صحافة دولية

"نيويورك تايمز" مخاوف من انتشار السلالة الهندية في العالم

الهند تشهد انتشارا لسلالة خطيرة من كورونا- جيتي

وصفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، الرعب الذي تعيشه الهند جراء فيروس كورونا، والحديث عن سلالة هندية قد تهدد بلدان العالم كله.

 

وتاليا النص الكامل للتقرير كما ترجمته "عربي21":


بينما تعاني الهند من أسوأ أزمة فيروس كورونا يشهدها العالم، يصف مدير مكتبنا في نيودلهي الرعب من العيش في وسط مرض ينتشر بين الناس كالنار في الهشيم.
 
مراكز حرق الجثث باتت ممتلئة عن بكرة أبيها، وكأنما نحن في أجواء حرب قد اندلعت لتوها. تشتعل النيران على مدى الساعة، وفي كثير من المناطق تجري عمليات الحرق بشكل جماعي، العشرات في كل مرة، وفي الليل، تكاد السماء في بعض مناطق نيودلهي تضيء.
 
المرض والموت في كل مكان.
 
عشرات البيوت في الحي الذي أقطن فيه الناس فيها مرضى.
 
أحد زملائي مريض.
 
أحد معلمي ابني في المدرسة مريض.
 
جارنا على بعد بابين إلى اليمين من بيتنا مريض.
 
والذي عل بعد بابين إلى اليسار مريض.
 
يقول صديق عزيز يرقد الآن في المستشفى: "لا أدري كيف أصبت به.. تلتقط فقط نشقة من هذا...." ثم يتلاشى صوته وقد أعياه المرض فلم يتمكن من إكمال العبارة.
 
تمكن بصعوبة من الحصول على سرير، والأدوية التي يقول أطباؤه إنه بحاجة إليها لا سبيل للعثور عليها في أي مكان في الهند.
 
أجلس في شقتي منتظراً التقاط المرض. هذا هو الشعور الذي ينتاب المرء الآن في نيودلهي مع تقدم أسوأ أزمة كورونا يشهدها العالم باتجاهنا. إن الفيروس هناك في الخارج وأنا هنا في الداخل. أشعر بأنها مسألة وقت فقط، وحتماً سوف أمرض أنا الآخر لا محالة.
 
تسجل الهند الآن من الإصابات يومياً أكثر مما سجله أي بلد آخر مند بدء الجائحة، إذ وصل العدد إلى ما يقرب من 350 ألفاً، وهذا هو الرقم الرسمي فقط، لدرجة أن معظم الخبراء يعتبرونه أقل بكثير من الرقم الحقيقي.
 
تعاني مدينة نيودلهي، عاصمة الهند المزدحمة جداً والتي يبلغ تعداد سكانها عشرين مليوناً، من ارتفاع مفجع في عدد الإصابات. قبل أيام قليلة، وصلت نسبة النتائج الموجبة إلى مستوى مذهل إذ بلغت 36 بالمائة – ما يعني أن أكثر من واحد من كل ثلاثة أشخاص أجريت لهم فحوص ثبتت إصابتهم. كانت النسبة قبل شهر أقل من ثلاثة بالمائة.
 
انتشرت العدوى بسرعة فائقة لدرجة أن المستشفيات لم يعد فيها متسع، حتى إن الناس يردون عن أبوابها بالآلاف، وهناك شح شديد في الأدوية، وكذلك في الأكسجين الذي لا بد منه لإنقاذ حياة المصابين. ترك كثير من المرضى مقطوعين في خطوط ممتدة عند بوابات المستشفيات أو في بيوتهم، وهم يعانون من صعوبات شديدة في التنفس.
 
على الرغم من أن نيودلهي تحت الإغلاق إلا أن المرض ما زال في حالة من الهيجان، لدرجة أن الأطباء في أرجاء المدينة وبعض كبار السياسيين في نيودلهي وجهوا نداءات استغاثة إلى رئيس وزراء الهند نارندرا مودي عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية يناشدونه المساعدة في الحصول على الأكسجين والأدوية.
 
لطالما حذر الخبراء من أن جائحة كوفيد-19 قد تحرق الأخضر واليابس في الهند، فهذا بلد ضخم، تعداد سكانه حوالي 1.4 مليار نسمة، بلد مزدحم بالسكان، وفي كثير من الأماكن يعاني الناس فيه من فقر مدقع.
 
ما نشهده الآن يختلف كثيراً عما كانت عليه الأمور في العام الماضي، عندما كانت الهند تشهد موجتها الأولى. حينها كان ينتاب الناس خوف من المجهول، أما الآن فنحن نعلم. نعلم حجم الإصابة بالمرض، ومستوى انتشاره وسرعة تفشيه. نعلم عن القوة المرعبة لهذه الموجة الثانية، التي تضرب الجميع في نفس الوقت.
 
ما كنا نخشى منه أثناء الموجة الأولى في العام الماضي، ولم يتحقق حينها، ها هو يحدث الآن أمام أعيننا: تعطل وانهيار، وإدراك بأن الكثير من الناس سوف يلقون حتفهم.
 
طوال فترة عملي كمراسل أجنبي لما يقرب من عشرين عاما غطيت الأحداث في مناطق الحروب واختطفت في العراق وزج بي في السجن في أماكن كثيرة.
 
إلا أن هذه التجربة مقلقة بطريقة مختلفة، إذ لا سبيل لمعرفة ما إذا سوف أكون أنا وطفلاي وزوجتي من بين من يصابون بأعراض خفيفة ثم يستعيدون عافيتهم بعد وقت قصير أم سوف نقع في شباك المرض الشديد. وإذا ما مرضنا فإلى أين سنذهب؟ أقسام العناية المركزة ممتلئة تماماً، وبوابات كثير من المستشفيات مغلقة.
 
لربما كان المتحول الجديد، الذي يعرف هنا باسم "الطفرة المزدوجة"، هو ما يسبب كل هذا الدمار. ما زال الوقت مبكراً لحسم ذلك علمياً ولكن مما نعرفه حتى الآن فإن هذا المتحول يحتوي على طفرة قد تجعل هذا الفيروس أشد عدوى وعلى طفرة أخرى قد تزيد من مقاومته للمطاعيم. ولذلك فالأطباء مرعوبون. بعض من تحدثنا معهم قالوا إنهم تطعموا مرتين ومع ذلك فقد مرضوا وعانوا بشدة، الأمر الذي يعتبر مؤشراً سيئا.
 
إذن، ماذا بإمكان المرء أن يفعل؟
 
أحاول الاحتفاظ بروح إيجابية، معتقداً بأن ذلك من أفضل وسائل تعزيز المناعة، ولكني أجد نفسي منجرفاً نحو حالة من الذهول عبر غرف شقتنا، أقوم بفتور بفتح معلبات الأغذية لإعداد وجبات طعام لأطفالي، بينما ينتابني شعور بأن عقلي وبدني يتحولان إلى كتلة رخوة. بت أتوجس من تفقد هاتفي خشية أن أجد رسالة أخرى حول صديق قد ساءت أحواله، أو ربما ما هو أسوأ من ذلك. أنا على يقين من أن الملايين من الناس ينتابهم نفس الإحساس، ولكني بدأت أتخيل الأعراض: هل حلقي ملتهب؟ وماذا عن ذلك الصداع الخلفي؟ هل الأمور أسوأ اليوم؟
 
بات الجزء الذي أعيش فيه، في جنوب دلهي، خافتاً الآن. وكغيرنا من الأحياء خضعنا في العام الماضي لإغلاق صارم. ولكن الأطباء يحذروننا الآن من أن الفيروس صار أسرع تفشياً والعدوى به أشد، وأن فرص الحصول على العون غدت أسوأ بكثير مما كانت عليه أثناء الموجة الأولى، ولذلك فكثيرون منا يخشون مغادرة البيوت، كما لو أننا نخشى إن خرجنا من أن نستنشق غازاً ساماً.
 
بلاد الهند ضخمة، وهذا له إيجابيات وسلبيات، فمن ناحية فيها الكثير من الناس، ولديها الكثير من الاحتياجات وفيها الكثير من المعاناة. ولكن من ناحية أخرى فيها الكثير من التكنولوجيا والمقدرات والموارد الصناعية، بشرياً ومادياً. كدت أذرف دمعاً قبل ليال عندما شاهدت في الأخبار طائرة تابعة لسلاح الجو الهندي وهي تحمل خزانات الأكسجين من سنغافورة لتنقلها إلى المناطق التي تحتاج إليها في مختلف أرجاء البلاد. بمعنى آخر: تقوم الحكومة بنقل الهواء.
 
أياً كانت الصعوبة والخطورة التي نشعر بها جميعاً في دلهي فإن الأمور مرشحة لمزيد من التدهور. يقول خبراء الأمراض السارية إن أعداد المصابين سوف تستمر في الارتفاع، وقد تصل إلى نصف مليون حالة في اليوم على مستوى البلاد، وقد يصل عدد من ماتوا في الهند بسبب كوفيد-19 بحلول شهر أغسطس مليون نسمة.
 
لم تكن الهند مضطرة لأن تصل إلى هذا الحال.
 
كانت الأوضاع في الهند جيدة جداً حتى أسابيع قليلة ماضية، على الأقل في ظاهر أمرها. فقد فرضت الإغلاق وامتصت الموجة الأولى، ثم عادت وفتحت من جديد. وظل معدل الوفيات فيها منخفضاً (على الأقل طبقاً للإحصائيات الرسمية). وبحلول الشتاء كانت الحياة بمختلف جوانبها قد عادت إلى ما يشبه الوضع الطبيعي.
 
كنت أتجول لإعداد تقاريري طوال شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير، أقود سيارتي عبر مدن وبلدات وسط الهند. لم يكن أحد – وأقصد لا أحد على الإطلاق، بما في ذلك ضباط الشرطة – يلبس الكمامات. وكأنما البلد تقول لنفسها، رغم أن الموجة الثانية كانت على الأبواب، لا تقلقوا، فالأمور تحت السيطرة.
 
أما الآن، فلن تجد الكثيرين ممن ينتابهم مثل ذلك الشعور.
 
ما زال السيد مودي يتمتع بشعبية في صفوف قاعدته ولكن المزيد من الناس يحملونه المسؤولية عن الإخفاق في إعداد الهند لهذا الارتفاع في معدلات تفشي الوباء ويلومونه على تنظيمه لمهرجانات حاشدة في الأسابيع الأخيرة لم يفرض فيها ما يكفي من الإجراءات الاحتياطية اللازمة، ولعلها كانت بالفعل مناسبات لنشر العدوى على نطاق واسع.
 
في أحد المهرجانات التي نظمها السيد مودي، وقف أحد مذيعي الأخبار ليقول: "أعراف التباعد الاجتماعي ذهبت أدراج الرياح في هذا اليوم".
 
كما أن الهنود منزعجون من بطء سير حملة التطعيم، فحتى الآن لم يتلق الجرعة الأولى من المطعوم سوى أقل من عشرة بالمائة من السكان، بينما لا تتجاوز نسبة من تلقى الجرعتين 1.6 بالمائة على الرغم من أن اثنين من المطاعيم يتم إنتاجها هنا.
 
في الهند، كما في غيرها، يتمكن الأثرياء في العادة من إيجاد مخارج لهم من العديد من الأزمات. أما هذه المرة فالوضع مختلف.
 
أحد الأصدقاء ممن لديه معارف في أعلى المستويات سعى لمساعدة شخص مقرب منه يعاني صعوبة شديدة بعد إصابته بكوفيد، وذلك عبر تفعيل شبكة معارفه، ولكنه لم يفلح رغم كل هؤلاء المعارف وتلك الجهود من إدخاله إلى أي مستشفى، فأعداد المصابين أكبر بكثير مما يمكن للمرء أن يتصوره.
 
قال لي صديقي هذا: "حاولت بكل ما أملكه من قوة لإيجاد سرير لهذا الشخص ولكني لم أفلح. إنها فوضى عارمة".
 
قال وينتابه شعور بالحنق الشديد: "إنها نكبة. هذه جريمة قتل".
 
لا أجازف بالخروج إلا قليلاً، فقط لإحضار الطعام لعائلتي مما لا يتسنى توصيله إلينا. وأثناء خروجي أضع على وجهي كمامتين، وأحافظ على مسافات كبيرة بيني وبين أكبر عدد ممكن من الناس.
 
إلا أن معظم الأيام تمضي ونحن الأربعة محشورون داخل البيت. نحاول ممارسة بعض الألعاب، ونحاول تجنب الحديث عن الذين أصيبوا من معارفنا أو عن الذين يهرولون هنا وهناك في هذه المدينة المحاصرة بحثاً عن مساعدة من المحتمل ألا يجدوا إليها سبيلا.
 
وفي بعض الأوقات نكتفي بالجلوس صامتين في غرفة المعيشة، نرمق بأعيننا أشجار التين والنخيل في الخارج.
 
ومن خلال النافذة المفتوحة، في عصرية يوم طويل، نسمع شيئين اثنين: سيارات الإسعاف وتغريد الطيور.