشعب الكاناك في كاليدونيا الجديدة، وغيرهم كثيرون. وعلى نفس المنوال، اقترح ثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، أن تكون مستعمرة المستوطنين اليهود المستقبلية في فلسطين "جزءا من متراس أوروبا ضد آسيا، ومحطة للحضارة في وجه البربرية".
لقد كان التشبيه المفضل الذي استخدمه العنصريون الاستعماريون الأوروبيون لبقية العالم في القرن التاسع عشر ومعظم القرن العشرين هو أن أوروبا تمثل "الحضارة"، بينما بقية العالم تمثل "الوحشية" و"البربرية". وقد تم وصف الشعوب الأصلية في الأمريكتين في وقت مبكر على أنها شعوب متوحشة

جادل كبار الشخصيات الليبرالية في أوروبا، مثل جون ستيوارت ميل، بأن "الدول التي لا تزال بربرية لم تتجاوز الفترة التي من المرجح أن يكون من أجل مصلحتها أن يتم غزوها وإخضاعها من قبل الأجانب". وقد كان ألكسي دي توكفيل أكثر قلقا بشأن مصير الأمريكيين البيض في حال تم تحرير العبيد، وأعرب عن أمله في عام 1848 في أن يختلف مصير البيض في هايتي وبقية منطقة البحر الكاريبي عن مصير المستعمرين البيض في الولايات المتحدة.. "في جزر الهند الغربية، يبدو أنه من المقدر أن يستسلم العرق الأبيض؛ أما في القارة [الأمريكية]، فالعرق الأسود". وأضاف بقلق أكبر بأنه "ربما ما حدث للعرب والمسلمين في إسبانيا سيحدث بعد ذلك للعرق الأبيض في الجنوب الأمريكي".

كان بوريل قد تفوه باستعارته الإمبريالية والعنصرية في سياق خطابه الافتتاحي في الأكاديمية الدبلوماسية الأوروبية في مدينة بروج الأسبوع الماضي، موجها حديثه إلى "الخبيرة في الإسلام" الإيطالية والشيوعية السابقة فيديريكا موغيريني، عميدة كلية أوروبا. وقد استخدم بوريل اللغة المالثوزية للحد من التوسع السكاني، عندما أعرب لموغيريني عن قلقه من أن "الغابة لديها قدرة نمو قوية، ولن يكون الجدار عاليا بما يكفي لحماية الحديقة". وشأنه في ذلك شأن دي توكفيل من قبله، وحتى شأن رئيسة الوزراء الأوكرانية الإسرائيلية غولدا مائير (المولودة باسم غولدا مابوفيتش) التي لم تكن تستطيع النوم ليلا نتيجة قلقها من عدد الأطفال الفلسطينيين الذين يتم الحمل بهم كل ليلة، فإن قلق بوريل الرئيس ينصب على غزو سكان الغابة لحديقته الجميلة.

يعتقد بوريل أن "هناك فارقا كبيرا بين أوروبا وبقية العالم -حسنا، يا بقية العالم، أنتم تفهمون ما أعنيه، أليس كذلك؟- وهو أنه لدينا مؤسسات قوية. الفارق الكبير بين البلدان المتقدمة وغير المتطورة ليس الاقتصاد، بل المؤسسات". ويضيف بوريل: "لا يمكنني الذهاب إلى البلدان الناشئة وبناء مؤسسات لها، يجب أن يقوموا هم ببنائها، وإلا فسيكون ذلك نوعا من الاستعمار الجديد".
الأمر المحير في خطاب بوريل لا يكمن في جهله بالاستعمار والاستعمار الجديد، فهو يدرك هذين الأمرين بوضوح، ولكنه يعتقد أن تأثيرهما مقتصر على "الغابة" ولا تأثير يذكر لهما على "الحديقة". وليست، بحسب بوريل، المؤسسات الاستعمارية والاستعمارية- الجديدة في أوروبا هي التي أدت إلى بناء "الحديقة" الأوروبية بأيدي العمالة المهاجرة من "بقية العالم" وبالأموال المنهوبة من "بقية العالم"

الأمر المحير في خطاب بوريل لا يكمن في جهله بالاستعمار والاستعمار الجديد، فهو يدرك هذين الأمرين بوضوح، ولكنه يعتقد أن تأثيرهما مقتصر على "الغابة" ولا تأثير يذكر لهما على "الحديقة". وليست، بحسب بوريل، المؤسسات الاستعمارية والاستعمارية- الجديدة في أوروبا هي التي أدت إلى بناء "الحديقة" الأوروبية بأيدي العمالة المهاجرة من "بقية العالم" وبالأموال المنهوبة من "بقية العالم"، ولكن بالأحرى، ووفقا لبوريل وبقية أنصار التفوق العرقي الأبيض في أوروبا، لقد جاء ذلك نتيجة البراعة المتخيلة للأوروبيين أنفسهم. وهو ما ينطبق على بلده، إسبانيا، الذي شُيّد على أنقاض الأمريكتين والإبادة الجماعية للأمريكيين الأصليين، بقدر ما ينطبق على بريطانيا، التي سرق قراصنتها الكثير من الذهب والفضة اللذين كان الإسبان قد سرقوهما أصلا من الأمريكتين وجلبوهما إلى إنجلترا.

إن الاستعمار والعبودية هما اللذان شيدا "الحديقة" الأوروبية من البرتغال إلى فرنسا إلى بلجيكا وهولندا، وليس براعة الأوروبيين أو نواياهم الحسنة، أما قلق بوريل بشأن الاستعمار الأوروبي الجديد المحتمل فهو ليس أقل من ستار من الدخان للتغطية على الاستعمار الأوروبي الجديد والمستمر والفعلي في آسيا وأفريقيا.

كان دي توكفيل، الذي كان مفتونا جدا بجمهورية العبودية الأمريكية التي أطلق عليها وصف "الديمقراطية"، قد كتب أن الأمريكيين البيض يتمتعون بقدر كبير من "الغرور القومي": "يبدو أن صبر الأمريكيين، عند اتصالهم مع الغرباء، ينفد لدى سماعهم أقل عبارات اللوم، كما أنهم لا يشبعون من المديح.. ولا يتوقفون عن مضايقتك وابتزازك حتى تكيل المديح لهم، أما إذا قاومت توسلاتهم، فإنهم يلجؤون لمديح أنفسهم. ويبدو الأمر كما لو أنهم يشككون في مزاياهم، ويرغبون في عرضها باستمرار أمام أعينهم. إن غرورهم ليس جشعا فحسب، بل هو قلق وغيرة".
الاستعمار والعبودية هما اللذان شيدا "الحديقة" الأوروبية من البرتغال إلى فرنسا إلى بلجيكا وهولندا، وليس براعة الأوروبيين أو نواياهم الحسنة، أما قلق بوريل بشأن الاستعمار الأوروبي الجديد المحتمل فهو ليس أقل من ستار من الدخان للتغطية على الاستعمار الأوروبي الجديد والمستمر

من الواضح أن الأوروبيين يعانون من ذات المرض الأمريكي، وهو ما يبدو جليا في تصريح بوريل: "إن العالم بحاجة إلى أوروبا. ومن تجربتي في السفر حول العالم فإن الناس ينظرون إلينا كمنارة. لماذا [يأتي] الكثير من الناس إلى أوروبا؟ هل هناك تدفقات من المهاجرين غير الشرعيين أو غير النظاميين المتجهة إلى روسيا؟ ليس كثيرا. لا، فإنهم يأتون إلى أوروبا، ولكن لأسباب وجيهة".

ما لا يبدو أن بوريل يدركه هو أنه بخلاف روسيا، فقد سرقت أوروبا وما زالت تسرق موارد العالم في آسيا وأفريقيا وتحتفظ بها داخل أوروبا، مما يجعل الحياة مستحيلة لسكان القارتين. فهؤلاء الآسيويون والأفارقة الذين يتدفقون على أوروبا، ويستطيعون القفز فوق أسوارها العالية، إنما يلحقون بثرواتهم المنهوبة حتى يتمكنوا من العيش. وبخلاف بوريل، فإنهم ليسوا مغرمين "بالحرية" و"الديمقراطية" المزعومتين في أوروبا، والتي تسببت لهم وما زالت تتسبب بالكثير من المعاناة داخل أوروبا وخارجها. من الواضح أن العنصرية المؤسسية المتزايدة ضد الشعوب غير البيضاء في أوروبا سواء في إسبانيا وألمانيا أو إيطاليا وفرنسا أو بريطانيا وهولندا، على سبيل المثال لا الحصر، ليست كافية لثني بوريل عن الصورة الخيالية التي رسمها عن أوروبا.
نداء بوريل الواضح للشباب الأوروبي أنه يجب عليهم "الحفاظ على الحديقة.. لكن واجبكم لا يكمن بالاعتناء بالحديقة نفسها، بل بالغابة في الخارج"، فهو في الواقع ليس أقل من توجيه جديد لهم ليكونوا عنصريين ومستعمرين أفضل

لقد فهم ونستون تشرشل الإمبريالي المعادي للاشتراكية وضع أوروبا بشكل أفضل من الاشتراكي بوريل، ناهيك عن الشيوعية السابقة موغيريني. فقد أعلن تشرشل في عام 1914: "إننا لسنا شبانا ذوي سجل بريء وميراث ضئيل.. لقد اقتطعنا لأنفسنا نصيبا من ثروات وتجارة العالم بما لا يتناسب مع حجمنا مطلقا. لقد حصلنا على كل ما نريده في الأرض، ومطالبتنا الآخرين بتركنا دون مضايقة للتمتع بهذه الممتلكات الشاسعة والرائعة، والتي اكتسبناها أساسا عن طريق العنف، والتي يتم الحفاظ عليها إلى حد كبير بالقوة، غالبا ما تبدو غير منطقية عند الآخرين وإن بدت منطقية عندنا".

أما نداء بوريل الواضح للشباب الأوروبي أنه يجب عليهم "الحفاظ على الحديقة.. لكن واجبكم لا يكمن بالاعتناء بالحديقة نفسها، بل بالغابة في الخارج"، فهو في الواقع ليس أقل من توجيه جديد لهم ليكونوا عنصريين ومستعمرين أفضل. ولكن دعوته ليست بجديدة، وإن دلت على شيء فهي تدل على أن أوروبا لم تتغير بتاتا منذ بداية عصر الاستعمار وحتى يومنا هذا.