أفكَار

ماذا وراء موجة فتاوى العلاقات الزوجية والأسرية الأخيرة؟

باحثون: العلاقة الزوجية علاقة سَكَن تكاملية، تقوم على المودة والمسامحة

ثار في الأيام الأخيرة جدل واسع حول واجب الزوجة تجاه زوجها، إن كانت الشريعة أوجبت على المرأة خدمة زوجها أم لم تلزمها بذلك، ودخل على خط الجدل شيوخ وأساتذة أزهريون يرون أن الشريعة لم توجب ذلك ولم تفرضه، وهو ما عارضه شيوخ وعلماء آخرون، كما أن الأزهر دخل على خط الجدل عبر البيان الصادر عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية. 

ولم تكن مسألة خدمة المرأة لزوجها هي الوحيدة المثارة في خضم ذلك الجدل، بل إن ثمة مسائل أخرى ثار الجدل حولها كحكم إرضاع المرأة لأبنائها وخدمتهم.. وهل تفعله بوصفه حكما شرعيا ملزما أم إن الشريعة لم توجبه عليها.. وحق الرجل في تأديب زوجته حسب الطرق الوارد بيانها في الشريعة، وهل الزوجة ملزمة بخدمة والديّ زوجها والقيام على خدمتهم وما إلى ذلك؟

ووفقا لمراقبين فإن ما يثير الاستغراب والتساؤل تناول الموضوع بقدر كبير من الاهتمام والتركيز، ما يثير التساؤل حول دوافع إثارة تلك الموضوعات والتركيز عليها؟ وهل التناول المكثف للموضوع يأتي في سياق تكريس دعاوى النسوية، نحو التحرر المطلق من "الهيمنة الذكورية"، وهو ما يفضي إلى تفكيك الأسر العربية، أم إنه إثارة طبيعية للتذكير بحقوق المرأة وعدم تجاوزها؟
 
مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أكد في بيانه على أن "العلاقة الزوجية علاقة سَكَن تكاملية، تقوم على المودة والمسامحة، وحفظ حقوق الرجل والمرأة والطفل، وليست علاقة نديّة أو استثمارية نفعية، وتغذيها روح المادية. والعدائية فيها جريمة أخلاقية". 
 
وشدد على أنه "لا يليق بقدسية الزواج ومكانة الزوجة فيه أن تُعامل معاملة الأجير في أسرتها، بأن تُفرض لها أجرة محددة نظير أعمال رعاية أولادها وزوجها، وإنما على الزوج واجب النفقة بالمعروف لها ولأولادهما، وإفساد منظومة الأسرة يؤذن بفساد المجتمعات". 

وأضاف: "جرى العرف بقيام المرأة على خدمة زوجها وأولادها، وهو كالشرط المُلزم، وتطوع الرجل بمساعدة زوجته في أعمال المنزل سنة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنفاق المرأة على بيتها من مالها الخاص يُعد من تعاونها مع زوجها وحسن عشرتها له، وهو غير واجب عليها". 

وأكدّ أن "إهدار أعراف الناس المستقرة والموافقة للشرع، والقول في القرآن والسنة بغير علم، وادّعاء التضارب بين نصوصهما، والخلط المتعمد بين دلالاتها، أساليب مرفوضة؛ ينتج عنها إثارة الفتن، وتفكك الأسر، وابتعاد الناس عن هدي الإسلام وسماحته وأحكامه". 

من جهتها أرجعت الكاتبة والإعلامية المصرية، كريمة أبو العينين، ما يُثار "حول وجوب خدمة المرأة لزوجها من عدمه، أو عدم إرضاعها لأولادها إلا بأجر، وغير ذلك من فوضى التصريحات إلى غياب عدة أمور، لعل من أهمها: عدم وجود جهة مختصة تقنن الفتاوى وتضع ضوابط وقيودا عليها، وعدم وجود متخصصين في إصدار الفتاوى". 

 

                    كريمة أبو العينين.. كاتبة وإعلامية مصرية

وأضافت في حديثها لـ"عربي21": "كما أن من أسباب ذلك فهم الحرية بطريقة خاطئة، وانعكاس وتأثير التدهور الأخلاقي بصفة عامة، والأهم من ذلك ارتباك القيم الأسرية، وتأثير حمى السوشيال ميديا على الحياة الاجتماعية والأسرية". 

وتابعت: "وكذلك فإن من أسباب ذلك عدم وضوح الرؤية، وأخذ أسوأ ما في الغرب من مفاهيم الاستقلال الأسري، وانفصال الأبناء عن أهلهم بدعوى الاستقلال وبناء الشخصية، واللعب على المرأة ودورها في المحافظة على الكيان الأسري، إذ من خلالها يتم بناء المجتمع أو هدمه". 

ودعت الإعلامية المصرية أبو العينين إلى "إنقاذ ما يمكن إنقاذه" محذرة من "أننا إن لم نفعل ذلك فالقادم سيئ" واصفة ما يجري بأنه "هزل يراد به جد، وسفسطة من اجل السفسطة، وإثارة أجواء من البلبلة لإرباك المجتمع بما فيه، وقد يكون من باب ركوب الترند، وتحريك المياه العكرة" على حد وصفها. 

وعدت ما يحدث أنه "مرحلة من مراحل التغير المجتمعي، والانسياق وراء الغرب، ومحاولة من الذين يسعون لتحقيق أغراض سلبية في المجتمع أن يوجهوا ويحصدوا ثمار مرحلة من أسوأ مراحل التقدم التكنولوجي، وأتحدث هنا عن السوشيال ميديا ودورها وأهدافها وتوظيفها لحصاد ما يمكن من خلاله تزييف الواقع، وخلخلة الراسخ".  

وفي ذات الإطار علق الباحث اللبناني المتخصص في الفقه الإسلامي، الدكتور خالد عبد القادر على تلك الفتاوى المثارة مؤخرا بالقول: "نحن في عصر الفتن جزما، وفي عصر الرويبضات التوافه الذي يتحدثون باسم عامة المسلمين، مستغلين لقول فقهي شاذ من هنا وهناك، ثم يقومون بتعميمه على شرع الله، وكأنه نص قطعي في دلالته".

وأضاف في منشور له على الفيسبوك، اطلعت "عربي21" عليه، بعنوان "هذه امرأة لا وجود لها في شرعنا": "من هذه الأقوال الشاذة: لا يجب على الزوجة خدمة زوجها، من طبخ وتنظيف للبيت والملابس.. لا يجب على الزوجة إرضاع طفلها.. لا يجب على الزوجة خدمة أبنائها..".

 


                          خالد عبد القادر.. باحث لبناني


وتابع عبد القادر: "وإذا كان الأمر هو عدم وجوب هذا كله عليها، فهذا يعني أنها متفرغة لراحته وإسعاده، ومع هذا فإنه لا يجب على الزوجة أن تحقق لزوجها رغبته الجنسية في حال عدم رغبتها، ولا يحق للزوج أن يرغمها على ذلك، وإن أرغمها فهو اغتصاب" وفق عبارته. 

ووصف من يثيرون تلك الفتاوى بأنهم "يسعون بجد لإفساد الأسر المسلمة والعلاقات الزوجية، ولا يهمهم لا النساء المسلمات، ولا الأسر بقدر ما يهمهم تخريبها وتمزيقها بطرق ملتوية، وذلك عبر استثمار أقوال شاذة.. فالمرأة المسلمة التي تتقي ربها، وتسعى لإرضائه، تسخر منكم ومن فلسفتكم المتعفنة.. والقاعدة الأصولية عندنا تقول ’إن المعروف عُرفا كالمشروط شرطا‘". 

بدوره لفت الكاتب الصحفي المصري، مصطفى حمزة، إلى أن "تناول هذه المسائل الفقهية والشرعية من جانب واحد دون النظر إلى الجوانب والاعتبارات الأخرى، يتسبب في نشوء مشكلات حياتية وأسرية كثيرة، قد تؤدي في النهاية إلى التفكك الأسري، وانهيار الأسرة التي هي البناء الأساسي للمجتمع بأسره". 

وأردف لـ"عربي21": "ومن المقرر أن الإسلام في تشريعاته وأوامره يأمر بكل ما من شأنه أن يصون تلك التشريعات ويحفظها، فهو يأمر بحسن اختيار الزوجة ابتداء، ويأمر بطاعة الزوج، ويأمر بالمعاشرة بالمعروف، والغاية من وراء ذلك هو استدامة الحياة الأسرية قوية ومتينة، والحفاظ عليها.. حتى إنه في ما يتعلق بالطلاق فإنه يجعله آخر الكي، ونهاية الحلول، حفاظا على كيان الأسرة من التفكك والانهدام". 

وتابع: "لذا فإن الذين يتعاطون مع التشريعات المتعلقة بالحياة الزوجية بتركيزهم على جانب واحد، دون النظر في الجوانب والاعتبارات الأخرى، يساهمون في تفكيك الأسر المستقرة، وتخريب العلاقات الزوجية، أرادوا ذلك أم لم يريدوه، قصدوا ذلك أم لم يقصدوه، فالنتيجة سواء حتى وإن حسنت نواياهم، أو ارتكزوا إلى كلام لأحد الأئمة المعتبرين، لأن كلام الأئمة ابن زمانه".
 
ونبه حمزة في ختام كلامه إلى أن "الاستجابة لمثل تلك الفتاوى والآراء يترتب عليها رفض الزوجة لطاعة زوجها، الذي يعني نشوب المشكلات الزوجية، واحتدام الخلافات الأسرية، والتي قد تنتهي إما بالانفصال الفعلي (الطلاق)، أو بالطلاق الصامت، وهو أن يعيش الزوجان في بيت واحد، مع ذهاب معاني الحياة الزوجية وقيمها الرفيعة من الرحمة والسكن والمودة، ولا تخفى خطورة ذلك في تداعياته ومآلاته على المجتمع بأسره".