قضايا وآراء

البورقيبية الكامنة في تونس

1300x600
تستدعي الحالة التونسية الاحتفاء عند كل انتصار مرحلة منذ عام 2011، لكنها يجب أن تستدعي حالة الفهم والتحليل أكثر من مجرد الرثاء عن الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد. وهي تبدأ وتنتهي عند الاقتصاد باعتراف مختلف أطراف الأزمة، وهناك بُعد غائب يتعلق بنمط القيادة السياسية في المخيال الشعبي التونسي ومواصفاتها.

لم تكن حقبة الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة شبيهة بأي حقبة في دولة عربية أخرى، فالرجل جاء من خلفية حزب له جذور إسلامية بزعامة الشيخ عبد العزيز الثعالبي وهو الحزب الدستوري، بالإضافة لخلفية نضالية ضد الاحتلال الفرنسي. وهذا وضع في قيادة البلاد بعد الاستقلال يختلف عن معظم الجمهوريات العربية التي قادتها شخصيات ليست ذا تاريخ قيادي في النضال قبل إسقاط الملكيات.
التجربة البورقيبية نفسها أفرزت تغييرات هامة في البنية السياسية التونسية بغض النظر عن أدائها السياسي وموقفها من الحريات

بل إن أحد أقوى وزراء بورقيبة وهو أحمد المستيري؛ هو الذي ضغط من أجل فتح التعددية السياسية في البلاد، وكان من أبرز من ساعد مؤسسو حركة النهضة في أواخر السبعينات من العام الماضي. أي أن التجربة البورقيبية نفسها أفرزت تغييرات هامة في البنية السياسية التونسية بغض النظر عن أدائها السياسي وموقفها من الحريات.

لم يكن لدى نظام زين العابدين بن علي أية أيديولوجيا أو مشروع إصلاحي واضح المعالم على غرار تجربة بورقيبة، ناهيك عن افتقاد ابن علي لأي تاريخ نضالي أو سياسي قبل وصوله للسلطة، الأمر الذي خلق فراغا في المشروع والقيادة الشعبية حتى اندلاع ثورة الياسمين عام 2011.
المتتبع للمسار السياسي للتجربة التونسية منذ الثورة وحتى الآن يجد أن هناك بحثا خفيا عن الرمز والقيادة الشعبية في كل منعطف تاريخي؛ بلغت أزمة البحث هذه أوجها عام 2013 مع الانتكاسة التي أصابت الثورة المصرية، ولم تجد لها مخرجا سوى مع اصطلح على تسميته "اتفاق الشيخين"

والمتتبع للمسار السياسي للتجربة التونسية منذ الثورة وحتى الآن يجد أن هناك بحثا خفيا عن الرمز والقيادة الشعبية في كل منعطف تاريخي؛ بلغت أزمة البحث هذه أوجها عام 2013 مع الانتكاسة التي أصابت الثورة المصرية، ولم تجد لها مخرجا سوى مع اصطلح على تسميته "اتفاق الشيخين" في باريس بين الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي والشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة ورافع راية التوافق الذي توسطت فيه أربع مؤسسات للمجتمع المدني حازت بسببه على جائزة نوبل وقتها.

كان وجود السبسي في السلطة أكثر من مجرد واجهة للتوافق، كان تعبيرا رمزيا على استمرار البورقيبية المتصالحة مع المعارضة والإسلاميين والقابلة للديمقراطية بغض النظر عن الأداء السياسي لحزب نداء تونس في تلك الفترة. وبعد وفاة السبسي وفتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية، بات واضحا أن الفراغ عاد وبقوة. وهو ما دعا أصواتا قوية داخل حركة النهضة للترشح للرئاسة وتمرير القرار رغم معارضة قيادات هامة في النهضة تخوفا من تكرار التجربة المصرية، ورغم ذلك مضى القرار وترشح الشيخ عبد الفتاح مورو.
تاريخ بورقيبة النضالي يشفع له عند كثير من التونسيين عندما يتجاوز دوره كرئيس، وكانت تحديات تأسيس الدولة والاستقلال ماثلة أمام أعين الجميع. وهو ما يفتقده سعيد في تجربته الحالية التي لا يُعرف إلى أين ستمضي بتونس في نهاية المطاف

لو كانت الظروف طبيعية لترشح الغنوشي وفاز وسد هذا الفراغ لمدة أربع سنوات، لكن حدث رهان من العديد من قوى الثورة والشباب على شخص من خارج الصندوق السياسي، وهو الرئيس الحالي قيس سعيد، ودعمته النهضة في الجولة الثانية. ولأن سعيد ليس لديه لا تاريخ نضالي ولا أرضية سياسية، فإنه اتجه مباشرة عند أول تحد للسلطة للأيديولوجيا البورقيبية المتمثلة في محاولة تلبس رداء الزعيم التاريخي والقيام بدور أبوي أكثر منه دستوري أو سياسي.

كان تاريخ بورقيبة النضالي يشفع له عند كثير من التونسيين عندما يتجاوز دوره كرئيس، وكانت تحديات تأسيس الدولة والاستقلال ماثلة أمام أعين الجميع. وهو ما يفتقده سعيد في تجربته الحالية التي لا يُعرف إلى أين ستمضي بتونس في نهاية المطاف. غير أن الدرس المستفاد من هذه التجربة رغم كل سلبياتها أن البورقيبية ما زالت كامنة في تونس؛ وإن لم تؤطر في حزب سياسي واضح المعالم يتبنى برامجها، وأن على الفاعلين السياسيين والمحللين أن يأخذوا في الاعتبار هذا العامل الهام.

twitter.com/hanybeshr