تقارير

سعيد جريس العيسى.. مناضل فلسطيني في هيئة الإذاعة البريطانية

كتب سعيد العيسى في التاريخ الأدبي والنقد الأدبي دفاعا عن فلسطين

لا تحتاج وأنت تقرأ عن هذا الشاعر أن تبذل جهداً لمعرفة التزامه بالقضية الفلسطينية وبالهوية وبرفض الاحتلال، وأن تقرأ في أشعاره الكثير من "فلسطين، الأرض والهوية والإنسان والنكبة"، حيث تمتلئ قصائده بمعاني اللجوء والحرمان والإصرار على حق العودة، والالتزام بتفاصيلها من الأرض والقضية حتى برتقالة يافاوية رآها في بقالة لندنية تتدحرج من صندوق كتب عليه  Jaffa orange (برتقال يافا)، فسرح خياله معها إلى يافا وطفولته وأصدقائه، فارتجل أبياتاً وهو ينظر إلى البرتقالة:

ضيّعتها وفقدتها في يقظتي       ..  ووجدتها حلماً يداعب مقلتي
ورأيتها عبر السنين كأنها             ..  تبكي تشاطرني الأسى في غربتي
فوقفتُ مشدوهاً أحدّث في المدى  ..  الخاوي، وأمسح كاوياً من عَبرتي

هو ثالثة الأثافي في "جمعية العروة الوثقى" في لندن، فلسطيني من قرية الجماسين قرب يافا، تشارك مع زملائه الذين شكلوا هذه الجمعية في حبّ الأندلس والتاريخ العربي.

إلا أن أغرب ما واجهته في ترجمة هذا الشاعر (واستغرق مني بحثاً في أصول العائلة والقرية وغيرها) هو ديانته، رغم أن اسمه سعيد جُريس عبد الله إلياس حنا العيسى، إلا أن مطالعة دواوينه وقصائده يصعب أن تتأكد من أن اسمه يتوافق مع ديانته.

وبحثي هنا ليس بحثاً عن الديانة، بل بحثاً لنفي الطائفية عن مسيحيي فلسطين، كما هو الحال في لبنان. ومن خلال بحثي في تراجم شعراء فلسطين وفي متون الشعر الفلسطيني، وجدتُ كثيراً من الأمور اللافتة في الجانب الديني، وتجمعت لديّ مادة متناثرة يمكن البناء عليها في بحث أدبي واسع أو مقال مطوّل.

لكنّ أكثر ما يختصر الأمر ويوصل الفكرة، هو أن تعلم أن قصيدة "محمد في الكهف" عن بدء الدعوة الإسلامية كتبها الشاعر الفلسطيني كمال بطرس ناصر، وأن قصيدة "عمر بن الخطاب" وقصيدة "خالد بن الوليد" كتبهما الشاعر الفلسطيني اسكندر الخوري البيتجالي، وأن شاعرنا سعيد جريس العيسى هو الذي كتب قصيدة "من وحي الإسراء"، التي يقول فيها:

هل بَعْدُ في اللوحِ من معنى يؤدّيهِ     ..   هل عند ربّك آيٌ بعدُ يُوحيهِ
فينصتُ الكونُ للقرآنِ ثانيةً             ..   جبريلُ يهبط من علياه يُمليه
قل خاتم الرُّسُلِ الأطهارِ “أحمدهم”    ..   نزّهتهم في الورى عن كلّ تشبيه
سبحانَ ربّكَ من بالوحي أيّدهُ           ..   بالخُلْقِ يعصمهُ، بالحقِّ يهديه
صُلبُ العقيدةِ لا يثنيه عن هدفٍ        ..   هولٌ، ولا من ذويه الظلمُ يثنيه
لا تستقرُّ على حالٍ جوانحهُ            ..   حتى تقرَّ على أمرٍ مساعيه
عقيدةٌ جذوةُ الإيمان تُضرمها         ..   ومبدأٌ شعلة الإخلاص تُذكيه

ومما يزيد الشك، هو دراسة عامة عن شعره، لم تُذكر فيه ديانته، تلخص أسلوبه بما نقله معجم البابطين عن شاعريته "قال الشعر في الكثير من الموضوعات، بما فيها تعظيم الإسلام والإشادة بمُثُله، وكتب قصائده في الوطنية والحنين إلى الماضي، والغزل من منظور العفة ومزج المشاعر بمشاهد الطبيعة..".


لكن شاعرنا حسم كل هذا الشك بمقالة له، نقل منها محمد عمر حمادة في "موسوعة أعلام فلسطين"، وفيها:

"وإني لأذكر أن نسخة المصحف الشريف كانت ملازمة لنسخة الإنجيل على رف خزانة الكتب عندنا في البيت، وفي أواخر الثلاثينات كان جهاز راديو كأن الوالد لم يقتنِهِ إلا لسماع القرآن الكريم مرتلاً من إذاعة القاهرة ثم من إذاعة فلسطين عند تأسيسها... وكانت الوالدة مثلنا تحب الاستماع إلى القرآن مرتلاً، فقلت لها مداعباً: هذا قرآن يا أمي وليس إنجيلاً. فقالت: أعرف، أليس كله كلام الله؟! فبُهِتُّ وأخذت أردد في نفسي قولة ذلك العالم الفقيه: "اللهم إيماناً كإيمان العجائز".. 

وقد عبّر عن ذلك شاعرنا يوم تصادف عيد الأضحى مع عيد الميلاد سنة 1978، فتمنى عيداً ثالثاً للتحرير في قوله:

حسبي من الدنيا العريضةِ دمعةً        ..   في مأتم، أو بسمةً في عيدِ
سيّان في "عرفات" قمتُ مضحياً      ..   أو كان لي في القدس أجرُ شهيدِ
طوّفتُ بالبيت العتيق ملبياً             ..   وببيت لحمَ خشعتُ للمولودِ
عيدان صفقت القلوب وهللت         ..    لهما، فهل من ثالث موعودِ

ترجمة الشاعر؟!

ولد سعيد العيسى في قرية الجمّاسين قرب يافا، عام 1914 (وقيل 1917)، أتم تعليمه الابتدائي فيها، ثم في رام الله، ثم التحق بالجامعة الأمريكية في بيروت وحصل على الإجازة في الأدب العربي والتاريخ سنة 1937. وهو متحدر من أسرة عريقة في الصحافة، فوالده جريس العيسى شاعر أرّخ أحداث الشرق العربي في النصف الأول من القرن العشرين.

ظهرت ميوله الأدبية منذ صغره، ففاز بالجوائز والكؤوس في مباريات سنوية للشهر العربي والإنجليزي خلال دراسته الثانوية، وخلال دراسته الجامعية كانت له نشاطات قومية وأدبية، ورأس تحرير مجلة "العروة الوثقى" في الجامعة الأمريكية.

بعد تخرّجه درّس في كليّة بيرزيت حتى عام 1941، وفي عام 1942 عين أستاذاً للغة العربية وآدابها في كلية غزة، وتخرج على يديه عدد من شعراء فلسطيني الشباب.

في عام 1943 التحق بالإذاعة الفلسطينية مسؤولاً عن القسم الأدبي، وبعد النكبة عام 1948 التحق بـ"محطة الشرق الأدنى للإذاعة العربية في قبرص" محرراً للأخبار السياسية ومعلقاً سياسياً، وأثارت تعليقاته نقمة المندوب الصهيوني في الأمم المتحدة، وقدم احتجاجاً للحكومة البريطانية. وفي عام 1957 عهدت إليه الحكومة الأردنية بإدارة الإذاعة الأردنية، ثم قصد لندن حيث عين مشرفاً على البرامج الأدبية والثقافية في محطة الإذاعة البريطانية. وهناك أسس جمعية أدبية (العروة الوثقى) بالاشتراك مع فؤاد جبور وحسن الكرمي.

شارك سعيد العيسى خلال وجوده في بريطانيا في مناظرات مع صهيونيين معروفين حول القضية الفلسطينية وأثبت بالمنطق والتاريخ والسياسة بطلان الادعاءات الصهيونية في فلسطين.

سافر في مهمات إعلامية وإذاعية في البلاد العربيّة وأوروبا وكندا، وأمريكا الشمالية. وقد شارك في عدد من المهرجانات، واللقاءات الأدبية والشعرية، منها مهرجان جرش للثقافة والفنون، وقد دعي إليه في بداية عام 1983، وأسهم في عدد من المؤتمرات والندوات الأدبية في مصر، والعراق، ولبنان، والمغرب.

توفي سعيد جريس العيسى في 18 أيلول (سبتمبر) 1991 في لندن ونقل جثمانه إلى عمان ودفن فيها في 5 تشرين الأول (أكتوبر).

كتب سعيد العيسى في التاريخ الأدبي والنقد الأدبي، وراجع كتب الأدب القديم، ونشر معظم ذلك في صحف ومجلاّت مختلفة مثل مجلّة "هنا لندن" التي كانت تصدر عن الإذاعة بي بي سي. وكذلك ترجم روائع الأدب الإنجليزي شعراً ونثراً. وقد حالت ظروفه غير المستقرّة دون جمع شتات آِثاره كلّها في كتب مطبوعة.

 

من مؤلفاته المجموعة في الشعر:

ـ لهمسات الأصيل، شعر، 1989
ـ نفحات، مجموعة قصائد وجدانية وروحية، 1990
ـ أشواق البلد البعيد: يشتمل على ما رسب في الحافظة وأمن الضياع من شعر، صدر بعد وفاته بوقت قصير، 1991

 



يخيم الحزن على قصائد الشاعرِ سعيد العيسى ممزوجاً بالشّوقِ والحنينِ هو الذي عاش مغترباً بعيداً عن وطنه وأرضه، حيث يقول في قصيدة "أنتِ والعيد في الغربة":

لَمَّا ذَكَرْتُـكِ عَـادَ العَيْشُ مُبْتَسِمًا.. وَحَـلّ فِيْ القَلْبِ بَعْدَ الشَّـكِّ إيْمَانُ
أقْسَمْتُ مَهْمَا النَّوَى شَـاءَتْ تُفَرّقنَا.. ذِكْرَاكِ فِيْ خَاطِرِي رَوْحٌ وَرِيحَانُ.
 
وفي قصيدته "بعيداً عن شمسِ بلادي"، يقولُ:

يا بِلادي طالَ السُّـرى فدَعينِـي    ..      أُلـقِ عِـبءَ الحياةِ عن سِتّيْنِـي
يا بـلادي ما إن ذكـرتكِ إلّا        ..      خِلتُ فِي القَلبِ رعشةً تعترينـي

ومن أعذب قصائد شاعرنا، قصيدته "يافا الجميلة":

يافا عليك تحيتي وسـلامي         ..        يافا عروس الشرق والإسلام
يافا ذكرتك فاستفاضت أدمعـي    ..        وذكـرت أمسكِ فاستثار غرامي 
يافا ذكرتك في العشية والضحـى  ..         في الليل في سهري وفي أحلامي
يافا يعزّ علي ان تتألمـي             ..        آلام يـافـا إنهـا آلامـي
أنا من يصون العهد يا يافا فهـل    ..        ما زال في يافـا يُصـانُ ذمامي 

 

*كاتب وشاعر فلسطيني