قضايا وآراء

المخاوف الانقلابية أو هشاشة الانتقال الديمقراطي

1300x600
خلال الكلمة التي ألقاها عند استقباله رئيس الوزراء ووزير الدفاع، أنهى الرئيس التونسي قيس سعيد الجدل حول "صدق" الوثيقة المسربة من القصر والتي نشرها موقع "ميدل إيست آي" البريطاني.

وكانت تلك الوثيقة قد أثارت سجالا عموميا كبيرا في تونس بسبب ما مثلته - إن ثبتت صحتها - من تهديد لمسار الانتقال الديمقراطي وتأكيد للنزعة الانقلابية التي تحكم مؤسسة الرئاسة.

ورغم الاعتراف الضمني للرئيس بوجود هذه الوثيقة، فإنه أنكر أن يكون وراءها وإن لم يتبرأ من مضمونها، أي من "حقه" في تفعيل الفصل 80 من الدستور عند الضرورة باعتباره إجراءً استثنائيا قد تقتضيه الضرورة أو "الخطر الداهم".

وبحكم غلبة التسييس أو الأحكام المسبقة على أغلب المقاربات للوثيقة المسربة، فإننا نطمح في هذا المقال إلى تقديم مقاربة مختلفة تنطلق من تقديم بعض الأفكار الصالحة للإجابة عن الأسئلة التالية: هل فعلا تعكس كلمة الرئيس الأخيرة تغيرا في جملته السياسية أو في توجهاته العامة منذ وصوله إلى قصر قرطاج؟ هل إن الوثيقة - بصرف النظر عن كاتبها وعن الجهة التي تقف وراء تسريبها - غريبة عن العقل السياسي للرئيس أو عن مشروعه السياسي؟ ما هو جذر الأزمة السياسية في تونس بعيدا عن "تبريرات" الرئيس والحزام السياسي للحكومة على حد سواء؟ بصرف النظر عن مدى شرعية تفعيل الفصل 80 من الدستور في غياب المحكمة الدستورية، لماذا تعاني تونس حتى الآن من مخاوف مشروعة من الانقلاب، رغم مرور عشرية كاملة على ثورتها وعلى انطلاق مسار الانتقال الديمقراطي؟
بصرف النظر عن مدى شرعية تفعيل الفصل 80 من الدستور في غياب المحكمة الدستورية، لماذا تعاني تونس حتى الآن من مخاوف مشروعة من الانقلاب، رغم مرور عشرية كاملة على ثورتها وعلى انطلاق مسار الانتقال الديمقراطي؟

المضمون يمثله ولكنه ليس من استكتب صاحب الوثيقة

رغم حرص الرئيس على إنكار أي علاقة له بالرسالة أو بصاحبها، فإنه قد دافع عن مضمونها - تفعيل الفصل 80 من الدستور - باعتباره إجراءً استثنائيا دستوريا لا علاقة له بما يُروّج له خصومه من كونه انقلابا على الدستور. وهو ما يعني أنه حتى لو افترضنا أن "الوثيقة" لم تُكتب بطلب من رئاسة الجمهورية، فإنها في أحسن الحالات تعكس استجابة لطلب سياسي ملحّ، ويمكننا اعتبارها "خارطة طريق" لتفعيل الفصل 80 من الدستور بتحديد الإجراءات اللازمة اقتصاديا وسياسيا وقضائيا وأمنيا.

ولا يمكن فهم "دستورية" مضمون هذه الوثيقة إلا بربطه بتأويل الرئيس للدستور. فرغم اشتراط الدستور"إعلام رئيس المحكمة الدستورية" عند تفعيل الفصل واشتراطه بتّ المحكمة الدستورية في "استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه"، فإن الرئيس الذي يعتبر أن آجال إرساء المحكمة الدستورية قد انتهت، قد أوكل لنفسه مهام تلك المحكمة وهو ما يجعله في حلّ من "إعلامها" لتفعيل الفصل الثمانين من الدستور أو لتمديد العمل به. ولا شكّ في أن غياب المحكمة الدستورية يقوي المخاوف المشروعة من تفعيل الفصل 80 من الدستور، وهي مخاوف تزداد مشروعيتها عندما نلاحظ التطابق بين "روح" الوثيقة المسربة ومنطق الرئيس حتى خلال كلمته الأخيرة.

لقد حرص كاتب الوثيقة المسرّبة على شرعنة دعوته لتفعيل الفصل 80 من الدستور باستحضار الأوضاع الصحية والاقتصادية، وبالاستضعاف الممنهج للدولة ومؤسساتها القضائية من لدن نواب الشعب. كما سعى كاتب الوثيقة إلى عدم "أدلجة" الصراع والابتعاد به عن المفردات الهوياتية، وذلك لإبراز الجذر السياسي للأزمة. وهو أمر يعكس مقاربة الرئيس للصراع ضد الحزام السياسي للحكومة الحالية، أي حركة النهضة وائتلاف الكرامة وحزب قلب تونس.
استعاد الرئيس في كلمته "روح" الوثيقة المسربة - دون تفصيلاتها - موضحا أن "الخطر الداهم" الذي قد يستدعي تفعيل الفصل الثمانين من الدستور يوجد أساسا في "البرلمان"، خاصة في الحزام الحزبي للحكومة

وقد استعاد الرئيس في كلمته "روح" الوثيقة المسربة - دون تفصيلاتها - موضحا أن "الخطر الداهم" الذي قد يستدعي تفعيل الفصل الثمانين من الدستور يوجد أساسا في "البرلمان"، خاصة في الحزام الحزبي للحكومة. ولم يذكر الرئيس شيئا عن السياسات "التفقيرية" لهذه الحكومة وللحكومات السابقة منذ الثورة، ولم يبدُ معنيا بنقد منوال التنمية الفاشل الذي ورثته عن المخلوع ومَن سبقه، كما لم يتطرق للوضع الصحي أو الاقتصادي المأزوم ولا عن عبثية الاستمرار في سياسة الاقتراض في ظل غياب أي رؤية تنموية مستأنفة، واكتفى عند البرهنة على الفساد السياسي أو القضائي بعدم رفع مجلس النواب الحصانةَ عن 25 نائبا تتعلق بهم شبهات فساد. وهو في تقديرنا خيار تواصلي فاشل، لأنه يقوم على جملة سياسية "اختزالية" و"انتقائية" قد تُظهر الرئيس في وضع الباحث عن "افتكاك" صلاحيات جديدة أكثر مما تُظهر انشغاله بالمطالب/ الانتظارات الحقيقية لمجموع التونسيين.

مواطن القوة والضعف في الجملة السياسية للرئيس

لا شك عندنا في مشروعية نقد الرئيس للنخب السياسية وللبرلمان، ولا شك عندنا أيضا في أن جاذبية الجملة السياسية للرئيس تعود في جزء كبير منها إلى صدق ذلك النقد، ووجود نوع من الإجماع الشعبي على تحول البرلمان إلى ركيزة من ركائز "الديمقراطية الصورية" التي تكاد تعصف بالديمقراطية التمثيلية وبالقانون المنظم للسلطات. ولكن تلك المشروعية تعصف بنفسها كلما ابتعدت عن النقد الجذري واقتربت من الطرح الانتقائي الذي تحكمه المصالح والحسابات السياسية.
الرئيس لم ينتقد يوما وريثة التجمع المنحل وزعيمة الحزب الدستوري الحر، ولا يبدو مشغولا بالفساد الاقتصادي إلا عندما يرتبط بخصومه السياسيين ومصادر تمويلهم

فالرئيس لم ينتقد يوما وريثة التجمع المنحل وزعيمة الحزب الدستوري الحر، ولا يبدو مشغولا بالفساد الاقتصادي إلا عندما يرتبط بخصومه السياسيين ومصادر تمويلهم، وهو لم يتخذ يوما أية مسافة نقدية من "الشركاء" الدوليين لتونس - خاصة فرنسا - ولا أية مسافة مماثلة من "الشركاء الاجتماعيين" - خاصة الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الأعراف - وأغلب مكونات المنظومة القديمة، وهو ما يفقد مشروعه السياسي - أو مزاعمه الإصلاحية - الكثير من مصداقيتها، ويقويّ من المخاوف المشروعة من "الانقلاب" على التجربة الديمقراطية، بالتحالف مع بعض مكونات "المنظومة القديمة" وحلفائها الإقليميين والدوليين.

الجذر الحقيقي للأزمات السياسية الدورية

لو أردنا أن نتجاوز المنطق "التجزيئي" الذي قد يضيع في التفاصيل - أو يهدف أصلا إلى ذلك قصد تزييف الوعي الجمعي والتلاعب به - فإننا سنجد أن جذر الأزمة الحالية يوجد في مكانيين:

1- في الدستور والقانون المنظم للسلطات وفي القانون الانتخابي، تلك الأرضية التشريعية التي "لغّمت" الانتقال الديمقراطي وجعلت الاشتغال الطبيعي للبرلمان و"التوافق"بين السلطات وضعية مثالية يصعب تحقيقها. فلا القانون الانتخابي الذي صيغ في سياق معين لتحجيم حركة النهضة، ولا توزيع السطات بين رئاسة الحكومة ورئاسة الدولة (الانتخاب المباشر للرئيس وما يعنيه من شرعية شعبية ولكن مع تقليص صلاحياته)، ولا "المحاصصة" في تشكيل المحكمة الدستورية؛ ستسمح بترسيخ الانتقال الديمقراطي أو بإخراجه من الأزمات الدورية التي يعرفها وسيعرفها إذا ما تواصل الاشتغال بالترسانة التشريعية الحالية، بل إذا واصلت النخبة السياسية اعتماد منطقها القائم على وعي سياسي مفوّت ولا علاقة له بحركة الواقع واحتياجاته.

2- في السياسات الحكومية وما حكمها من خيارات لا علاقة لها بالثورة ولا حتى بالإصلاح. فكل الحكومات التي تعاقبت على حكم تونس منذ الثورة هي في جوهرها حكومات "المنظومة القديمة" في سياساتها الكبرى ولا علاقة لها - إلا من جهة الدعوى والمزايدة - بالثورة أو الإصلاح واستحقاقاتهما. وهو ما حوّل "الجمهورية الثانية" إلى لحظة من لحظات الجمهورية الأولى، مما يجعل المطالبة بـ"جمهورية ثالثة" أمرا مشروعا ومعبرا عن مواقف الكثير من التونسيين. ومهما كان موقفنا من المشروع السياسي للرئيس، فإنه يكتسب الكثير من جاذبيته من حدة الأزمة السياسية، وضرورة القيام بمراجعات فكرية/ تشريعية عميقة لتجنيب البلاد احتمال "الانقلاب" الذي لا يخفى أنه مطلب أساسي من مطالب بعض القوى الداخلية والإقليمية.
تعكس هشاشة الانتقال الديمقراطي في تونس. ولا شك عندنا في أن بحثها عن المخرج من الأزمة الحالية في تفعيل "الإجراء الاستثنائي" هو دفع بالعجز عن إيجاد صيغة "توافقية" يشارك فيها كل الفاعلين الجماعيين إلى حده الأقصى

بصرف النظر عن المواقف المتباينة من الوثيقة المسربة، فإنها تعكس هشاشة الانتقال الديمقراطي في تونس. ولا شك عندنا في أن بحثها عن المخرج من الأزمة الحالية في تفعيل "الإجراء الاستثنائي" هو دفع بالعجز عن إيجاد صيغة "توافقية" يشارك فيها كل الفاعلين الجماعيين إلى حده الأقصى، وتعبير عن الأزمة البنيوية التي أوجدها القانون المنظم للسلطات. ولكننا نؤمن أن "الانقلاب الناعم" الذي تدعو إليه الوثيقة المسربة ليس هو الشكل الانقلابي الأول أو الأوحد الذي عرفته تونس بعد الثورة.

فمجمل ما يُسمى بـ"الانتقال الديمقراطي السياسي" هو انقلاب ناعم على روح الثورة وعلى انتظارات التونسيين، وهو ما يجعلنا نعتبر الوثيقة جزءا من مسار انقلابي كامل، ذلك المسار الذي يجب الخروج منه لترسيخ الجمهورية الثانية ومنع تحوّلها إلى مجال خصب لإعادة إنتاج آفات الجمهورية الأولى، أو منصة للقفز نحو "المجهول"، أي نحو جمهورية ثالثة لا يعلم أغلب التونسيين حقيقتها ومآلاتها.

twitter.com/adel_arabi21