الذاكرة السياسية

لماذا فشلت وثيقة "العهد والاتفاق" بين البيض وصالح في اليمن؟

فيصل جلول يروي لقراء عربي21 قصة انهيار الوحدة اليمنية وحقيقة الخلاف بين علي عبد الله صالح وسالم البيض

يجمع القسم الأكبر من خصوم وأصدقاء علي سالم البيض على القول بأنه شجاع ومصمم وعنيد. ويرى جارالله عمر أنه لا يجيد المناورة ولا يتراجع عن قرار اتخذه إن كان مقتنعا به، ولعله يزداد تصميما عندما يتصل الأمر بأذى شخصي. وللتذكير، نشير إلى بث كاميرات تصوير مجهرية في منزله في صنعاء، الأمر الذي أخرجه عن طوره، وذلك رغم نفي السلطات اليمنية لهذا الخبر. 

سنقف على أثر هذا الجانب في شخصيته في الحراك السياسي الذي أطلقه بعد اعتكافه في عدن، وصولا إلى الحرب التي كان يؤكد أنه لا يريدها، وأنها ليست حلا لقضايا الخلاف مع شريكه في الحكم. وسيترافق حراكه السياسي مع تصريحات ومواقف تندرج كلها تحت سقف الوحدة.

أشرنا في الحلقة السابقة إلى استنفارات متبادلة بين حرسه وحرس الرئيس علي عبد الله صالح، كانت كافية لإقناعه باستحالة العمل مع الرئيس في مكان واحد، ناهيك عن التجسس على منزله وأخبار الاغتيالات والتهديدات التي ترده من الأصوليين والجهاديين، بل وصل الخطر إلى أولاده وأسرته على مقربة من عرينه في المنصورة في عدن، حيث تعرض أبناء البيض نايف وينوف وابن اخته كمال الحامد لمحاولة اغتيال في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1993 أدت إلى سقوط كمال بوابل من الرصاص، ذلك أن كمال يشبه ينوف البيض وكان يقود سيارته فاعتقد القتلة أنه ابن البيض. 

ستكشف التحقيقات الجنوبية أن القتلة مأجورون، ولديهم ارتباط بزعيم التيار الأصولي في صنعاء، لكن الحكومة اليمنية نفت هذه التأكيدات وتحدثت عن إرهابيين متضررين من الحكم الماركسي السابق. بعد أيام سيطلق مجهولون النار على منزل علي سالم البيض نفسه، فكانت هذه القشة التي قصمت ظهر البعير، وقطعت كل أمل باستعادة الثقة مع الرئيس علي عبد الله صالح وبالعودة لإدارة الدولة بصورة طبيعية في صنعاء.

تزامن ذلك مع انهيار قاعدة العمل الجماعي التي اتفق عليها الطرفان، وهي عموما لم تطبق إلا في الشهور الوحدوية الأولى، ليبادر بعدها كل طرف إلى العمل بالطريقة التي تناسبه، لذا سافر البيض إلى الولايات المتحدة والتقى "أل غور" نائب الرئيس الأمريكي بيل كلنتون، دون المرور بالسفارة اليمنية في واشنطن، في حين لم ينقطع علي عبد الله صالح عن ممارسة مهامه الرئاسية من دون التشاور مع نائبه. 

أصرّ علي سالم البيض على البقاء في عدن حاضنته الطبيعية والامتناع عن العودة إلى صنعاء، رغم الوساطات والمحاولات المتكررة، وأهمها توقيع وثيقة "العهد والاتفاق" في العاصمة الأردنية عَمّان بإشراف الملك حسين، فكانت المحاولة الأخيرة لحل الأزمة اليمنية قبل اندلاع الحرب. 

قبل التطرق إلى تفاصيل هذا الاتفاق لا بد من العودة قليلا إلى الوراء.

راهن البيض من خلال الاعتكاف على إعادة النظر بصيغة الاتفاق الوحدوي، الذي بات معطلا بحكم الأمر الواقع، وظلت حركته اختبارية حتى توقيع وثيقة "العهد والاتفاق". وتفيد مواقفه خلال تلك الفترة أنه كان متأرجحا بين تثبيت شروط إدارة الدولة بطرق دستورية، وصولا إلى الفيدرالية وربما الكونفدرالية، وكان الانفصال ما زال غير مطروح بعد من طرفه، وإن كان حزبه بغالبية أعضائه يريد العودة إلى ما قبل العام 1990.

نقل العاصمة إلى تعز أو جبلة

قبل الشهور القليلة التي سبقت الحرب، قطع علي سالم البيض كل الشكوك التي تحدثت عن نيته بالعودة إلى دولة الجنوب السابقة؛ إذ أكد في حديث صحفي "نحن الذين صنعنا الوحدة، لا يشرفنا أن يكون لنا موقف آخر" (الحياة اللندنية 30/ 10/ 1993).

ويشهد على الموقف نفسه حمود بيدر، أحد القادة الجمهوريين في شمال اليمن خلال لقاء مع الوسيط الأممي الأخضر الابراهيمي: "قلنا لعلي سالم البيض في 27 كانون الأول ـ ديسمبر 1993 صارت الوحدة ملكا للشعب، وليس ملكك وملك علي عبد الله صالح، فرد علينا بالقول: أنتم رفعتم في يوم من الأيام شعار الجمهورية أو الموت، وأنا أقول لكم الوحدة أو الموت. لما سمعنا هذا الكلام خرجنا من عنده مرتاحين" (من محضر لقاء مع الأخضر الإبراهيمي ورد في كتاب فيصل جلول ـ اليمن الثورتان الجمهوريتان الوحدة. دار الجديد. بيروت عام 2000).
 
حاول البيض التمسك بالوحدة الاندماجية، لكن بشروط جديدة أهمها نقل العاصمة من صنعاء إلى تعز أو جبلة، ونجد دليلا على ذلك في ما كشفه مؤخرا علي ناصر محمد في مذكراته: "التقيت علي سالم البيض في أبو ظبي، وكنت قد التقيت به في عمان في أثناء توقيع وثيقة "العهد والاتفاق". كان هو ومن معه ذاهبين إلى صلالة للقاء الرئيس علي عبد الله صالح. 

 

              علي ناصر محمد: البيض أراد نقل عاصمة الوحدة إلى تعز

قال لي البيض نريد وحدة اندماجية عاصمتها تعز أو جبلة، علينا أن نخرج من إرهاب سنحان (القبيلة التي ينتمي إليها رئيس الجمهورية) في صنعاء، ونريدك معنا لأنك تعرف علي عبدالله صالح جيدا، ونحن وإياك إخوان سنقدم لك منزلا وأرضا. والتفت نحو ياسين سعيد نعمان بجانبه، وقال: أعطوه بيتا (...). أجبته: أنا لا أبحث عن سكن، أنا أبحث عن وطن مهدد بالاقتتال والانفصال، وحضرت لأسمع منك لأنك صاحب الشأن. أنت من وقع على الوحدة الاندماجية وأنت نائب رئيسها وشريك علي عبدالله صالح. ثم قلت: تعز لا تختلف عن صنعاء، وكلاهما تحت سيطرته، وأضفت: سأتوسط لدى صالح، وإن وافق سأذهب إلى عدن وأخبركم بموافقته. قال البيض: نحن لا نوافق على زيارتك لعدن ونخشى عليك أن يقتلك علي عبد الله صالح ويحملنا المسؤولية. افترقنا ولم نلتق من بعد إلا في العام 2009 في بيروت بحضور الشيخ سنان أبو لحوم (شبوة برس 12/ 7/ 2013).
        
لا علم لي بنفي من جانب البيض لهذه التفاصيل التي، إن صحت، تظهر رغبة في تعديل جيوبولتيك الوحدة الاندماجية، ومن ثم ممارسة الحكم انطلاقا من المناطق الوسطى التي يتمتع فيها الحزب الاشتراكي بسلطة ونفوذ كبيرين؛ إذ يتحدر من هذه المناطق رئيس الجنوب السابق عبد الفتاح إسماعيل، والقسم الأكبر من كوادر التيار الشمالي في الحزب الاشتراكي، ومنها تتزود الدولة الشمالية بالقسم الأعظم من كوادرها، ناهيك عن أن تعز كانت عاصمة الإمام أحمد حميد الدين، ومن ثم ليست المرة الأولى التي تحتل فيها مثل هذا الموقع السياسي.

أما مدينة جبلة، فهي أيضا كانت عاصمة الدولة الصليحية في القرن السادس الهجري، بل عاصمة الملكة أروى الصليحية، أول ملكة في الإسلام. ولعل الإشارة إلى المدينتين لا تخلو من حسابات أخرى، من بينها الطابع الشافعي الواحد للجنوب وللمناطق الوسطى التي يُعبّر قسم مهم من سكانها عن تمردهم على السلطة المركزية في صنعاء. إن تغيير عاصمة الوحدة الاندماجية، يتيح للحزب الاشتراكي هامشا واسعا للمناورة ويمنحه حاضنة شعبية كان يفتقر إليها في صنعاء، ويمكنه في العاصمة الجديدة أن يعدل بعض الخلل الديموغرافي الواسع بين الشمال والجنوب.

لم يكن علي ناصر محمد مخطئا في تقديره لنفوذ علي عبد الله صالح في تعز، فهو قد عرف المدينة جيدا قبل توليه الرئاسة، إذ كان قائد "لواء تعز" في عهدي الرئيسين إبراهيم الحمدي وأحمد الغشمي، ويعرف عن كثب مشايخها وأسرها ومنها يتحدر كبار مساعديه، وفي طليعتهم رئيس الوزراء الراحل عبد العزيز عبد الغني، لكن تعز لا تدين بالولاء المطلق للرئيس صالح، فهناك شرائح وقوى سياسية تتمنى طي صفحته، وقد يتسع نفوذ هذه القوى إن استندت إلى الحزب الاشتراكي، الذي صار شريكا في الدولة اليمنية. سنتأكد من واقعية هذا الرهان خلال شهور "الربيع العربي"، إذ تحولت تعز إلى قاعدة مركزية لما عرف بـ "الثورة اليمنية"، فضلا عن مشاركة قسم مهم من أبنائها في الحراك "الثوري" وقيادته في صنعاء.  

لن نعرف تفاصيل أكثر عن هذا الخيار الذي ورد ذكره حصرا في مذكرات الرئيس علي ناصر محمد، ولم يرد في أي من تصريحات البيض أو الحزب الاشتراكي ما خلا المقربين الشماليين من الحزب، الذين كانوا يأملون ان تأتي "الوحدة الاندماجية" بحكام من الجنوب ومن المناطق الوسطى بعد مئات السنين من حكم الزيود.

الفيدرالية 

على الرغم من أهمية هذا الخيار، فإن إعادة النظر في عاصمة اليمن الموحد ما كانت ستؤدي إلى حل لمشكلة الصراع داخل الوحدة. كان الأمر يحتاج إلى وقت طويل حتى يصبح بوسع الحزب الاشتراكي تغيير موازين القوى في الداخل بين الشمال والجنوب، ناهيك أن المناطق الوسطى في شمال اليمن، كانت تحتاج إلى سنوات عديدة وتجربة جديدة لتثق بالانحياز إلى الحزب الاشتراكي بعد فشل حرب العصابات، التي كان الحزب يخوضها في مناطق الشمال قبل الوحدة، والتي باءت بالفشل وتركت آثارا سيئة في هذه المناطق، وبخاصة مجزرة المشايخ التي اتهم بارتكابها ضابط شمالي وجد الحماية في عدن بعد المجزرة. هذا إذا افترضنا أن المؤتمر الشعبي العام سيقف مكتوف الأيدي، وهو الذي يضم في صفوفه أكثر من 50 بالمئة من المنتمين إلى تعز، بخاصة والمناطق الوسطى عموما.

مع تعذر هذا الاحتمال، ربما مال علي سالم البيض إلى الحل الفدرالي، ومن ثم العودة عن الوحدة الاندماجية؛ جراء ضغوط حزبية كان أصحابها يرغبون بالرجوع إلى حل الدولتين. ثمة إشارات عديدة تتحدث عن هذا الخيار الذي جرى التداول فيه بطريقة غير رسمية، ونجد تلميحا عليه من طرف الشيخ سنان أبو اللحوم، وهو الأقرب إلى البيض في ذلك الحين من الرئيس علي عبد الله صالح. 

يؤكد أبو اللحوم أنه تأكد من اقتناع البيض بالفيدرالية خلال زيارته إلى عدن رفقة مجاهد أبو شوارب، وأن حيدر أبو بكر العطاس وعبد الرحمن الجفري أوصلاه إلى هذا الخيار (فصلية روافد اللبنانية آذار/ مارس 2000)، لكن مصدرا مقربا من البيض ينفي هذه التفاصيل، ويؤكد أن الشيخين أبو اللحوم وأبو شوارب التقيا البيض في عدن، وعبّرا عن موقف حيادي في الصراع بين الطرفين، وأكدا له وقوفهما ضد من يبدأ الحرب، لكن أبو اللحوم اعتكف في القاهرة طيلة فترة الحرب ولم يناهض المعتدي. 

في السياق، يروي المصدر نفسه أن مجاميع قبلية من الشمال كانت تأتي إلى عدن، وتعلن تأييدها المطلق لعلي سالم البيض، وتحصل على أسلحة ودعم مالي، لكنها ما إن تصل إلى صنعاء حتى تغير موقفها، وتحصل على المال من الرئيس علي عبدالله صالح، ومن ثم تراقب الموقف لتصطف مع  الطرف الذي تميل الكفة لصالحه.

ما نعرفه من متابعتنا لمواقف البيض في تلك الفترة، أنه لم يطرح الفدرالية كحل لمشكلة التعايش في حكم اليمن، وإن كانت وثيقة "العهد والاتفاق" قد استندت إلى الحكم اللامركزي، ومن ثم ابتعدت عن الوحدة الاندماجية بصيغتها السابقة، التي أدت إلى أزمة الحكم في صنعاء من دون أن تصل إلى الفدرالية. نصت الاتفاقية على تغيير التنظيم الإداري لليمن عبر هرمية لا مركزية مؤلفة من 4 إلى 7 مخاليف (محافظات)، تتمتع بلا مركزية إدارية ومالية وأمنية، من دون المس بحقوق السيادة الوطنية، أي لا تتمكن من عقد معاهدات خارجية أو صفقات وطنية، وإن كانت لديها وسائل أمنية محلية، فليس لها الحق في إنشاء جيش وطني. 

ونصت الاتفاقية على إنشاء مجلس شورى بالمناصفة بين الشمال والجنوب، وعلى انتخاب مجلس رئاسي للدولة من طرف مجلس النواب لدورتين حصريتين، على أن ينتخب المجلس الرئاسي رئيسه ونائبه.

كانت الوثيقة تشكل مخرجا مهما للحفاظ على الوحدة اليمنية، وتعطي الجنوب حقوقا أفضل من ذي قبل، وحظيت بإجماع الأطراف اليمنية الثلاثة: الاشتراكي والتيار الإسلامي والمؤتمر الشعبي العام. وقد وقعها حيدر أبو بكر العطاس (اشتراكي) وعبد الكريم الإرياني (مؤتمر) وعبد الوهاب الآنسي (إصلاح)، ومن ثم وقعها صالح والبيض بحضور ورعاية العاهل الأردني وحوالي 300 شخصية يمنية في عمان. 

لم يغير التوقيع على الوثيقة مسار الأزمة، والراجح أنها جاءت متأخرة؛ ذلك أن أطرافا خارجية عديدة دخلت على خط الصراع، وبصورة خاصة دول الخليج التي أرادت أن يدفع الحكم ثمن تحالفه مع صدام حسين، وحاولت إغراء المحيطين بعلي سالم البيض بأن الانفصال ممكن ومُيسَّرٌ، وأن وعودا أمريكية جاهزة لحمايته، وأن الجنوب يمكن أن يصبح "بروناي" شبه الجزيرة العربية، ناهيك عن ضغوط داخلية من الشمال، أوحت للاشتراكيين بأن تشددهم سيحدث تصدعا في حكم الرئيس علي عبد الله صالح، وسيوفر فرصة لحكم أفضل للجميع.

انهيار جسور الثقة بين صالح والبيض

عندما وقع علي سالم البيض وثيقة "العهد والاتفاق" في عمان، كان من المنتظر أن يعود إلى صنعاء. كانت عودته شرطا لتطبيق الاتفاق، لكن جسور الثقة قد تحطمت بينه وبينه علي عبدالله صالح الذي أدرك في حينه أن البيض لن يرجع إلى العاصمة، بعد أن سمع منه في خلوة عابرة على هامش التوقيع نقدا حادا، مفاده (لا يجوز لرئيس دولة تحترم نفسها أن يستخدم قتلة ومجرمين ورقة للضغط وللتفاوض)، في إشارة إلى وجوب اعتقال المتهمين بمحاولات الاغتيال، وليس مقايضة اعتقالهم بتنازلات من البيض.

لم تتوقف الحملات الإعلامية بين الطرفين، وساهم في تفاقمها متشددون وانفصاليون وأصوليون من الجهتين. في هذا الوقت، كان تيار داخل الحزب الاشتراكي يذكر بالصيغة الفدرالية التي رفضها علي سالم البيض، ويطالب جهارا بالعودة إلى الوراء. أضف إلى ذلك انتشار تقارير أمنية مدسوسة تتحدث عن محاولات اغتيال قيد التدبير، فكان أن بقي البيض في عدن التي كانت على موعد مع الحرب والانفصال والرجوع إلى دولة الجنوب السابقة.

 

اقرأ أيضا: سالم البيض.. اشتراكي يمني اختبر أفكاره السياسية ودفع ثمنها

 

اقرأ أيضا: البيض.. هاشمي جذبته القومية والاشتراكية والوطنية الديمقراطية

 

اقرأ أيضا: البيض.. هكذا انتصرنا على بريطانيا ووحدنا 22 مشيخة وسلطنة

 

اقرأ أيضا: البيض.. راديكالي بحكومة ثورية هدفها نفط الخليج وتحرير فلسطين

 

اقرأ أيضا: علي سالم البيض.. فقد مناصبه السياسية بسبب زواجه ثانية

 

اقرأ أيضا: كيف نجا البيض من مجزرة التواهي ووصل إلى السلطة في معاشيق؟

 

اقرأ أيضا: علي سالم البيض يكتب الفصل الأخير في سيرة النظام الاشتراكي

 

اقرأ أيضا: قسم الوحدة اليمنية على القرآن الكريم في جبل "حقات"

 

اقرأ أيضا: البيض.. نجم قمة بغداد يخفق في دمج حزبي الحكم ويعتكف في عدن