كتب

المفكرون الشموليون لا يعول عليهم للخروج من الغيبوبة الثقافية

التثقيف نفسه، فعل لا يتأتى إلا باستيعاب خصوصية العلاقة التي تربط المجتمع بفضائه ومجاله الحيوي أولا

الكتاب: "المثَقَّف المثَقِّف: من ضيق فضاءات التواصل الاجتماعي إلى رحابة الأرض وسعة الكلام"
المؤلف: الدكتور خالد حجي
الناشر دار الإحياء للنشر والتوزيع 
الطبعة الأولى
سنة النشر 2022
عدد الصفحات: 232


مقدمة:
 
كتابات كثيرة توجهت في العقود الثلاثة الأخيرة لاتهام المثقفين، وتحليل أزمتهم وتفكيكها، فألف الدكتور محمد عابد الجابري كتابا عن المثقفين في الحضارة العربية، وألف عبد الله العروي في أزمة المثقفين العرب والف محسن عبد الحميد في أزمة المثقفين اتجاه الإسلام، وكتب جورج  طرابيشي عن المثقفين العرب والتراث، وكتب علي حرب عن أوهام النخبة ونقد المثقف، وكتب بعض الصحفيين اللامعين كتابا حول أزمة المثقفين ضمنه ملاحظاته وتعليقاته حول طرائق تعاطي المثقفين مع أزمات العالم العربي (محمد حسنين هيكل).

هذه الكتابات التي تركزت حول هوية المثقف في التجربة التاريخية للأمة ودوره، أو تركزت على نقد الأشكال التي يتعاطى بها مع واقعه، أو وجهت سهام النقد إلى اصطفافاته مع الاستبداد أو انحيازاته ضد هوية أمته، أو تماهيه مع الثقافة الغربية، واستهدافه لتراثه ومكونات هوية الأمة. هذه الكتابات كلها، مع اختلاف موضوعاتها وزوايا نظرها، فإنها تجتمع في إبراز دور المثقف، ذلك الدور الذي يفترض أن يقوم به، أو ذلك الدور الذي تخلى عنه، فنتج عن ذلك أزمة ما يسمى بالنخبة المثقفة.

والحقيقة أن كل هذه الكتابات تنطلق من مفهوم واحد للمثقف (المثقف العضوي)، يجعل له وظيفة تغييرية في المجتمع، أو بالأحرى وظيفة سياسية، ينحاز بها إلى المجتمع، ويُكَوِّن قطب الرحى في مقاومة تغول السلطة، وجميع أشكال الهيمنة، بما في ذلك الهيمنة الثقافية واللغوية التي فرضتها السياسة الاستعمارية، وعملت على استبقائها النخب الذيلية المرتبطة بهذه السياسة.

يقدم كتاب الدكتور خالد حجي: "المثَقَّف المثَقِّف: من ضيق فضاءات التواصل الاجتماعي إلى رحابة الأرض وسعة الكلام" مقاربة أخرى، يحاول بها أن يتجاوز المنطق الذي أطر الكتابات السابقة، والتي تواطأت على اتهام المثقف بالتخلي عن دوره، وتغيير انحيازاته الوظيفية في اتجاه السلطة والاستبداد بدل المجتمع ومقوماته الحضارية.

المثقف ابن بيئته أو أي ثقافة تصنع المثقف؟

يلاحظ الدكتور خالد حجي في كتابه على مجمل الكتابات التي تناولت أزمة المثقفين العرب، أنها تنطلق من مفهوم خاص للمثقف، تجعله ملتزما بقضايا الأمة، وبالنضال من أجل قول الحق ومناهضة الاستبداد، والاجتهاد في سبيل التنوير بواقع التخلف ورسم خيارات النهوض والتقدم، لكنها في اللحظة التي تواجه فيها الأمة أزمة أو تراجعا أو تعثرا أو نكبة، تنعطف كلية إلى اتهام المثقف كما ولو كان المسؤول الأول عن هذه الأزمات المتلاحقة.

هذه الرؤية التي ترسم صورة أسطورية للمثقف تضخم بها دوره، حيث تنيط به كل المسؤوليات، المسؤولية التعبيرية والتغييرية، تضمر وتخفي ـ من وجهة نظر المؤلف ـ سؤالا مهما، غالبا ما لا يتم الالتفات إليه عند توجيه التهم للمثقف، وهو: من المسؤول عن إنتاج المثقف نفسه، ومن الذي يضطلع بتشكيل وعيه، وصياغة مواصفاته ومكونات شخصيته؟

"المثقف بفتح القاف، ليس كلئنا تمطر به السماء، بل هو مخلوق تنبته أرض ثقافية، وهو وليد بيئة فكرية تتولى تحديد سقف طموحه"، بهذه القناعة، يباشر الدكتور خالد حجي الاشتباك مع سؤال من يصنع المثقف؟ ومن المسؤول عن تشكيل شخصيته؟

فالمثقف عنده اسم مفعول يقع عليه فعل التثقيف، أي هو ناتج عن بيئة ثقافية رسمت محددات شخصيته وميوله وطموحه ونزوعه، فالبيئة الثقافية التي تستحث الطفل منذ نعومة أظافره على التحصيل العلمي من أجل تحقيق الربح المادي فحسب، لن تلد مثقفا تحدوه المثل العليا التي تدعو إلى التفاني في خدمة الآخرين، والبيئة الثقافية التي يتشرب فيها المثقف معاني الوحدة والتضامن والمواطنة والتعاون والبذل والعطاء وخدمة الأمة، ليست هي البيئة التي تزرع في المثقف الرغبة في تحصيل النفع الذاتي.


يلاحظ المؤلف في سياق تركيزه على معامل البيئة الثقافية، الفرق بين الأوساط الثقافية التي تحد من آفاق المرء وتعظم في عينيه صغائر الأمور، فتمنعه من الخروج إلى العالم المفتوح، وتلزمه ـ بدلا عن ذلك ـ بالتغني بأمجاد ثفافته وترديد بطولاتها وخوض معاركها، فتحيم على المثقف (منتج هذه البيئة الثقافية) بالغيبوية الثقافية، وبين الأوساط الثقافية التي توسع آفاق المرء، وتكسبه المنهج النقدي، والقدرات والكفايات والمهارات اللازمة للتواصل والانفتاح على العالم، والعيش في الواقع بدل الاغتراب في الماضي.

في الحاجة للمثَقِّف بدل المثَقَّف

يتوقف الدكتور خالد حجي على ظاهرة الرداءة في مختلف التعابير الثقافية، ويسجل كيف تصدرت بعض الكائنات الغريبة الواجهة بدون حياء، وأصبحت تعرض كما مرذولا من الكلام والكتابة والمسموع باسم "الابداع" فيتساءل هل تقدم هذه "الكائنات الثقافية الهجينة" دليلا على الإفلاس الثقافي الذي يهمين على الساحة الثقافية بمختلف تعبيراتها؟ أم أنها في الجوهر تعكس مفارقة كبيرة بين جيل جديد مولع بتعابير اليوم، وجيل قديم ربما صار متجاوزا، وأصبح يعيش في الحقيقة زمنا لم يخلق له، بسبب أنه لم عاجز عن تذوق معني الجمال الموجودة في "الإبداعات الحديثة"؟ 

يقر الكاتب بأن تقدم الإنسان في السن يدفعه إلى الحنين إلى الماضي وعدم الاطمئنان للأشكال الثقافية الحديثة بسبب افتقاده لنقاط الاسترشاد في العوالم الجديدة من حوله، لكنه مع ذلك، يؤكد وجود أزمة ثقافية عميقة في العالم العربي والإسلامي، ويرى أنه على الرغم من الوعي بها، فإن هناك صعوبة كبيرة تقف أمام رسم خيارات الخروج منها، ويعلل الكاتب ذلك، بأن الثقافة الرقمية الجديدة التي تعززت وفرضت نفسها في الواقع، تعمل على تجريد الفرد والمجتمع من حسن الانتماء إلى الأرض، وتدفعه للعيش في فضاءات افتراضية لا يكاد يميز فيها الإنسان في الواقع والخيال، ولا يعرف فيها معنى للاستقرار الفكري والقيمي.

 

المثَقِّف الذي يمكنه القيام بالأدوار المنوطة به، هو ينتمي إلى جيل آخر، ينهل من روح التراث ومن روح العصر، ويتحرر من الرؤية الشمولية، ويضع في أولى أولوياته تخليص الفضاء العربي والإسلامي من سطوة الجمود التي هيمنت عليه، ويقطع مع الشمولية كنهج في التفكير، وينتسب إلى الأخلاق الإسلامية انتسابا عمليا ووظيفيا..

 



يستلهم الكاتب قصة حي بن يقظان، ويعتبرها عنوانا للتفكير في الخروج من هذه الأزمة، وذلك لكونها تؤسس للوعي الكوني الذي يجمع بين الحياة واليقظة، فيرى أن هذا الكائن اليقظ الذي يعيد اكتشاف الأشياء في منأى عن تأثيرات الحياة الاجتماعية هو ما يساعد على الخروج من أزمة "الغيبوية الثقافية".
ويستعير أيضا مثال بطل نيتشه في كتاب "هكذا تكلم زرادشت" ليؤكد الحاجة إلى هذا الكائن اليقظ، فبطل نيتشه الذي دخل في خلوة في الجبل، عاد إلى الفضاء العمومي، برؤية أخرى، جعلته ينظر إلى الخصومات التي تنشأ بين الناس، وإلى الأهداف التي تؤطر مركز تفكيرهم على أنها أمور صغيرة لا تستحق أن تنال كل هذا الاهتمام، فصارت هذه الرؤية وتدفعه نحو الإشفاق على هؤلاء الناس، وذلك بسبب أنه صار يبصر أبعادا وجودية أخرى لا يبصرونها من فرط غفلتهم الثقافية.

يقترح المؤلف للخروج من الأزمة الارتقاء من حال المثَقَّف الذي هو موضوع تثقيف إلى حال المثَقِّف الذي هو فاعل في عملية التثقيف، ويرى أن التثقيف نفسه، فعل لا يتأتى إلا باستيعاب خصوصية العلاقة التي تربط المجتمع بفضائه ومجاله الحيوي أولا، وأن من لم يدرك هذه العلاقة استحال في حقه أن يجسر عملية الانتقال إلى حال المثَقِّف الذي يضطلع بدور توسيع آفاق إدراك الناس في بيئتهم الثقافية، ويبين لهم ما يكون جالبا للمصلحة، وما قد يتسبب في نسف قواعد الاجتماع الإنساني برمته وتقويض أسسه.

في وظيفة المثَقِّف

يرى المؤلف أن وظيفة المثَقِّف أن يبلغ الذروتين: ذروة الاغتراف من عالم ثقافته المحلية (الثقافة الأصيلة)، وذروة الانفتاح على العالم الخارجي الفسيح، ويحسن إدارة العلاقة بين هذين العالمين، ولا يتوقف عن الجولان بفكره، ولا يتقيد بنظرية شمولية تمنعه من النظر والتأمل في الكون المتجدد أو تغنيه بالأحكام الذهنية عن الحقائق الخارجية.

هذا الجولان الفكري المتحرر، في نظر الكاتب، هو ما يدفع آفة الفكر الشمولي، وما يجعله يتحرر من نظريات التفسير الجامع المانع للتاريخ والواقع، وينظر إلى كل المعاملات التي تساهم في فهم حركية الواقع والتاريخ، ولا يجمد على عامل واحد، ولا يركن إلى سردية واحدة، فيدخل عقله إلى سجن يقيد قدراته، ويعطل فعاليته.

 

يرى المؤلف أن وظيفة المثَقِّف أن يبلغ الذروتين: ذروة الاغتراف من عالم ثقافته المحلية (الثقافة الأصيلة)، وذروة الانفتاح على العالم الخارجي الفسيح، ويحسن إدارة العلاقة بين هذين العالمين،

 



تبعا لهذا التوصيف أو هذا التحديد، يعتبر الكاتب أن مثقفي ما بعد الاستعمار ليسوا جديرين بالقيام بدور المثَقِّف، سواء الذين جعلوا من نقد التراث والدين والغلة العربية قضيتهم للخروج من التخلف، أو الذين جعلوا من نقد الآخر، والحضارة الغربية والحداثة قضيتهم للخروج من الانحطاط، وسبب ذلك في نظر المؤلف أن كلا الشريحتين من المثقفين ينتميان إلى مدرسة الفكر الشمولي، تلك المدرسة التي تقر سردية واحدة، وتقصي السرديات المختلفة معها.

في المواصفات والشروط
 
المثَقِّف الذي يمكنه القيام بالأدوار المنوطة به، هو ينتمي إلى جيل آخر، ينهل من روح التراث ومن روح العصر، ويتحرر من الرؤية الشمولية، ويضع في أولى أولوياته تخليص الفضاء العربي والإسلامي من سطوة الجمود التي هيمنت عليه، ويقطع مع الشمولية كنهج في التفكير، وينتسب إلى الأخلاق الإسلامية انتسابا عمليا ووظيفيا (يعمل من أجل توطينها في الواقع العملي)، ويجتهد في تكييف الثقافة الشرعية مع متطلبات العصر، بما يعني ذلك التعامل النقدي معها وإبصار دور المؤثرات السياقية والواقعية في إنتاجها أو إنتاج بعض عناصرها ومفاهيمها، ويبين الفرق بين تحرير التعبير وتحرير المعنى في زمن العولمة..

لقد أدرك الكاتب أن هذه المواصفات الكثيرة والمتشعبة ليس من المتيسر تحصيلها إلا من خلال رد الاعتبار للمنظومة التربوية وتنشئة أجيال المستقبل بالنحو الذي يكتسبونها، فتكون بذلك البيئة الثقافية التي وفرتها منظومة التربية والتكوين مساهمة في تنشئة المثَقِّف.

يقر الكاتب بأهمية المؤسسات السياسية والتعليمة والتربوية في محاربة الأمية والارتقاء بجاهزية الأمة الثقافية، لكنه يرى أن التعويل عليها لا يكفي، وأن الحاجة تدعو إلى وعي جديد بمركزية الطفل في عملية التغيير والإصلاح، وبدور الأسرة والمجتمع في العناية بالطفولة.

يشير بهذا الخصوص إلى النموذج الألماني، الذي وإن كان يشترك مع غيره من النماذج الأوروبية والأمريكية، إلا أنه في نظر الكاتب (أقام لمدة طويلة في ألمانيا)، يظل النموذج الذي يتفرد في القوة وإنتاج النخب المتعلمة والمثقفة غير المفصولة عن روح العصر القادرة على تجسير الفجوة بين عالم الأفكار المجردة وبين الواقع المجتمعي.

يرى الكاتب أن سبب تفوق النموذج المجتمعي الألماني يعزى إلى محدد مركزي هو المنظومة التربوية المتكاملة التي تحرص على الاعتناء بالطفل وتشكيل شخصيته منذ مراحل خروجه إلى الوجود الأولي، بل وتحرص على الاعتناء بالحوامل وصحتهن النفسية، على اعتبار أن ذلك هو المدخل الأساس لبناء طفولة سوية، خالية من العقد التي تعيق عمليات تشكيل شخصية الإنسان الألماني الخادم لمجتمعه ووطنه. 

ومع أن التشاؤم هو الصفة التي باتت تخيم على مصير العالم العربي، بسبب أنه وصل إلى مستويات غير مسبوقة في الرداءة، إلا أن الكاتب يتمسك بقدر كبير من التفاؤل، ويرى أنه لا يتصور قاع أسفل متن القاع الذي وصل إليه الفضاء الثقافي، وأنه ليس بعد ذلك إلا قيام الكائن اليقظ وميلاد المثَقِّف الذي يقوم بدور اجتهادي متحرر لاستنهاض الأمة ورسم مسالك خروجها من الانحطاط.