قضايا وآراء

قيس سعيد.. وخيانة الشعب والوطن

1300x600
لم أكن أتخيل مطلقا بأن من يدّعي تقليد عمر بن الخطاب ويحاول أن يظهر رجلا عادلا، ويستشهد بما نسبه بعضهم لعمر: "لو عثرت بغلة في أرض العراق لخشيت أن يسألني الله عنها".. لم أتخيل للحظة أن ما قام به المنقلب مجرد كوميديا سوداء على مسرح السياسة الرعناء ليس إلا.. كنت أحاول تبرير أخطائه بذريعة قلة خبرته في الحياة السياسية أو بفهمه الخاطئ لبعض الأحداث والمواقف، وقد خسرت كثيرا من أصدقائي؛ لأنني كنت أدافع عنه وأبرر له.. ويا لضيعة ما صرفت من وقت، وبذلت من جهد في إقناع كثيرين بأنه رئيس استثنائي.. كم خابت ظنوني وارتكست أمنياتي..!!

بعد انقلابه الأخرق بت على قناعة راسخة بأنه ذئب مكلوم حاقد وغادر، لا يطيق أن يقول له أحد كلمة لا؛ وهو اليوم ناقم من كل من قال له يوما لا.. وبت على قناعة بما يأتي:

أولا: المنقلب يكرر تجربة مصر في تونس، وهو ما تؤكده زيارة المنقلب لمصر قبل الانقلاب بفترة قصيرة، وإشادته بالسيسي والنظام المصري، ووجود ضباط مخابرات في قصر قرطاج -وهو ما لم يتم نفيه، وتم التأكد منه- والسير على نهج السيسي في كل ما يمكن تنفيذه في تونس، ابتداء من حل البرلمان، تمهيدا لبرلمان على الطريقة المصرية لا يحترم الصندوق ويزور النتائج، ويبصم رغم أنفه على كل ما يطلب منه. وقد مهد المنقلب لذلك بحل اللجنة العليا المستقلة للانتخابات، ليكون بإمكانه اللعب والتزوير كما يحلو له، وقد رفض وجود مراقبين أجانب لأي انتخابات، بذرائع واهية، كأن يقول: "نحن دولة مستقلة ولسنا تحت الاحتلال لنأتي بأوصياء علينا"، وانتهاء بفصل تعسفي لعدد كبير من القضاة.

ثانيا: لقد رضخ المنقلب لإملاءات وشروط محمد بن زايد، الذي يصر على هدم كل دول الربيع العربي التي كان آخرها وأجملها تونس. وإذا نجح قيس سعيد في خططه الشيطانية فسوف يكافئه محمد بن زايد بدعم مالي يكافئ جهوده الخيانية وتدميره للديمقراطية.

ثالثا: قيس سعيد شخص مريض وضعيف ويسهل قياده من قبل أسياده وأولياء نعمته، فمن يستطيع السيسي الفاشل التأثير عليه ودفعه إلى السير على خطاه؛ هو بالضرورة أصغر بكثير مما كنا نتوقع، ولا يليق به أن يكون رئيسا لدولة كتونس التي تكتنز من الوعي والثقافة والفكر الاجتماعي والسياسي ما يجعلها أكبر منه بكثير.

رابعا: إذا نجح المنقلب في إتمام مخططاته؛ فسوف يذهب إلى التطبيع لا محالة، ولا يساورني في ذلك أدنى شك، وهنا أنقل ما قالته ناشطة: "دولة الإفك والبهتان التي رفع رئيسها شعار "التطبيع خيانة"، تستقبل صهاينة قادمين من تل أبيب مباشرة، يوم الجنازة المهيبة للشهيدة شيرين أبو عاقلة". وكتب المحامي عبد الله عبد الحميد: "تتواتر الأخبار عن وصول وفد إسرائيلي لمطار تونس قرطاج. هل جاؤوا ليعزونا في وفاة شهيدة القضية الفلسطينية الإعلامية شيرين أبو عاقلة"؟

وكان من أكثر ما قرأت إيلاما ما قاله مثقف فلسطيني يحمل جنسية دولة أجنبية: "منذ شهر ذهبت لمؤتمر علمي في تونس وتم إيقافي لأصولي الفلسطينية مدة خمس ساعات. شيء مخزٍ.. كيف يتم التعامل معي رغم أنني أمثل صرحا علميا في أوروبا، وذهبت لإلقاء محاضرة؟ بعد هذه الحادثة القذرة أقسمت أن لا أدخل تونس ثانية". لكن هل أوقفت سلطات المطار صهيونيا لدقيقة واحدة؟!

خامسا: سيملأ المنقلب السجون بالمعتقلين السياسيين، وخصوصا من قيادات حركة النهضة وأعضائها، وسيلفق لهم تهما على غرار ما تفعل أجهزة الأمن المصرية التي تصدر الأحكام مسبقا وتسلمها لقاض بلا ذمة ولا ضمير..

سادسا: سيقوم المنقلب بحل الأحزاب، وإذا سمح لها بالعودة أمام الضغوط الدولية، فسوف يضع لتأسيسها أو لإعادة نشاطها شروطا تعجيزية تجعلها تحت سيطرته وبلا قيمة فعلية، لأن الأحزاب خارج خطته البلهاء.

سابعا: سيقوم بأحد أمرين فيما يتعلق بالاتحاد العام التونسي للشغل، فإما أن يحله، أو أن يدمره من الداخل من خلال إخضاعه لسلسلة من المراسيم الرئاسية التي ستخلق له مشكلات تجعله غير قادر على ممارسة برامجه والتمتع بصلاحياته، أو يلعب على الخلافات الداخلية والقضايا المرفوعة ضد الإدارة الحالية من بعض منتسبي الاتحاد.

ثامنا: أتوقع بأن المنقلب سيقوم بإجراءات بوليسية تجاه القضاة، ويخضع بعضهم لإرادته تحت التهديد، ويضع آخرين في السجون بعد محاكمات هزلية، إذا فشل في إحداث شرخ في جسم القضاء، من خلال إغراء بعضهم وتهديد بعضهم الآخر، لينهي حالة التمرد العصية التي لم يسبق لها مثيل من قبل، بكل هذا الإجماع والتوافق بين الأطياف جميعا. لكن الموقف الأسطوري للقضاة ربما يعرقل كل خطط سعيد، فقد أصيبوا بالصدمة حين أشارت قاضية إلى أن السلطات الحاكمة شهرت بها وهتكت عرضها واتهمتها بالزنا، بسبب رفضها طلبات أخت زوجة الرئيس لتسهيل بعض الأمور الشخصية من خلالها.

وقد تفاقمت الأمور، واحتقنت نفوس القضاة إثر قيام الرئيس بنفسه بالحديث عن تهمة الزنا على القاضية لفظا في أحد خطاباته الرسمية، والحقيقة أنني والحالة هذه، لا أرى كبير فرق بين المنقلب وبين الشتام وهاتك الأعراض يوسف العلاونة.. ولا أدري كيف يمكن لرئيس دولة أن يهبط إلى هذا المستوى الصفيق الذي إن دل على شيء، فإنما يدل على السفاهة والطيش والجهل، فلا أدري كيف يصدر رئيس دولة دارس للقانون حكما على سيدة بالزنا حتى قبل صدور حكم المحكمة، وحتى لو حكمت المحكمة بإدانتها؛ فليس من صلاحيات الرئيس التعرض لمثل هذه الحالة، ولا يليق برئيس دولة أن يهبط إلى هذا المستوى المتدني.

بات لا يساورني أدنى شك بأن إجراءات قيس سعيد لا تعدو كونها انتقاما من الثورة، وإعادة للدكتاتورية في أبشع صورها، بما يطف عن جمهوريتي بورقيبة وبن علي، وربما قريبا سيرفرف علم كوريا الشمالية في ربوع تونس..!!

إن بقاء القضاء صامدا في وجه سعيد يمكن أن يمهد لسقوط الانقلاب أو إضعافه واضطراره للتراجع، مع أن سلسلة التعديات على السلطات الأخرى والمرافق العمومية تجعل من الصعب على المنقلب أن يتراجع عن قراراته، لذلك ربما من الصعب التكهن تماما بما سيكون بعد موقف القضاة الصلب. لكن في المقابل لو قام المناهضون لسعيد أفرادا ومؤسسات بالتصعيد خلال هذه الفترة، فستكون له آثار إيجابية، فالتصعيد ربما يضع سعيد في وضع ضعيف فتتغير بعض المعادلات القائمة لصالح المناهضين.

إن مشروع الجمهورية الجديدة يشبه إلى حد بعيد جمهورية معمر القذافي الفاشلة، وإنه لمن المستهجن أن يعود قيس سعيد بالبلاد إلى الوراء حيث الدكتاتورية المقيتة والتعسف؛ فمن خلال هذه المنظومة التي يسعى المنقلب لتطبيقها على الواقع سيكون للرئيس صلاحيات غير محدودة، فهو السيد والمالك والمتصرف والمقرر والمنفذ والمشرع في آن معا، والآخرون جميعا عبيد وخدم لشخصه ليس غير، وويل لمن يخالف قوانينه العرجاء.

إن أخطر ما في هذا المشروع أنه سيدفع كثيرا من البسطاء وأنصاف المثقفين إلى ترشيح أنفسهم في المعتمديات، بزهو وفرح، وهي خطوة خبيثة لكسب طبقة البسطاء في المعتمديات التي لا يوجد في كثير منها رصيد سياسي وثقافي كاف يمكنها من فرز شخصيات قادرة على التعامل مع القضايا الكبرى المنوطة بها، لا سيما أنها تقع في رأس الهرم في هذا المشروع الفاشل؛ مما سيخلق للمنقلب نوعا مثاليا من السيطرة المطلقة على كل مفاصل الدولة صغيرها وكبيرها.

لكن هذه الفوضى الكامنة في عقل المنقلب المريض، والمنعكسة على المجتمع بكثير من الحنق والرفض، ستؤدي بتونس إلى حالة من الهيجان والبلبلة، بعد أن باتت المعركة قريبة جدا من مرحلة كسر العظم، وهو ما قد يؤذي إلى زوال الطاغية، ووصول البلاد إلى حافة الانهيار، والحديث عما بعد سعيد ذو شجون..!!