كتب

الفيلم الوثائقي.. نقاش بالقضايا الأساسية وجدل الوظيفة والشكل

قراءة في مفهوم ومكونات الفيلم الوثائقي وتاريخ نشأته- (عربي21)

الكتاب: "الفيلم الوثائقي.. مقدمة قصيرة جدا"
المؤلف: باتريشيا أوفدرهايد
ترجمة: مريم عيسى
الناشر: دار المدى، 2017 


تقدم الأستاذة الجامعية والباحثة في الإعلام والسينما باتريشيا أوفدرهايد في كتابها "الفيلم الوثائقي.. مقدمة قصيرة جدا" للقراء وللمهتمين منهم بهذا النوع من الأفلام، وجبة دسمة من المعلومات القيمة حول الخلفيات التاريخية لنشوء الفيلم الوثائقي، وأبرز مؤسسيه، والسياقات الفكرية الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية التي ساهمت في تحديد أشكاله ومضامينه وفئاته المتنوعة، وإن كانت تركز في كتابها على الفئات التي تناقش مواضيع المناصرة والتحيّز، باعتبارها فئات شائعة في عالم الفيلم الوثائقي، "لأنها تثير قضايا مهمة حول الحقيقة وتمثيل الواقع". 

وهو ما يقودها إلى تعريف "الوثائقي" بأنه فيلم حول الحياة الواقعية وليس هو بذاته حياة واقعية أو نافذة عليها. إنه، كما تقول، تجسيد للحياة الحقيقية، حيث تأخذ هذه الحياة بوصفها مادته الخام، ليشكلها فنانون وخبراء تقنيون يتخذون قرارات لا تعد ولا تحصى حول أي القصص يجب أن تروى، ولمن، ولأي غرض. ومع ذلك فإن تعريف الفيلم الوثائقي عملية تظل مطروحة للنقاش على الدوام سواء كان ذلك من جانب صناع الأفلام أم المشاهدين. 

وأهمية التسمية أو التعريف تأتي من فكرة أن الأسماء تحمل معها التوقعات. الصدق والدقة والثقة صفات يفترض أنها مرتبطة بالفيلم الوثائقي، لذلك يحتل هذا النوع من الأفلام مكانة خاصة عند المشاهدين مستمدة من هذه الصفات تحديدا. "وعندما تخدعنا الأفلام الوثائقية، فإنها لا تخدع المشاهدين وحدهم بل أفراد الجمهور الذين يتصرفون بناء على المعرفة التي استقوها من الفيلم... الأفلام الوثائقية جزء من وسائل الإعلام التي تساعدنا على فهم عالمنا وفهم دورنا فيه، فهي تشكلنا على هيئة ممثلين من العامة".

المؤسسون

في عشرينيات القرن العشرين شكّل أشخاص ثلاثة توقعات وتصورات للجماهير عن الأفلام الوثائقية. هؤلاء هم روبرت فلاهرتي، وجون غريرسون، ودزيغا فيرتوف (دينيس كوفمان). اشتبك الثلاثة مع السؤال: متى تعارض المهارة الفنية الواقع ومتى تسهّل تمثيله؟ بأساليب مختلفة، وفتحوا الباب أمام جدالات لم تنته حتى الآن. عمل كل من فلاهرتي وغريرسون على ترسيخ تقليد الواقعية في السينما الوثائقية، و"هذا التقليد التعبيري هو ما يخلق وهم الحقيقة عند المشاهد.. حيث لم تكن الواقعية محاولة التقاط صورة طبق الأصل للواقع بل طريقة توظف الفن في محاكاة هذا الواقع على نحو فعال تماما".

 



صور فلاهرتي فيلمه الأول "نانوك الشمال" 1922 عن حياة سكان القطب الشمالي الأصليين، الذي مولته شركة تجارية فرنسية مختصة بالفراء، ويروي فيه قصة درامية عن البقاء في مواجهة عناصر الطبيعة والمناخ القاسية. لكنه محكوم بنظرته الرومانسية طلب من الإنويت (سكان القطب الشمالي) إعادة إحياء عادات تقليدية لتصويرها في فيلمه، التي تضمنت رحلات صيد "عالية الدراما"، بدلا من تسجيل سير حياتهم اليومية الخالي من الأحداث، ومن خلال المونتاج وزوايا الكاميرا وإيقاع الفيلم أعطى المشاهدين انطباعا قويا بأن ما اختبروه كان شيئا حقيقيا تقريبا، بحسب ما تقول اوفدرهايد.

وبالنسبة لغريرسون فقد رأى الفيلم الوثائقي بوصفه وسيلة لتعزيز الترابط الاجتماعي وأداة للتثقيف ورصد الحياة، حتى وإن كان ذلك على حساب العناصر الجمالية، حيث أكد عام 1942 أن "فكرة الفيلم الوثائقي لم تكن فكرة سينمائية على الإطلاق.. إنما فكرة جديدة للتوعية العامة"، لذلك احتفى فيلمه"بريد ليلي" 1936 باتحاد الإنسان مع الآلة في خدمة توصيل البريد البريطانية. 

أما فيرتوف فكان أحد الأعلام التأسيسيين للسينما في روسيا وحول العالم بعد الثورة الروسية، مصدر إلهام مستمر للفنانين الطليعيين وصانعي الأفلام الوثائقية. مزج فيرتوف بين الفن والعلوم في صناعة الوثائقي. وكان مشغولا بالتأكيد على "علو كعب السينما غير التمثيلية على الأفلام التمثيلية، واستبدال التوثيق بإعداد الاستوديو وتزيينه، والهروب من خشبة المسرح إلى حلبة الحياة نفسها.. كان يرى الكاميرا كامتداد ميكانيكي للمقدرة البصرية الإنسانية الضعيفة، بمقدورها أن ترى مشاهد بانورامية، وأن تمعن النظر داخل المنازل..". 

ثلاثة مناهج الأول لفلاهرتي الذي يركز على الترفيه الراقي، والثاني لغريرسون المشغول بالسرد النافع اجتماعيا، والثالث يقوم على التجريب المثير لفيرتوف، تعرضت كلها لنقد وهزات عنيفة في الستينيات مع ظهور ما عرف بسينما الحقيقة أو "فيريتيه" أو سينما الرصد، أو السينما المباشرة التي قطعت مع كل الأساليب التقليدية القديمة في انتاج الفيلم الوثائقي من ناحية التخطيط المسبق، وكتابة النص، والأداء، والإضاءة، وإعادة تجسيد الأحداث وإجراء المقابلات.

الدعاية الحكومية

تنتقل أوفدرهايد في الفصل الثاني من كتابها للحديث عن أنواع فرعية متنوعة من الفيلم الوثائقي، ترصد من خلالها مدى اختلاف معالجة المخرجين للمشاكل المتعلقة بتمثيل الواقع فيها. ومن هذه الأنواع أفلام الشؤون العامة التي تعد "نسخة أكثر تمرسا وجدية من الأخبار،.. ظهرت من التجارب المبكرة لصناع الفيلم الوثائقي وتتبع تقاليد الصحفيين"، تليها أفلام الدعاية الحكومية وهي، كما تقول اوفدرهايد،مصدر مهم من مصادر التمويل وتدريب مخرجي الأفلام الوثائقية حول العالم وذات تأثير قوي أحيانا على الرأي العام، وهي نموذج من الانتاج الفني لجأت إليه الحكومات منذ بدايات السينما. 

وتظهر المقارنة بين ثلاثة أفلام من هذا النوع كيف تختلف الدعاية وفق تفويض الحكومة والسياق الثقافي والفنان نفسه. 

في فيلم المخرجة الألمانية ليني ريفينشتال "انتصار الإرادة" 1935 تجسيد مثالي لهدف السينما النازية الدعائية، حيث يظهر "الحزب والحكومة بوصفهما قوة موحدة الطابع ولا تقاوم" عبر لقطات ومشاهد للحشود الغفيرة التي تبدي انفعالات واحدة، ترافقها الموسيقى الصاخبة، بقصد إبهار المؤيدين وترهيب الأعداء. 

وفي بريطانيا كان فيلم "استمع إلى بريطانيا" 1942 للمخرج همفري جينيغز قائما على التقاط ملامح يومية لبريطانيا "المتأهبة دوما للطائرات والقنابل"، من الشوارع تظهر أطفالا يرقصون، وعمال إسعاف، ورجالا يشقون طريقهم إلى العمل، ونساء تتولى مهام الرقابة. كان الهدف "إيقاظ فهم مشترك بين البريطانيين مفاده أنهم سيوافقون على كل ما يتطلبه الأمر للفوز بالحرب دون التخلي عن هوياتهم"، لكن بطريقة لا تظهر أنه يقوم بالدعاية إطلاقا. 

أما في الولايات المتحدة الأمريكية فكانت سلسلة أفلام "لماذا نقاتل" 1943 من أبرز أعمال الدعاية، وأنتجها مخرج هوليوود فرانك كابرا. استخدمت هذه السلسلة "مجموعة من الحجج الإرشادية ذات التأثير القوي عاطفيا حول انخراط الولايات المتحدة في الحرب في خطاب مباشر وصريح. 

تقول أوفدرهايد "هذه الأفلام شأنها شأن الجهود الدعائية التي تبذلها الحكومات بالمجمل، نجحت حيث أمكن لها تقوية المعتقدات، لكن لم تكن في يوم من الأيام ذات تأثير كبير في تغيير الرأي العام. والادعاءات القائلة بقدرة أي عمل من الأعمال الدعائية على تسميم عقول المشاهدين أو السيطرة عليها هي ادعاءات مبالغ فيها على وجه العموم".

سينما ثالثة

نوع آخر من الأفلام الوثائقية هو أفلام القضايا التي يصنعها مناصرون وناشطون خدمة لقضايا سياسية، وهي من جهة تشابه أفلام الدعاية لكنها تعمل في سياق مختلف. ويكمن الفرق الكبير بين النوعين في طبيعة المنظمات الممولة. "فالحكومة ذات تأثير وسلطة فريدين على مواطنيها، وغالبا ما تمثل عملية الإقناع التي تقوم بها أداة من أدوات جهازها القمعي.. بينما يعد ترويج منظمات المجتمع المدني لوجهات نظرها في مجتمع منفتح مساهمة في مجال حيوي عام. وكلما ازداد نشاط منظمات المجتمع المدني في التعبير عن وجهات نظرها ودعوة الجمهور للاشتراك معها، كان المجتمع أصح وأفضل". 

ضمن هذا النوع من الأفلام الوثائقية ظهر في ستينيات القرن العشرين ما سمّي بحركة "السينما الثالثة". كان المخرج الأرجنتيني فرناندوسولاناس، وعالم الاجتماعالأرجنتيني أوكتافيو غيتينو من أكثر مخرجي الحركة تأثيرا، وأصدرا معا بيانا يدعو إلى سينما ثالثة ( الأولى هي هوليوود والثانية هي السينما الفنية أو سينما المؤلف) وأكدا فيه على أن السينما يجب أن تكون فعلا من أفعال نزع الكولينيالية. وكوّن العديد من المخرجين الناشطين حول العالم الذين كانوا ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم الطليعة الثقافية للتغيير، في زمن سادت فيه أجواء الحرب الباردة تصاعدت فيه حركات التحرر وحركات الحقوق المدنية، مجموعات ومشاريع مشتركة لانتاج هذه الأفلام التي يتقاسمون فيها العمل والأرباح بالتساوي. 

هذه الرؤية ما زالت تعود وتفرض نفسها في أماكن كثير وتحديدا في أوقات الأزمات.وبعض من الأعمال التي أنتجت في هذا السياق ومنعت من العرض في وقتها عادت لتستخدم كوثائق تدرس كما حدث مع فيلم "معركة تشيلي" الذي يؤرخ لفترة رئاسة سلفادور أليندي.

تعديل "السجل التاريخي"

تتوقف أوفدرهايد أيضا عند الأفلام الوثائقية التاريخية وترى أن مخرجيها يواجهون مشاكل تتعلق بتقدير خبرتهم.ورغم أنهم يصلون من خلال أعمالهم إلى جمهور أكبر بكثير من جمهور المؤرخين الأكاديميين، فإنهم بالكاد يكون لديهم التدريب الذي تلقاه المؤرخون، وقد "يقبلون بفكرة غير نقدية مفادها أنهم يروون حقائق الماضي فقط، أو قد يعتنقون نظرة متحيزة للماضي بشكل غير نقدي". لكن من جهة أخرى تلعب "الأفلام التعديلية" هنا دورا مهما وهي تلك "الأفلام التي تتحدى نسخة السجل التاريخي السائد". 

 



تشير أوفدرهايد إلى سلسلة هنري هامبتون"عيون على الجائزة" كمثال على إدخال عناصر جديدة إلى السجل التاريخي. إذ تتعقب السلسلة التي لاقت نجاحا كبيرا على التلفزيون العام الأمريكي حركة الحقوق المدنية باعتبارها الحركة التي تدافع عن أفضل القيم في الثقافة الأمريكية في مواجهة الوضع العنصري القائم، عبر استخدام مشاهد أرشيفية نادرة وبالتعاون مع مؤرخين أكاديميين ساهموا في بناء القصص، لتقدم في المحصلة رواية جديدة موثقة للأحداث خلقت وعيا عاما على مستوى البلاد حول التأثير العميق لحركة الحقوق المدنية في التاريخ الأمريكي.

تقول أوفدرهيد: "سيستمر صناع الأفلام الوثائقية في خوض صراع مثمر مع أسئلة مثل: كيف يمثل المخرج الواقع بمسؤولية؟ ما الحقائق التي يجب إخبارها؟ ما المسؤولية الملقاة على عاتق المخرج في ما يتعلق بمن يؤدون الأدوار في عمله؟ من لديه فرصة صنع الأفلام الوثائقية؟ كيف سترى؟ وفي ظل أي قيود؟... وستبقى مشكلة تمثيل الواقع جديرة بالتعارك معها، لأن الفيلم الوثائقي يقول: لقد حدث هذا فعلا، وكان على درجة من الأهمية لأعرضه عليكم، فشاهدوه".