قضايا وآراء

ما بين السيسي وبينيت.. تفهم وعمق!

1300x600
نادرا ما كنت أفعل هذا، لكني أصبحت لا أقرأ الأخبار - حتى أكثرها ثانوية - من مصدر واحد، فأتابع التغطية الإعلامية في صحف ومواقع وقنوات عدة، وأشاهد المقاطع المصورة، إذا توفرت، أكثر من مرة، وأدقق في الصور طويلا.

طويلا، هذه، بلغت حدا غير مريح بالمرة مع الصورة التي نشرها موقع "بي بي سي" العربي لاستقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس وزراء "إسرائيل" نفتالي بينيت، حتى خيل لي أن "الضيف" يقول: "يا عم الحج بص لي.. المصور عايزنا نبص لبعض.. أنت بتبص على إيه.. أنت مكسوف؟!".

صورة بارعة بلا ريب.. الأكثر براعة مفارقة تباين عناوين التغطية الإعلامية المصرية والأجنبية.

الصحافة المصرية ركزت على ما اعتبرته الأهم في اللقاء: "السيسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي: قضية "سد النهضة" حياة أو موت (فيديو)".

والأجنبية نقلت الجانب المسكوت عنه في صحافتنا: "نفتالي بينيت بعد لقاء السيسي: أنشأنا أساساً لعلاقة عميقة".

مقطع الفيديو الذي بثته الشاشات المصرية، والذي تحدث فيه السيسي، دار حول موضوع واحد: سد النهضة، وكأنه كان محور المحادثات الوحيد.

فعلى الرغم من قوله (السيسي): "تحدثت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت "بصراحة جدا وشجاعة حول العديد من القضايا"، إلا أن حديث "سد النهضة" هو الوحيد الذي ذكره من بينها.

إذا، كان حديث السيسي صريحا جدا وشجاعا، من دون "جدا"، وقد أضاف: "لا زال هناك الكثير من الحديث من أجل المنطقة، نحن دائما في مصر نسعى للسلام والاستقرار في المنطقة".

لكن المنطقة في كلام السيسي التالي كانت تعني موضوعا واحدا: "حتى في قضايانا وأزمة سد النهضة التي وجدت فيها تفاهما مشتركا مع الجانب الإسرائيلي، قلت إنه لا بد أن يحل في إطار من التفاوض والحوار الحيوي".. عند الحديث عن أزمة سد النهضة قال إن "هناك تفاهما مشتركا، وتتم معالجة هذا الأمر في إطار التفاوض والحوار للوصول إلى اتفاق بشأن هذا الموضوع الذي نعتبره حياة أو موتا".

ولم يتضح لي ما إذا كان موضوع "حياة أو موت"، هذا، من باب الـ"بصراحة جدا"، أم من باب الـ"شجاعة" من دون جدا.

الصحف الأجنبية وضعت الزيارة في إطارها التاريخي، وفي سياق أشمل، فذكرت أن "اليميني المتشدد نفتالي بينيت (أصبح) أول رئيس وزراء إسرائيلي يزور مصر رسمياً، منذ الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك، قبل نحو 10 سنوات"، وأنها جاءت "بناء على دعوة وجهتها مصر الشهر الماضي لبينيت، الذي تولى رئاسة الوزراء خلفا لبنيامين نتنياهو، قبل ثلاثة أشهر بعد الانتخابات العامة".

ثم أضافت أن "تقارير (صحفية أوردت) عام 2018 أن نتنياهو زار مصر سراً لحضور اجتماع غير رسمي مع السيسي الذي قاد الجيش لخلع محمد مرسي أول رئيس مصري منتخب ديمقراطياً، وذلك عقب انتفاضة شعبية عام 2013، وأنه (السيسي) "أقر، في مقابلة أجرتها معه شبكة سي بي أس عام 2019، بأن الجيش المصري يعمل عن كثب مع إسرائيل في محاربة "الإرهابيين" في شمال سيناء المضطرب"، وأنه (السيسي) شدد على "النطاق الواسع لتعاون القاهرة مع الإسرائيليين".

المتحدث باسم الرئاسة المصرية، بسام راضي، لم يفدنا بشيء يذكر، فالمحادثات حسبما قال "تناولت تطورات العلاقات الثنائية في مختلف المجالات"، بينما كان مكتب بينيت أكثر تفصيلا، فالاجتماع ناقش "القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية، والسبل لتعميق العلاقات وتعزيز مصالح بلدينا"، إضافة إلى "الاستقرار الأمني في قطاع غزة وإيجاد حل للأسرى والمفقودين (الإسرائيليين)".

التفاصيل الأكثر وضوحا قالتها وزارة النقل "الإسرائيلية"، حيث أفادت بأن العمل سيبدأ في معبر طابا بين إسرائيل وسيناء، وهو نقطة دخول للسياح "الإسرائيليين"، بكامل طاقته في اليوم التالي للزيارة؛ مع رفع القيود المفروضة خلال جائحة فيروس كورونا. وقالت مصادر في شركة الطيران المصرية، إن مصر للطيران ستبدأ تشغيل عدة رحلات أسبوعياً بين القاهرة وتل أبيب اعتباراً من تشرين الأول/ أكتوبر.

ما ينبغي عليّ التفكير فيه هو ما تبقى من السياق "التاريخي" الذي قدمه تقرير "بي بي سي"، فقد ذكر أن مصر (كانت) أول دولة عربية توقع اتفاق سلام مع "إسرائيل" عام 1979، لكن العلاقات بين البلدين بقيت منذ ذلك الحين باردة. وما له دلالة هنا أن لقاء السيسي ورئيس وزراء "إسرائيل" جرى قبل خمسة أيام من حلول ذكرى توقيع الاتفاق، الذي ظل "باردا" لفترة طويلة، لكنه أضحى "حارا" حتى العام الماضي حين جرى توقيع عقد الغاز الطبيعي الذي ستشتريه مصر من "إسرائيل"، لتسييله وإعادة تصديره إلى أوروبا، في صفقة مدتها 15 عاما بقيمة 15 مليار دولار.

ويبدو لي أن "حارا"، التي أضفتها، كلمة "خفية"، قد تبدو ظاهرة في الصورة التي أشرت إليها.

أخيرا يذكر التقرير أن "بعض المحللين السياسيين (يقولون) إن المشاعر الشعبية على الأرض في مصر تراجعت عن العداء الحازم لإسرائيل"، ثم يردف بتعليل يبدو مناسبا، فتراجع العداء يأتي "وسط حملة قمع أكثر شدة ضد المعارضة في عهد السيسي (الذي) نجح في ترويض المعارضة وامتصاص الحركات السياسية الأخرى".

وجاهة "التعليل" تظهر أعمق دلالة بالنظر إلى أن السيسي في نفس اليوم تحدث عن حقوق الإنسان، قائلا: "لا يوجد أي شكل من أشكال انتهاكات حقوق الإنسان في مصر"، مضيفا: "ليس من السهل أبدا المحافظة على حالة الاستقرار في دولة تعدادها 100 مليون".

ما استنتجته من متابعتي لمحادثات السيسي وبينيت في شرم الشيخ، أن "تفهم" بينيت لأزمة سد النهضة يقابله "إنشاء أساس لعلاقة عميقة"، ويعجز خيالي، حاليا، عن تصور ما هو أعمق من صفقة الغاز ومن العمل معا "عن كثب مع إسرائيل في محاربة "الإرهابيين" في شمال سيناء".

هذه مرحلة جديدة، تماما، وظني، أو للدقة أملي أن لا تظل المشاعر الشعبية على الأرض في مصر على هذا النحو طويلا.