أفكَار

أحمد عبد الرحمن محمد.. من رموز الانفتاح الإسلامي في السودان

شارك أحمد عبد الرحمن في تأسيس منظمة الدعوة الإسلامية وجامعة أفريقيا العالمية
على الرغم من أن الإسلاميين في السودان قد حكموا البلد نحو ثلاثة عقود كاملة، إلا أن تجربتهم كانت في أغلبها تعكس طبيعة المواجهة مع النظام الدولي، الذي تحفظ ولا يزال يتحفظ على إشراك الإسلام السياسي في الحكم.

أما الآن وقد انتهت تجربة الإسلاميين في السودان، فإن ذلك يسمح بإعادة قراءة التجربة وتأملها، وليس هنالك طريقة أكثر قربا من معرفة أسرار الحركة الإسلامية السودانية واتجاهاتها، وأكثر صدقا من قراءة تجارب قياداتها وأطروحاتهم.. وهذا ما فعله القيادي فيها الدكتور أمين حسن عمر، بسلسلة مقالات يسجل فيها سيرة قيادة الحركة الإسلامية في السودان، تنشرها "عربي21" بالتزامن مع نشرها على صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، في سياق تعميق النقاش ليس فقط حول تجارب الإسلاميين في الحكم، وإنما أيضا في البحث عن علاقة الدين بالدولة.


رموز التنوير

ولد الأستاذ أحمد عبد الرحمن محمد في مدينة بربر في العام 1934، وهو ينتمي لقبيلة العبابدة الزبيرية، التي كان ينتمي إليها حسين بك خليفة حاكم بربر. وتخرج من كلية الآداب بجامعة الخرطوم في العام 1958، فعمل ضابطا إداريا، ثم ابتعث إلى هولندا، حيث نال درجة الماجستير في الإدارة العامة. عمل مديرا تنفيذيا لمدينة كسلا.

وقد كان خارج السودان عند قيام انقلاب أيار/مايو في 1969، الذي اعتقلت على أثره كل قيادة جبهة الميثاق الإسلامي من الصفين الأول والثاني. وكانت ردة فعل الأستاذ أحمد عبد الرحمن هي القدوم إلى إثيوبيا، حيث أسس مع الأستاذ عثمان خالد والدكتور عمر نور الدائم والأستاذ الشريف حسين الهندي عملا معارضا من الخارج، في حين انضم ثلة من الإخوان للإمام الهادي في الجزيرة أبا، للعمل المعارض من الداخل، وكان على رأسهم محمد محمد صادق الكاروري والدكتور محمد صالح عمر ومهدي إبراهيم وعز الدين الشيخ، وآخرون من الشباب الذين عادوا من معسكر الزرقا الفلسطيني. 

وانتقل العمل المعارض إلى السعودية التي لم تقبل بالتوجه الشيوعي لنظام الخرطوم، لكن الموقف السعودي تغير بعد طرد الشيوعيين، فاضطرت المعارضة للذهاب إلى لندن في العام 1974 ثم إلى ليبيا، حيث شجعها القذافي المغاضب للرئيس نميري على الاستعداد للعمل المسلح ضد نميري، بعد تقارب نميري مع أمريكا بعد اتفاقية أديس أبابا، التي رعتها أمريكا ومنحت الجنوب حكما ذاتيا. 

واحتدمت المعارضة أكثر بعد انقلاب المقدم حسن حسين، الذي اعتقل على أثره المئات من المعارضين وغالبهم من الإسلاميين. وتصاعدُ العمل المعارض أدى لمحاولة دخول الخرطوم بالقوة المسلحة التي حدثت في 2 تموز (يوليو) 1976. ورغم فشل المحاولة، إلا أنها هزت نظام أيار/مايو واضطرته للبحث عن هدنة مع المعارضة، وقد حدثت الهدنة بما سمي بالمصالحة الوطنية التي بدأت بلقاء بين نميرى والصادق المهدي في بورت سودان، ثم لقاء بين الأستاذين أحمد عبد الرحمن وربيع حسن أحمد مع نميري..وكانت المصالحة بلا شروط؛ لم تشترط الأحزاب غير حرية العمل السياسي ووافقت على المشاركة في العمل السياسي والتنفيذي.. وشغل الأستاذ أحمد عبد الرحمن محمد مقعدا في البرلمان ثم عين وزيرا للشؤؤون الداخلية 1980 حتى 1984. وعندما تحرك النميري ضد الحركة الإسلامية في 18 آذار (مارس) 1985، ونشوب الانتفاضة التي تسببت في الإطاحة بحكمه في أواخر آذار (مارس) والتحرك العسكري في 6 نيسان (أبريل)، شارك أحمد عبد الرحمن محمد في تأسيس الجبهة الإسلامية القومية وانتخب نائبا عنها في الجمعية التأسيسية 1986 ـ 1989، ثم عين وزيرا للرعاية الاجتماعية في حكومة الصادق المهدي الثانية حكومة الوفاق في العام 1988. وبعد قيام حكومة الإنقاذ اختير في أول مجلس وطني رقيبا للمجلس، ثم كان من أقوى دعاة الانفتاح في 1998 عندما انتقلت الإنقاذ للتعددية الحزبية، فقد ظل الأستاذ أحمد عبد الرحمن من أوسع الإسلاميين صلة بقيادات الأحزاب الوطنية، الذين ربطته بهم سنوات المعارضة وارتبط بصلة خاصة وصداقة متينة مع الدكتور عمر نور الدائم وزين العابدين الهندي، وكثير من السياسيين في الأحزاب المختلفة. 

وقد اشتهر الأستاذ احمد عبدالرحمن بين إخوانه بالعلاقات الاجتماعية الواسعة مع القيادات الأهلية والصوفية، كما أن علاقاته الخارجية كانت على ذات المستوى مع الإسلاميين والقوميين، فكان عضوا في المكتب التنفيذي للمؤتمر القومي وعضوا بالمؤتمر القومي ـ الإسلامي وعضوا بالمنتدي الإسلامي، وقاد مجلس الصداقة العالمية لسنوات عديدة، مما وسع دائرة اتصالاته العالمية. وقد اختير أمينا عاما لمجلس العلاقات العربية الصينية لعدة دورات متعاقبة. 

وعلى الصعيد الداخلي، شارك أحمد عبد الرحمن في تأسيس منظمة الدعوة الإسلامية وجامعة أفريقيا العالمية، وأسس مع مولانا دفع الله الحاج يوسف وآخرين جامعة السودان العالمية، وظل ناشطا ومبادرا بغير انقطاع في كل عمل إسلامي في البلاد. وقد احتفل به أهله في بربر في احتفال تكريم كبير، ومنحه رئيس الجمهورية وسام ابن السودان البار. أطال الله عمره وبارك في مساعيه وأجزل له أجرا كبيرا في العاجلة والآجلة.