قضايا وآراء

الانتقال لاستعمار متعدد القطبية

1300x600

كشف الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/ فبراير الماضي، عن هزة عميقة أصابت المجتمع الدولي وينظر إليها البعض على أنها تمثل تغييرا في عالم ينتقل من الأمس إلى اليوم، بقواعد وعلاقات مصحوبة بزعزعة أخلاقية يمكن أن تؤدي لنشوب مواجهة واسعة النطاق كالتي تجري رحاها بين موسكو من جهة والغرب والولايات المتحدة من جهة ثانية، خصوصاً بعد خطوة وقرار موسكو بضم المناطق الأوكرانية الأربع؛ خيرسون وزابوريجيا ودونيتسك ولوغانسك للاتحاد الروسي، وردود الفعل الدولية برفض قرار الضم باعتباره انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي ولمبدأ رفض استيلاء الدول على أراضي الغير وضمها بالقوة..

المجتمع الدولي الغاضب من غزو موسكو وضمها لأراضٍ بالقوة هو نفسه الذي أصاب دولا ومجتمعات عربية بخيبة أمل تاريخية بمعاييره المزدوجة ونفاقه المستمر، بالتشدق بالحرية والديمقراطية وحماية حقوق الإنسان المنتهكة دوما في فلسطين.

يتطور النقاش حول الانحدار الأخلاقي للقوى المستعمرة في الماضي الأمريكي والغربي، والحاضر الروسي الذي يرسم بخطى ثابتة طريق أسلافه من القوى الإمبريالية التي قال بوتين عنها في خطاب الضم إنها "حنثت بوعودها لروسيا، وليس لديها الحق الأخلاقي في الحديث عن الديمقراطية".

استعمال بوتين لذات المفردات التي تشدقت بها الولايات المتحدة وبريطانيا بعد الغزو الكارثي للعراق، الذي اعتبره بعض المفكرين الغربيين "من أسوأ الكوارث الجيوسياسية في السنوات العشرين الماضية"، والهجوم الروسي على حقوق الإنسان في سوريا وارتكاب جرائم الحرب ودعم وحماية الديكتاتور السوري، لا يختلف في جوهره الاستعماري عن الهجمات الأمريكية

لكن استعمال بوتين لذات المفردات التي تشدقت بها الولايات المتحدة وبريطانيا بعد الغزو الكارثي للعراق، الذي اعتبره بعض المفكرين الغربيين "من أسوأ الكوارث الجيوسياسية في السنوات العشرين الماضية"، والهجوم الروسي على حقوق الإنسان في سوريا وارتكاب جرائم الحرب ودعم وحماية الديكتاتور السوري، لا يختلف في جوهره الاستعماري عن الهجمات الأمريكية على حقوق الإنسان في العراق، ولا عن الدعم والحماية الأمريكية والغربية للمشروع الصهيوني الاستعماري في فلسطين، وكل ذلك فشل في تقديم نموذج أمريكي "أكثر مسؤولية" وانتباهاً للعالم، وفشلت موسكو في تقديمها نموذجا مقلدا عن النسخة الاستعمارية الغربية بالغزو المباشر والاحتلال والضم، والتهديد باضطراب الكوكب وضربه بقنابل نووية.

الذرائع الاستعمارية الروسية لاستعادة كوكب متعدد الأقطاب، بإشعال كثير من الحرائق فيه وبدعم أكبر للأنظمة الفاشلة والمستبدة وللأحزاب والحركات الفاشية والعنصرية في المنطقة العربية والعالم، إنما تستحضر جدارية للعالم هُدمت قبل ربع قرن مع انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي، وبتجربة الماضي الاستعماري للولايات المتحدة والغرب للتحول لعالم أكثر عدلاً وأمناً وازدهارا باستخدام المعايير المزدوجة والنفاق بما يخص قضايا التحرر من الاحتلال والاستعمار، باستخدام العولمة كواقع اقتصادي وسياسي ومالي.

وبعيداً عن الاقتراب الملموس من قضايا الديمقراطية والتحرر، تبقى المصاعب والكوارث والأزمات حقيقة ملموسة، مع شعارات الدعوة لعالم أكثر عدلا وإنسانية تُستخدم لتحقيق مصالح استعمارية.

يدفع العالم اليوم بقطبه الاستعماري الوحيد بالأمس (الأمريكي والغربي) ثمناً باهظاً لانضمام روسيا البوتينية لهذا القطب باستخدام عوامل القوة، لفرض إرادتها على الآخرين، ومن خلال إبراز الطبيعة المتعددة الأوجه لمفهوم عالم متعدد الأقطاب أكثر وضوحاً بقدراته العسكرية والاقتصادية لاستخدامها في علاقات إخضاع الدول والشعوب.

ودوماً كانت هذه النظرية محصورة بالمفهوم الإمبريالي للعلاقات الدولية وتسلسلها الهرمي، بفرض القدرة العسكرية كأساس للقوة قبل الانتقال لمفهوم العلاقات الدولية القائمة على القوة الاقتصادية والإتقان التكنولوجي والتمكن من المعرفة والتنمية البشرية التي أضحت معايير كلاسيكية تبدو أكثر غموضاً، في مواجهة الرد على الاحتلال والغزو المباشر والاعتداء على حقوق الإنسان وعلى القوانين الدولية التي يتسابق العالم الثنائي القطبية أو الوحيد للتباكي عليها، بخرقها والدوس عليها في أماكن عدة حول العالم.
الانتقال لعالم متعدد القطبية الاستعمارية يستدعي من الحريص على القانون الدولي وعلى سيادة الدول وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها؛ وقفة أكثر عمقاً وجرأة في ملامسة جوهر الأزمات والكوارث والنكبات التي تعصف بالعالم، والجوهر منها غياب العدل، وحضور النفاق والمعايير المزدوجة

الاحتلال الروسي لأوكرانيا وضم أراضيها بالقوة، وقبله الغزو المباشر لسوريا، وتاريخ طويل من النفاق الأمريكي والغربي بما يتعلق بالمشروع الاستعماري الصهيوني بفلسطين والمواقف الدولية المتساهلة مع جرائمه، والمعايير المزدوجة للقضايا المتعلقة بالعالم العربي وقضاياه المتعلقة بالحرية والديمقراطية والتخلص من الاستبداد، ودعم الانقلابات والديكتاتوريات في العالم لتحقيق مصالح استعمارية.. كل ذلك يُذكرنا بأن التهديدات الأكثر إثارة للقلق تنبع أصلاً من القوى الباحثة عن إعادة العالم لحقبة استعمارية ثنائية القطب، استطاعت عبرها موسكو فك رموز الينابيع المحتملة والمتصورة لعالم الغد في تطبيق الدرس الاستعماري الغربي واستخدام كل ذرائعه وشعاراته.

أخيراً، أياً يكن شكل عالم الغد بقطبيه الاستعماريين، فإن ما يلفت النظر في الابتهاج الروسي من السيطرة بالاحتلال والضم لأراضي الغير بالقوة، وبكل الاهتمام والبهرجة الروسية والغضب الدولي من توتير موسكو السلم العالمي، أنه يجب أن يعيد العالم إلى رشده بالتخلي عن تشجيع الأعمال العدوانية للاحتلال ولمشروعه الاستعماري في فلسطين، والتوقف عن دعمه وعن تبني النظم العنصرية والفاشية والمستبدة، ومحاولات فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني على أنقاض حقوقه التاريخية المشروعة، لأن الانتقال لعالم متعدد القطبية الاستعمارية يستدعي من الحريص على القانون الدولي وعلى سيادة الدول وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها؛ وقفة أكثر عمقاً وجرأة في ملامسة جوهر الأزمات والكوارث والنكبات التي تعصف بالعالم، والجوهر منها غياب العدل، وحضور النفاق والمعايير المزدوجة من الاحتلال الإسرائيلي ومشروعه الاستعماري المحمي من العالم وقطبيه المتصارعين.

 

twitter.com/nizar_sahli