تقارير

الهوية الفلسطينية كما بدت في "أدب السجون".. تجارب وآراء

الأسرى الفلسطينيون جزء من معركة الوعي في مواجهة رواية المحتل

الأسرى والمعتقلون في تاريخ حركات التحرر الوطني هم جزء من ذاكرة الأوطان التي ناضلوا من أجل تحريرها، ليس فقط لأنهم دفعوا حياتهم ثمنا لها، وإنما لأنهم تشبعوا بفكر وقيم تلك الأوطان ما جعلهم يقدمون على مواجهة المحتل، مع ما يقتضيه ذلك من دفع أثمان باهظة وفي مقدمتها حرية الإنسان.

ولا يشذ الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال عن هذه القاعدة، فقد قادوا الحركة الوطنية الفلسطينية في الميدان كما في السجون، ففي الميدان أوجعوا الاحتلال، وفي السجون سطروا ملاحم نضالية وفكرية سجلتها كتب الأدب والتاريخ والسياسة.. 

في هذا التقرير الخاص بـ "عربي21"، يسأل الإعلامي الفلسطيني مصطفى عبد الرحمن عددا من الأسرى الفلسطينيين، ليس عن تجاربهم في الأسر وكيف تمكنوا من تحويلها إلى قصص أدبية نادرة، وإنما أيضا عن ما تكتنزه هذه القصص من معالم هوية الفلسطيني المترامية الأطراف بين مواجهة الاحتلال والأسر والمنفى..

 

الأسرى والعلوم


على الرغم من الوضع الصعب الذي يعيشه الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال إلا أن هذا الوضع لم ينسهم أهم مقومات الصمود وهو غذاء الروح بالنسبة لهم "العلم والثقافة"، حيث لم يتوقفوا عن النهل منه رغم محاولة الاحتلال منعهم من ذلك، ما أسهم في تطوير الفعل الثقافي ومروره بعدة مراحل بفعل نضالات وتضحيات الأسرى.

ولم يرق للاحتلال أن يرى هذا الأسير المكبل والذي يعيش في زنزانة لا تدخلها الشمس يمسك بين يديه كتابا ليقرأه أو قلما ليعبر فيه عن ما يجول بخاطره، فحارب هذا الأسير منذ اللحظات الأولى لافتتاح السجون منتصف القرن الماضي بمنع دخول القلم إليه لتبدأ معركة حياة أو موت، ليحصل هذا الأسير على ذلك وأكثر وليتمكن المئات منهم من الحصول على الشهادات العليا داخل السجن (الماجستير والدكتوراه) ويتمكنوا من تأليف المئات من الكتب وتسريبها للخارج وطباعتها.

ويروي الأسير المحرر والمختص في شؤون الأسرى عبد الناصر فروانة لـ"عربي21" قصة الأسرى مع القلم والورق والثقافة ومعركتهم مع السجان التي انتصروا عليه فيها بامتياز.

 

                     عبد الناصر فروانة.. أسير فلسطيني محرر

يقول فروانة: "في السنوات الأولى التي تلت احتلال باقي الأراضي الفلسطينية عام 1967، لجأ الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون إلى تهريب الأقلام، والكتابة على علب السجائر والأوراق الفضية الرقيقة التي تغلف السجائر، والعلب الكرتونية لمعجون الأسنان وصابون الحلاقة، فضلاً عما كان يقع بين أيديهم من كراتين وقصاصات ورق، وغيرها مما يصلح الكتابة عليها وتدوير المعلومات بشكل سري فيما بينهم، فيما كانت إدارة السجون تجري تفتيشات مفاجئة وتصادر ما يقع بين أيدي السجانين من أقلام وهي نادرة، وأوراق شحيحة، وتعاقب كل من تجد لديه قلماً أو ورقة كتب عليها".

وأضاف: "في وقت لاحق تمكَّن الأسرى وعبر المطالبات المستمرة، والاحتجاجات المتكررة، والإضرابات عن الطعام، من انتزاع حقهم في امتلاك القلم والدفتر والأدوات القرطاسية وإدخال الكتب التعليمية، وتبعها انتزاع حقهم في الاجتماعات بين جدران غرفهم، وأحياناً على نطاق أوسع في ساحة الفورة، وعقد مناظرات ودورات تعليمية مختلفة في شتى الميادين، الأمر الذي شكّل أساساً لبناء عملية ثقافية وتعليمية بشكل منظم داخل سجون ومعتقلات الاحتلال الإسرائيلي".

وتابع: "سرعان ما أدركت إدارة السجون أهمية ما تحقق بالنسبة للأسرى، وخطورته على توجهاتها وإستراتيجيتها، لكنها وقفت مكتوفة الأيدي، عاجزة عن مصادرته أمام وحدة الأسرى ونضالاتهم وإرادتهم القوية وإصرارهم على الحفاظ على ما تحقق، فيما نجحت بالمقابل في التضييق عليهم، وانتقلت من مرحلة منع القلم والورقة إلى محاربة المادة المكتوبة، في محاولة منها لإفراغ ما تحقق من مضمونه".

وأوضح فروانة أن إدارة السجون وضعت قيوداً عديدة على الأسرى وبدأت بتحديد كمية الدفاتر ونوعية الكتب المسموح بإدخالها ومراقبتها والمماطلة في إيصالها، واقتحام الغرف وإجراء التفتيشات المفاجئة ومصادرة بعض الكتب التي سُمح بإدخالها، والمادة المكتوبة على الأوراق وصفحات الدفاتر، وإتلافها، ومنعت الجلسات والتجمعات الثقافية في بعض الغرف متذرعة بحجج مختلفة.

وأكد أنه لولا هذه المعركة التي خاضها الأسرى من أجل القلم والورقة لما أصبح الآن هناك مئات الإصدارات تخرج من داخل السجون وهي نتاج عمل المعتقلين سواء روايات أو كتب أو رسائل ماجستير ودكتوراه أو مؤلفات.

وقال فروانة: "بعض هذه الإصدارات طبعت ورأت النور والبعض الآخر لم تخرج من السجن، وغيرها خرجت من السجن ولم تطبع وظلت على ورق".

وأضاف: "هذا يحتاج لتجميع عمل الحركة الأسيرة في مكتبة كبيرة وطباعة ما يلزم لأن هذا يحكي قصة آلاف الأسرى وما وضعوه من أفكار في هذه القصاصات بحاجة لجمع وأرشفة أدب السجون".

وأشار إلى أن معظم إصدارات الأسرى تركز على الجانب الأدبي ويحكي ما يجول بخاطرهم سواء كتابات أو أعمال حرفية ومشغولات يدوية.

واعتبر فروانة أن هذه الإصدارات هي جزء من العملية الثقافية والتعليمية داخل السجون التي لم تتوقف رغم محاولة الاحتلال منعها، وأنها مرت بمراحل عدة، وتطورت بفعل نضالات وتضحيات الأسرى، إلا أنها لم ترتقِ إلى نيل كامل الحق من إدارة السجن.

من جهته قال المحامي حسن عبّادي من حيفا وهو صاحب مشروع "لكل أسير كتاب": "الكتابة خلف القضبان متنفّس للأسير، تجعله يحلّق ليعانق شمس الحريّة؛ من عتمة الزنازين يرسم الوطن قوس قزح... هم في زنازينهم أكثر حريّة من الطلقاء ذوي النفوس الذليلة".

 

                      حسن عبادي.. محام فلسطيني

ويروي عبّادي لـ "عربي21" تجربته ومشروع "لكل أسير كتاب" قائلا: "بدأت مشواري التواصليّ مع أسرى خلف القضبان ويكتبون؛ لاهتمامي بأدب السجون، وهناك من بين القضبان سمعت من أحدهم نكتة بنكهة السخريّة السوداويّة القاتلة: (دخل أسير لمكتبة السجن سائلًا عن كتاب فأجابه السجّان: الكتاب ممنوع وغير متوفّر، لكنّ مؤلّفه في الزنزانة رقم 110)".

وأضاف: "حين شربت قهوتي الحيفاويّة صباح جمعة، فاجأتني زوجتي سميرة: ما دُمتَ مهتمًّا بما يكتبه السجناء وبأدب السجون، فلماذا لا تزور كميل (الأسير كميل أبو حنيش) وغيره ممّن يكتبون؟ راقت لي الفكرة وقرّرت فعلًا زيارتهم، وبعد خوض التجربة شعرت بأنّه صار لحياتي مذاق آخر".

وتابع : "كان اللقاء الأوّل صبيحة الاثنين الثالث من آذار/ مارس 2019م، عشيّة عيد الفطر، في سجن ريمون الصحراويّ؛ وبعد لقائي بالأسير كميل أبو حنيش، كتب لي رسالة عنونَها (كعكُ على بوابة السجن)؛ رسالة  قلبت حياتي رأسًا على عقب، ولست بنادم. أحاسيسه ومشاعره التي عبّر عنها إثر لقائه بـ(غريب) أدخلتني متاهة ودوّامّة لم أخرج منها حتى اليوم، وبعد قراءتها مرارًا وتكرارًا قرّرت لا شعوريًا، البدء بمشوار تواصليّ مع أسرى يكتبون، ومن خلاله ألتقي كلّ أسبوعين بأسرى عبر القضبان، ولكلٍّ قصّته وحكايته".

وأوضح عبادي أنه بعد هذه الزيارة والحديث المعمق مع الأسرى حول أدب السجون والرسائل التي كانت بينهم جاءته فكرة التشبيك بين الكُتّاب والأسرى.

وقال: "الكتّاب وبعض دور النشر يزوّدوني بإصداراتهم وأهتم بإيصالها للأسرى خلف القضبان وبدأت المبادرة يوم 30 تموز/ يوليو 2019م".

وأضاف: "حتى اليوم وصلت الأسرى في زنازين الاحتلال آلاف النسخ من الكتب، يقرأها أسرانا ويقيمون ندوات مناقشة حولها ويكتبون عنها".

وتابع: "أنشر على صفحتي صباح كلّ خميس كتابا أو كتب الأسبوع، وحتّى اليوم نشرت 128 حلقة أسبوعيّة، ما يحفّزني للاستمراريّة في هذه المبادرة بالأساس فرحة أحرارنا وردود فعلهم ونجاحي في إضاءة القليل من العتمة في زنازينهم".

واستعرض بعض ما كتبه الأسرى عن مبادرته معربا عن سعادته لهذا الأمر، مؤكدا انه سوف يستمر في هذه المبادرة، مشيرا إلى أن كتابات الأسرى عنه حفزته الاستمرار، مؤكدا أن الحرية خير علاج للسجين.


وعلى مدار عشرات السنوات ظل الأسرى في سجون الاحتلال يُهربون كتاباتهم قصاصة وورقة تلو الأخرى بطرق معقدة وسرية من داخل الزنازين المعتمة لتنير الطريق لشبعهم في خارج السجون بسري تامة حتى لا يعلم بها المحتل إلى أن ترى النور وتطُبع وتوُزع كشكل من أشكال أدب السجون دون أن يتوقف هؤلاء الأسرى لحظة عن الكتابة من خلال مئات المؤلفات وآلاف المقالات والقصائد والخواطر.

من جهته أكد عبد الله قنديل مدير جمعية "واعد" للأسرى والمحررين على أن إبداعات الأسرى لا حدود لها، وان أدب السجون أثرى الأدب العربي والمكتبة العربية بشكل كبير من خلال رفدها بمئات المؤلفات.
وقال قنديل لـ "عربي 21": "لا يوجد على عقل الإنسان قيد، وكلما ازدادت القيود، ازداد الإنسان عزلة، ووقف موقف الدفاع والتصارع مع الآخرين، وكلما قلّت هذه القيود، ازداد الإنسان انفتاحاً، ووقف موقف الندية والتكامل مع الآخرين، لذلك كانت معركة الأسرى مع السجان لانتزاع القلم والدفتر".

 

                   عبد الله قنديل.. مدير جمعية "واعد" للأسرى والمحررين

وأضاف: "العلم والثقافة ركنان أساسيان ومهمان في معركة الأسرى مع السجان والتي أثمرت هذا الكم الكبير من المخرجات الثقافية التي تحتفي يوميا بإشهار كتاب أو كتابين للأسرى داخل السجون".

وتطرق قنديل إلى الطريقة المعقدة التي يتم خلالها إخراج الكتاب من داخل السجون والمراحل التي تمر بها حتى تطبع وتوزع.

وقال: "من السهل جدا أن نقول أن كتاب خرج من السجن دون أن ندرك كيف تم إخراجه، حيث يتم كتابته على ورق شفاف ورفيع جدا ثم يتم طوي هذه الورقة بشكل ما وتغليفها بالنايلون كي تصبح كالكبسولة ليبلعها احد الأسرى المفرج عنهم ليوصلها للشخص المعني باستلامها".

وأضاف: "ربما يستغرق إخراج الكتاب من السجن 15 سنة لأنه يخرج على دفعات وحسب ظروف الأسرى".

وشدد قنديل على أن الأسرى انتقلوا نقلة نوعية خلال السنوات الماضية في الموضوع الثقافي بعدما اهتموا في التحصيل العلمي من خلال الدراسة بكل أنواعها منذ الثانوية العامة وحتى الجامعة.

وتطرق إلى تجربة "جامعة يوسف" التي أسسها الشهيد إبراهيم المقادمة احد مفكري حركة المقومة الإسلامية "حماس" حينما وصل إلى سجن النقب الصحراوي عام 1992م والتي حولت خيام الأسرى ومقلاعهم إلى قاعات للجامعات.

وأشار إلى أن الآلاف من الطلاب تخرجوا من جامعة يوسف وبعضهم كان يتم معادلة درجاتهم مع جامعات فلسطينية عريقة حيث إن النظام الأكاديمي كان يطبق داخل جامعة يوسف لا سيما في حال توفر الأساتذة الجامعيين الذين كانت تعتقلهم قوات الاحتلال.