كتاب عربي 21

ملامح السياسة في المنطقة تتقلّب وهناك من لا يصدّق

1300x600

من أبجديات السياسة في منطقتنا عند الأوساط الشعبية غير ذات الصلة بمنطقها الحقيقي؛ هي تلك المقولة التقليدية أن "السيّد الأمريكي" أعطى أوامره للأتباع، وأحيانا تتم إضافة السيد الصهيوني، أو استخدام مصطلح "الغرب"، فيما يتفرّد "حزب التحرير" الإسلامي بثنائية بريطانيا وأمريكا الفريدة والغريبة في آن.

كان ذلك معلما بارزا في محيطنا العربي؛ حتى أيام الثنائية القطبية أيام الاتحاد السوفياتي، حيث لم يكن كثيرون يعترفون؛ بخاصة في قراءتهم لمواقف الممالك الوراثية سوى بالسيّد الأمريكي، لكن الموقف ما لبث أن حُسم تماما بعد التفرّد الأمريكي في المشهد الدولي إثر سقوط الاتحاد السوفياتي.

تدخل السياسة في متاهة بائسة حين يتم التعامل معها بلغة "السيّد" و"العبد"، أو بلغة العمالة، كأن يقال إن هذا النظام عميل لتلك الجهة (أمريكا أو سواها)، وهكذا، فضلا عن الدخول في متاهات تآمرية مثل دين ومذهب وأصل هذا القائد أو ذاك، وهو مسار ينتمي لنظرية المؤامرة ويبدو مريحا بالطبع، لكنه لا يصل إلى تحليل صائب في فهم قضايا السياسة المركّبة والمعقّدة.

نتذكّر هذا كله، ليس في سياق الحرب الروسية ضد أوكرانيا وحسب، بل قبل ذلك أيضا، لأنه مشهد بدأ يظهر قبل ذلك، وازداد وضوحا بعد فوز بايدن بالرئاسة بعد رئيس غريب الأطوار اسمه ترامب.

سنذهب أبعد من ذلك بكثير، ذلك أن مشهد التفرّد الأمريكي بالوضع الدولي قد بدأ بالتراجع عمليا منذ ورطة أمريكا في العراق وأفغانستان بعد هجمات سبتمبر 2001، ولنا أن نتذكّر مثلا أن بعض قوى المقاومة العراقية التي أرهقت الأمريكان على سبيل المثال قد تلقت قدرا من الدعم من قبل تلك الدول المحسوبة على الفلك الأمريكي مثل دول الخليج، فيما كان تنظيم الدولة يتلقى دعما غير مباشر من نظام الأسد.

 

مشهد التفرّد الأمريكي بالوضع الدولي قد بدأ بالتراجع عمليا منذ ورطة أمريكا في العراق وأفغانستان


منذ ذلك الحين بدأ الصعود الصيني يبدو أكثر وضوحا، فيما كانت روسيا تلملم وضعها في اتجاه الصعود، وصولا إلى حالها اليوم، حيث تدخل في اشتباك كبير مع الغرب.

نعود إلى ما يجري راهنا، ذلك أن بعضهم لم يصدّق مثلا أن السعودية والإمارات قد رفضتا مناشدة "بايدن" بزيادة إنتاج النفط من أجل تخفيض الأسعار؛ إن كان لحسابات الداخل الأمريكي، أم من أجل الضغط على روسيا، ثم وصول الأمر حدّ رفض زعيمي البلدين تلقي اتصالات من الرئيس الأمريكي.

مثل هذا السلوك لم يكن ممكنا قبل وضع التعددية القطبية الراهن، لكن ذلك لا يعني أنه لم يكن واردا بالمطلق، وأن تلك  الأنظمة كانت تخضع لمطالب السيّد الأمريكي أيا كانت، فالسياسة لا يمكن أن تكون بهذا التبسيط، وما من زعيم إلا ويمكن أن يقول (لا) في بعض المحطات؛ مهما بلغ ضعفه.

ما يجري راهنا هو شعور السعودية والإمارات بأن "بايدن" لم يعد معنيّا بهمومهما، وأنه يمضي حثيثا باتجاه توقيع اتفاق نووي مع إيران، في وقت ما زالت الأخيرة تتلاعب بالمشهد اليمني وتهدّد البلدين.

وإذا كان الحال كذلك، فلماذا يكون عليهما أن يأخذا مصالح الولايات المتحدة في الاعتبار؟ دعك هنا من حسابات داخلية خاصة، كما هو الحال مع ولي العهد السعودي، واستمرار الحديث عن قضية جمال خاشقجي.

الخلاصة أن مشهد التعدديّة القطبيّة الراهن، قد بدأ يفسح المجال أمام اللعب على تناقضات الدول الكبرى، وهو ما سيكون أفضل في المرحلة المقبلة.

 

مشهد التعدديّة القطبيّة الراهن، قد بدأ يفسح المجال أمام اللعب على تناقضات الدول الكبرى


تذكّرنا ذلك كله أيضا إثر القمة الثلاثية التي عقدت في "شرم الشيخ" بين قادة مصر والإمارات والكيان الصهيوني، ثم اللقاء "التاريخي"؛ بتعبير وزير خارجية الكيان (صاحب الدعوة والمستضيف) لوزراء خارجية أمريكا والمغرب والإمارات ومصر. وهنا يبرز الخطر الأكبر ممثلا في عناق الكيان على أمل التعاون معه في سياق مواجهة إيران، إضافة إلى قضايا محلية ذات علاقة بالاقتصاد؛ فيما خصّ مصر.

هنا يبرز المطلب الأكبر للكيان الصهيوني ممثلا في مساعدته على تصفية القضية عبر "السلام الاقتصادي"، مع أنه كيان له مشروع هيمنة أسوأ من إيران، بدليل أن ذات الدول المهمة عربيا هي التي واجهت مرحلة التطبيع السابقة بعد "أوسلو"، أعني مصر والسعودية وسوريا، فكيف تتواطأ هي ذاتها أو بعضها مع البرنامج الجديد، بجانب مساعي استقطاب النظام السوري لذات المربّع، رغم أن ذلك لا يبدو ممكنا لأن إيران رسّخت أقدامها في سوريا على نحو يصعب معه عزلها أو إبعادها، بل بالإمكان القول إنها تفضل إدماج النظام في الوضع العربي، ومساعدته في إعادة الإعمار.

والحال أن غياب الثقل المصري عن المواجهة مع مشروع التمدّد الإيراني هو الذي أغراه بالمزيد من التقدم، ولو كان ذلك الثقل حاضرا في المواجهة لتغيّر ميزان القوى.

ما نريد الوصول إليه هو أن وضع التعددية القطبية والصراع الراهن؛ يفتح آفاق فعل رائعة لمن يُحسن استخدامه، لكن الذهاب نحو عناق مشروع هيمنة يهدّد المنطقة (المشروع الصهيوني)، لتجنّب خطر التمدّد الإيراني؛ لن يسفر سوى عن مزيد من التيه، أما تماسك الوضع العربي، فيمكن أن يفتح بابا لتفاهم إقليمي عربي تركي إيراني، يبعد التدخلات الخارجية ويحاصر المشروع الصهيوني؛ بدل أن يحوّل "كيانه" إلى ملاذ للجميع، ويعزّز إمكانية التدخلات الدولية باستقطاب كل طرف عربي نحو أحد المحاور، بما يعني استمرار حالة التشتت والشرذمة إلى ما شاء الله.