قضايا وآراء

الصراعات تغيّر مسارات العولمة وخرائطها

1300x600

تلقت العولمة في السنتين الأخيرتين ضربات يمكن وصفها بالقاتلة بالنسبة لهذا المسار، الذي فرض نفسه على مدار العقود الماضية كأحد أهم معطيات العصر الحديث، فبعد جائحة كورونا التي تسببت بقطع سلاسل التوريد واضطرار الدول إلى البحث عن بدائل محلية وإقليمية، نتيجة حالات الإغلاق التي شهدتها مصادر الإنتاج والأسواق المستقبلة للسلع، جاءت الحرب الأوكرانية وما أفرزته من عقوبات وتعقيدات بوجه روسيا وأوكرانيا، اللتين تبين أنهما مساهمان كبيران في إنتاج الكثير من السلع الغذائية والمواد الأساسية التي تدخل في كثير من الصناعات الحديثة.

في خضم هذه التطورات، بدأت تظهر أصوات في العديد من جهات العالم تطالب بإعادة توطين الإنتاج واتباع نهج الاعتماد على الذات، بديلا عن الاعتمادية التي سادت في مراحل سابقة، التي على أساسها برزت التخصصات، حيث ذهبت كل دولة أو إقليم اقتصادي إلى إنتاج السلع والأدوات التي تستطيع المنافسة بها، والتخلي عما تعتبر أن استيراده من الخارج أقل كلفة من إنتاجه داخليا، وقد تجلت هذه المعادلة بوضوح من خلال تخلي الدول المتقدمة عن إنتاج السلع التي تتطلب كثافة في اليد العاملة وملوّثة للبيئة، والاكتفاء بإنتاج التقنيات ذات المردودية الربحية العالية وقليلة العمالة.

أدى هذا التحوّل في الإنتاج إلى جعل الصين، وبدرجة أقل الهند وبعض دول آسيا، مصنع العالم، بوصفهما الأطراف التي تملك وفرة في اليد العاملة الرخيصة، وعدم وجود قيود بيئية تعيق الإنتاج لديهما. وجراء ذلك، تم نقل العديد من الصناعات من أمريكا الشمالية وأوروبا إلى آسيا، وحققت هذه المعادلة المكاسب لطرفيها فترة من الزمن، حيث تمد آسيا ذات الدخل المحدود ونمط المعيشة المتقشف بلدان الغرب الغنية والمتفرغة للصناعات الأكثر ربحية.

لكن يبدو أن للحسابات السياسية والصراعات الجيوسياسية رأيا آخر، وثمة معادلة آخذة في التبلور، وخاصة بعد الحرب الأوكرانية، إذ بقدر ما يستطيع الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية فرض عقوبات على الأطراف الخارجة عن إرادته، فإن الأطراف في الجهة المقابلة من حقهم تسييس التجارة الدولية والتحكم بمساراتها، واستخدامها كأوراق ضغط في مواجهة ما تعتبره هذه الأطراف تدخلا في الشؤون الداخلية لها، ووضع معايير ومقاييس للحكم وإدارة العلاقات بين الشعوب وأنظمتها السياسية، ويدفعها إلى اتباع هذا المسلك إدراكها لنقاط ضعف الغرب، القائمة غالبا على عدم قدرته توفير بدائل لمنتجاتها وخدماتها، إما بسبب عدم امتلاكه لهذه السلع والمنتجات، مثل النفط والغاز، أو بسبب ترفعه عن إنتاجها، واستحالة إعادة توطينها نتيجة قلة الخبرات وضعف البنى التحتية اللازمة لإنتاج هذه السلع.

أدت الشعبوية القومية التي كانت أحد إفرازات الاعتراض على العولمة، دورا كبيرا في إنضاج سياقات إضعاف العولمة، إذ طالما ركّز خطابها السياسي، الذي جمع للصدفة تيارات يمينية ويسارية، على تحميل العولمة مسؤولية تراجع الانتماء القومي والتوزيع غير العادل للثروات على المستوى الكوني، مع المطالبة بإعادة الاعتبار للإنتاج المحلي للخروج من هيمنة المنتجين، وتعزيز القيم الوطنية في مواجهة تيار العولمة الكاسح.

إزاء هذه التطورات، بدأت ترتسم في الأفق ملامح أشكال جديدة من العلاقات التجارية على المستوى العالمي يمكن وضع خريطتها على الشكل التالي، حسب الخيارات المتاحة أمام الأطراف الدولية:

ـ الخيار الأول: إنتاج ما يمكن إنتاجه محليا، وإعادة ما كان ينتج سابقا على الصعيد المحلي قبل التخلي عنه، لكن هذا الخيار يبدو غير متاح حاليا لما يتطلبه من تدريب وتأهيل  للكوادر المتخصصة، بالإضافة إلى إيجاد السلاسل الإنتاجية المساعدة؛ إذ على سبيل المثال، صناعة السيارات الألمانية تبين أن جزءا كبيرا من مكوناتها يتم صناعته في بلدان أخرى، وخاصة أوكرانيا، فضلا عن المواد الأساسية التي يتم استيرادها في الغالب من الخارج.

ـ الخيار الثاني: العودة إلى الإقليمية في الإنتاج، بحيث ينتج كل إقليم، متناسق ومتناغم سياسيا واقتصاديا، كل ما تتم الحاجة له، كأن ينتج الاتحاد الأوروبي جميع احتياجاته من السلع والمواد، لكن هذا الخيار أيضا تواجهه عقبات ومصائب عديدة، أهمها أن الكتل الإقليمية أغلبها، الاتحاد الأوروبي، مجلس التعاون الخليجي، ينتج سلعا متشابهة، مع فوارق واستثناءات بسيطة، ومن ثم لن يستطيع تلبية الاحتياجات المطلوبة كافة من قبل سكانه، كما يحتاج إلى أسواق خارجية نظرا لتشبّع أسواقه بالمنتجات المتشابهة.

ـ الخيار الثالث: تجزئة العولمة إلى عولمات بحيث تتجه كل مجموعة من الدول إلى التعامل التجاري مع دول محدّدة تشاركها القيم السياسية والثقافية، كأن يقتصر التعامل مع الصين على الدول ذات النهج الاستبدادي، أو تتعامل دول أوروبا الغربية مع الدول الديمقراطية.

 

أدت الشعبوية القومية، التي كانت أحد إفرازات الاعتراض على العولمة، دورا كبيرا في إنضاج سياقات إضعاف العولمة، إذ طالما ركّز خطابها السياسي، الذي جمع للصدفة تيارات يمينية ويسارية، على تحميل العولمة مسؤولية تراجع الانتماء القومي والتوزيع غير العادل للثروات على المستوى الكوني، مع المطالبة بإعادة الاعتبار للإنتاج المحلي للخروج من هيمنة المنتجين، وتعزيز القيم الوطنية في مواجهة تيار العولمة الكاسح.

 



عمليا، ترجح المعطيات احتمال ذهاب العالم باتجاه الخيار الثالث، الذي سيتعزّز لو قامت الصين على سبيل المثال بغزو تايوان واضطرار الغرب إلى مقاطعتها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الأثناء، هل الغرب الذي باتت لديه مؤشرات عديدة عن احتمال تدخل الصين بتايوان، لم يجهّز حتى اللحظة بدائل عن المنتج الصيني الذي أدمنت عليه الأسواق الغربية؟

لا شك أن مسار العولمة دخل، نتيجة سياسات إدارة العلاقات الدولية، في مسار شائك جدا، ومن غير المتوقع أنه بعد الصراعات الحاصلة وسياسات العقوبات والحصار المتبعة، استمرار التعامل التجاري الدولي وفق الأنماط التي سادت في العقود الأخيرة الماضية.