سياسة عربية

غليون لـ"عربي21": انقلاب تونس هدفه تصفية الربيع العربي

برهان غليون: الربيع العربي كان آخر فرصة للشعوب العربية وللأنظمة وللنخب لأن تخرج من الوضع المأساوي

أكد أستاذ علم الاجتماع بجامعة السوربون الدكتور برهان غليون، أن ما يجري في تونس انقلاب واضح وضوح الشمس على الدستور، وأن هدفه الجوهري "تصفية الربيع العربي وإنهاء أفكاره والعودة إلى النظم التسلطية التي كانت قائمة سابقا".

ورأى غليون في حديث مع "عربي21"، أن النظام العربي القديم لا يملك القدرة على إعادة إنتاج نفسه مهما كانت قوته، وقال: "الذي يجري في تونس هو انقلاب متدرج، انقلاب واضح على الدستور مثل الشمس، وهو أيضا انقلاب تدريجي ضد ثورات الربيع العربي.. فيه محاولة لتصفية الربيع العربي وتصفية أفكاره والعودة إلى النظم التسلطية التي كانت قائمة سابقا".

وأضاف: "لكن مع ذلك أعتقد أن هذه النظم غير قادرة على أن تعيد إنتاج نفسها وأننا سندخل في أزمة ستستمر لفترة طويلة.. بسبب وجود قوى محية ودولية ترفض الاعتراف بحقوق الشعب في أن يكون هو صاحب قراره في تحديد مصيره، وشعوب ما زالت متمسكة بحقها في الحرية، وسندخل في حلقة مفرغة من الصراعات الدائمة، بمعنى أنه لن يكون هناك استقرار".

وعن الأفق المرتقب، قال غليون: "لا بد أن نفهم مضمون الانقلاب، هو انتكاسة ومحاولة لإعادة التاريخ إلى الوراء، هذا جوهر ما يحصل بتونس وبسوريا وفي كل البلدان العربية التي قامت فيها ثورات أعطت أملا للشعوب.. أما النقطة الثانية التي يجب الانتباه إليها أن هذه الانقلابات لا تحصل من فراغ، ولكن أيضا بسبب سوء إدارة وتوجيه وعمل واستراتيجية الحركات السياسية التي تبنت مطالب الشعب.. الأحزاب التي تبنت مطالب الشعب والتي حاولت تبنيها عليها أن تعيد النظر بنفسها وبتفكيرها واستراتيجياتها وخططها وبطريقة تعاملها مع الشعب ومع بعضها أيضا داخل الأطر التي جرت".

ودعا غليون القوى والنخب السياسية المنحازة للشعوب إلى مراجعة سياساتها وخطابها، وقال: "أعتقد أن حزبا مثل حركة النهضة في تونس، يجب أن يقوم بمراجعة جدية حول التجربة الماضية ويخرج نهائيا من ثوب التسلطية التي بقيت في داخله، وأن يصبح حزبا ديمقراطيا ومتفاعلا مع القوى الأخرى.. نحتاج إلى تجديد داخل القوى والتنظيمات الحزبية التي تريد أو تدعي حرية الشعب".

وتعليقا على اللقاء الذي جمع وزيري خارجية تونس وسوريا في نيويورك، قال غليون: "الطيور على أشكالها تقع"، معتبرا أن هناك محاولة من النظام العربي القائم على إعادة تأهيل نظام بشار عربيا تمهيدا لإعادته إلى جامعة الدول العربية.

وقال: "لا شك أن هناك محاولة لإعادة تأهيل بشار الأسد عربيا وإعادة التعامل معه من قبل الدول العربية.. وأنا أعتقد أن هذه ليست أول فضيحة تقوم بها دول الجامعة العربية بل والجامعة العربية نفسها كمنظمة، هذه من الفضائح الكبيرة.. الفضيحة الأكبر أن الجامعة العربية ودولها مجتمعة تصمت على ما قام به بشار الأسد خلال السنوات العشر الماضية.. هذه فضيحة أكبر من إعادته إلى الجامعة ويصبح واحدا منهم لأنه يشبههم ومعظمهم يشبهه ولكن بطريقة أقل حيوانية ووحشية، أي أن لديه مراعاة قليلا للمظاهر.. لكن الأسد هو يتصرف كحيوان لإرهاب شعبه".

وأضاف: "الفضيحة الرئيسية للجامعة العربية ولباقي الدول العربية، أنهم سمحوا لبشار أن يستخدم كل الأسلحة لقتل المدنيين ويدمر بلدا عضوا في الجامعة العربية، ويقتل مئات الآلاف ويشرد ويذبح ويهجّر نصف شعبه من دون أن يقول أحدهم كلمة واحدة أو يصدر بيانا لصالح الشعب السوري.. هذا يدل على أن أفكارهم مشتركة، ولو استطاعوا لفعلوا بشعوبهم ما فعله الأسد بشعبه.. لأنهم أيضا لا يؤمنون بشعوبهم مثل الأسد وهم عبارة عن طفيليات تمتص دماء هذه الشعوب وليست لديها مشكلة في استخدام كل الوسائل، وهذا ما يفسر تبريرهم للأسد ما قام به.. لا يوجد في التاريخ شيء يمكنه أن يبرر لنظام الأسد ما قام به تجاه شعبه".

ورأى غليون أن العرب وبسبب عناد الأنظمة القديمة والقوى الحليفة لها في إسقاط ثورات الربيع العربي، دخلوا في أزمة مضاعفة، وقال: "العرب هم يعيشون منذ الخمسينيات في أزمة ولم يعرفوا كيفية التصرف للخروج من الحقبة الماضية والدخول في التطور والتنمية الزراعية والصناعية والثقافية، خسروا قرنا كاملا من التنمية الاجتماعية والصناعية والإنسانية والاقتصادية والثقافية، الآن سيدخلون في حقبة دموية مزروعة بالصراعات والسيطرة الأجنبية وسيتحولون إلى منطقة صراعات دولية". 


وأضاف: "واضح اليوم أن المشرق مقسم اليوم بين تركيا وإيران والأمريكان والروس والصين غدا، ولم يعد له أفق ليكون دولا مستقلة وقابلة للتفاهم مع بعضها وتقيم علاقات فيما بينها، حتى الجامعة العربية تم إفراغها من مضمونها.. وتستخدم هذه الدولة أو تلك من أجل تحقيق سياسات قصيرة النظر.. لو كان هناك سياسات قائمة على مشاريع مستقبلية تتطلب التضحية من قبل الشعوب فلا أحد يمكنه مخالفة ذلك، لكنها سياسات قصيرة النظر هدفها فقط القضاء على مقاومة الشعوب بكل أشكالها الديمقراطية وغير الديمقراطية". 

وأكد غليون أن "الهدف اليوم من سياسات النظم العربية هو مقاومة تطلعات الشعوب العربية لكل القيم الإنسانية بما فيها الحرية والعدالة وحكم القانون.. هذا هو الذي يجري اليوم، ونحن ندخل حقبة صراعات داخلية وخارجية لا حدود لها".

وأعرب غليون عن أسفه لضياع فرصة الربيع العربي للقطع مع الاستبداد والتخلف، وقال: "رأيي أن الربيع العربي كان آخر فرصة للشعوب العربية وللأنظمة وللنخب لأن تخرج من الوضع المأساوي الذي تعيشه منذ أكثر من نصف قرن بين الدكتاتورية والتخلف الاقتصادي وبين الانحلال الأخلاقي والاجتماعي". 

وأضاف: "كانت آخر فرصة يمكنها من خلال وهج الثورة إعادة تشكيل المجتمعات العربية كأمم وكأفراد أحرار يفكرون في المستقبل من خلال قيم وليس كل فرد ينهب ما يقع بيده بروحية حياة الغابة.. هذه الفرصة أضاعتها الأنظمة والنخب الحاكمة ونصف الحاكمة.. الذين خافوا ولم يستطيعوا التأقلم مع حركة الشعوب، اعتقدوا أن الشعوب فاتحة أفواهها فقط من أجل النهب والأكل وتقتل وتنتقم، والحال لم يكن كذلك، الشعوب خرجت لتقول بأنها تريد الخلاص من الدماء والحروب وتفكر بالمستقبل.. لكن الأنظمة قضت على مستقبل الشعوب العربية"، وفق تعبيره. 

 

ولا يزال مصطلح الربيع العربي متداولا على نطاق واسع في أدبيات القوى السياسية العربية ووسائل الإعلام العربية والعالمية، على الرغم من أن تلك الثورات التي انطلقت من تونس يوم الـ17 من كانون الأول (ديسمبر) 2010 قبل أن تمتد لعدد من الدول العربية الأخرى، لم تنجز أهدافها.